11 ـ الشورى وبيعة عثمان

 * حديث سيف.

* حديث غير سيف.

* مقارنة.

 حديث سيف:

روى الطبري في ج 3 من تاريخه ص 292 في ذكر حوادث سنة 23 هـ(51) عن (سيف) عن عبداللّه بن عمر، قال: قال عمر: إنّي لاعلم أنّ الناس لا يعدلون بهذين الرّجُلين اللذين كان رسول اللّه(ص) نجيّاً بينهما وبين جبريل يَتَبَلَّغُ عنه ويُملي عليهما (يعني علياً وعثمان).

وروى الطبري(52) في ص 266 منه في ذكره حوادث سنة 23 ه‍‍ وفي ص 305(53) منه في ذكره حوادث سنة 24 ه‍‍ عن (سيف) قال: ((اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضين من المحرم وقد دخل وقت العصر، قد أذن صُهَيب واجتمعوا بين الاذان والاقامة فخرج فصلّى بالناس... الخ)).

وروى في ص 305(54) منه عن (سيف) قال: ((لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدّهم كآبة، فأتى منبر رسول اللّه (ص)، فخطب الناس فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي (ص) وقال: إنّكم في دار قُلْعَة وفي بقيّة أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد اُتيتم صُبّحتم أو مُسّيتم، ألا وان الدنيا طُويت على الغرُور، فلا تغُرَّنكم الحياة الدنيا ولا يغرَّنكم باللّه الغَرور، اعتبروا بمن مضى ثمَّ جِدّوا ولا تغفلوا فإنّه لايُغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الّذين أثاروا الارض ثمَّ عمروها ومُتّعوا بها طويلاً، ألم تلفِظهم؟ إرموا بالدنيا حيث رمى اللّه بها واطلبوا الاخرة فإنّ اللّه قد ضرب لها مثلاً والذي هو خير، فقال عزّ وجلّ:

(واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ـ إلى قوله ـ‍

أملا(55)) وأقبل الناس يُبايعونه)) انتهى.

 

حديث غير سيف:

هذا مايرويه ((سيف)) في الشورى وبيعة عثمان وخطبته، أمّا الشورى وكيفية تعيين الخليفة من بعد عمر فيظهر للباحث المتتبع أن أبا حفص كان يُفكر في أمر الخلافة من بعده منذ عهد طويل.

روى ابن هشام في السيرة 4 / 336 ـ 337 عن عبدالرحمن بن عوف أنّ عمر قال وهو بمنى عندما قال له رجل: ((يا أمير المومنين هل لك في فلان يقول:

واللّه لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، واللّه ما كانت بيعة أبي بكر إلاّفلتة فتمَّت؟ قال: فغضب عمر، فقال: إنّي ان شاء اللّه لقائم العشيّة في الناس فمُحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبدالرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فان الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فأمْهِل حتّى تقدم المدينة فإنّها دار السُّنة فَتخلُص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة مُتمكّنا، فيعي أهلُ الفقه مقالتك ويضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر:

أما واللّه ان شاء اللّه لاقومنَّ بذلك أوّل مقام أقومه بالمدينة)).

ثم يذكر بعده أنّ عُمَر صعد المنبر في أول جمعة قدم المدينة فخطب وقال في خطبته: ((انه قد بلغني أن فلانا قال: واللّه لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، فلايغرنَّ امرأً أن يقول ان بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، وانها قد كانت كذلك إلاّ  أن اللّه قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر.

فمن بايع رجلا من المسلمين بغير مشورة من المسلمين فإنّه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تَغِرَّة أن يُقتلا... الخ))، وقد ذكرنا بقية اسنادها في ذكر التحصن بدار فاطمة وفي ذكر موقف عمر ورأيه.

وروى ابن أبي الحديد في 2 / 123 عن الجاحظ أنه قال: ((إنَّ الذي قال: لو قد مات عمر لبايعت فلانا، عمار بن ياسر، قال لو قد مات عمر لبايعت عليّا (ع) فهذا القول هو الذي هاج عمر فخطب ما خطب)).

وقال غيره من أهل الحديث: إنّما كان المعزوم على بيعته لو مات عمر (طلحة ابن عبيد اللّه). لايهمنا معرفة الرجل المعزوم على بيعته، وإنّما المهم ان الخليفة قد ذكر في خطبته (المشورة) في أمر الخلافة. ولم يسبق للنبي أن ذكر الشورى والمشورة لتعيين الخليفة من بعده؛ وقد تمت بيعة أبي بكر بغتةً وفلتةً كما صرّح هو بذلك. وإنّ عمر نفسه أيضا قد بويع بتعيين من أبي بكر لا بالشورى والمشُورة. إذا فقد كان أبو حفص أوّل من فكّر في تعيين الخليفة من بعده بطريقة الشورى، ويظهر من تصريحه في هذه الخطبة أنّه كان قد فكَّر في الشورى من قبل أن يطعنه عبد المغيرة بن شعبة فَيرُوز.

أمّا الشورى فقد روى البلاذري في ج 5 من كتابه أنساب الاشراف ص 15 ـ 16، وابن سعد في طبقاته ج 3 ق 1 ص 243: ((إن عمر بن الخطّاب خطب الناس يوم الجمعة فذكر النبي(ص) وأبا بكر، ثم قال: إنّي رأيت كأنَّ ديكاً نقرني ولا أراه إلاّ حضور أجلي، وإن قوماً يأمرونني أن استخلف. وإنّ اللّه لم يكن ليضيع دينه وخلافته والذي بعث به نبيه، فإن عجّل بي الامر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفّي رسول اللّه(ص) وهو عنهم راض، وقد علمت أنّه سيطعن في هذا الامر أقوام أنا ضربتهم بيدي على الاسلام فإن فعلوا فاُولئك أعداء اللّه)).

وروى ابن عبد ربّه في العِقد الفريد 3 / 73، قال: ((لمّا طُعن عمر بن الخطّاب قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت؟ قال: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير منّي، وإن استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير منّي، لو كان أبو عبيدة الجرّاح حيّاً لاستخلفته، فإن سألني ربّي قلت: سمعت نبيّك يقول: إنّه أمين هذه الاُمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته، فإن سألني ربّي قلت: سمعت نبيّك يقول: إن سالم لَيُحِبّ اللّه حُبّاً لو لم يخف اللّه ما عصاه، قيل له: فلو أنّك عهدت إلى عبداللّه فإنّه له أهل في دينه وفضله وقديم إسلامه، قال: بحسب آل الخطّاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن اُمّة محمد(ص) ولوددت أني نجوت من هذا الامر كفافاً لا لي ولا عليّ، ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين لو عهدت. فقال: لقد كنت

أجمعت بعد مقالتي لكم أن أُوَلِّيَ رجلاً أمركم أرجو أن يحملكم على الحقّ ـ وأشار إلى عليٍّ ـ ثم رأيت أن لا أتحمّلها حيّاً وميتاً... الخ)).

وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 16 عن عمرو بن ميمون، قال:

((كنت شاهداً لعمر يوم طُعِن فذكر حديثاً طويلاً ثمّ قال: قال عمر: أُدعوا لي علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فلم يكلم أحداً منهم غير عليّ وعثمان، فقال: يا عليّ لعلَّ هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النبيّ(ص) وصهرك وما أنالك اللّه من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الامر فاتَّق اللّه فيه، ثم دعا عثمان وقال: يا عثمان لعلّ هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول اللّه وسِنَّك فإن وَليتَ هذ الامر فاتّق اللّه ولا تحمل آل أبي مُعَيْط على رقاب الناس، ثم قال: ادعوا لي صُهَيْبَاً فَدُعِيَ، فقال: صلّ بالناس ثلاثاً وليَخْلُ هؤلاء النفر في بيت فإذا اجتمعوا على رجل منهم فمن خالفهم فاضربوا رأسه، فلمّا خرجوا من عند عمر قال: إن ولَّوها الاجلح(56) سلك بهم الطريق، قال ابن عمر: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال: أتحمَّلُها حيّاً وميتاً؟)) وقريب منه ما في طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 247. وراجع ترجمة عمر من الاستيعاب ومُنْتَخَب الكنز 4 / 429.

وفي الرّياض النضرة 2 / 72 بعد ذكره ما رواه عمرو بن ميمون عن عمر في حق عليّ، قال أخرجه النسائي وفيه أيضاً: ((للّه درّهم إن ولَّوها الاُصَيلع كيف يحملهم على الحقّ وإن كان السيف على عنقه. قال محمد بن كعب: فقلت: أتعلم ذلك منه ولا تُوَلّيه؟ فقال: إن تركتهم فقد تركهم من هو خير مني)).

روى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 17 عن الواقدي بسنده، قال: ((ذكر عمر من يستخلف فقيل: أين أنت عن عثمان؟ قال: لو فعلت لحمل بني أبي معيط‍ على رقاب الناس، قيل: الزبير؟ قال: مؤمن الرضى كافر الغضب، قيل: طلحة؟ قال: أنفه في السماء واسته في الماء، قيل: سعد؟ قال: صاحب مقنب(57)، قرية له كثير، قيل: عبدالرحمن؟ قال: بحسبه أن يجري على أهل بيته)).

وروى عن ابن ميمون: ((إنّ عمر جعل الشورى الى ستة، وقال: عبداللّه بن عمر معكم وليس معه شي‌ء)).

وروى البلاذري في 5 / 18 من أنساب الاشراف عن أبي مخنف: إن عمر بن الخطاب أمر صهيبا مولى عبداللّه بن جدعان حين طُعن أن يجمع اليه وجوه المهاجرين والانصار، فلمّا دخلوا عليه قال: إنّي جعلت أمركم شورى الى ستة نفر من المهاجرين الاوّلين الذين قبض رسول اللّه (ص) وهو عنهم راض ليختاروا أحدهم لامامتكم وسمّـاهم، ثم قال لابي طلحة زيد بن سهل الخزرجي: إختر

خمسين رجلا من الانصار يكونوا معك، فاذا تُوفيت فاستحثَّ هؤلاء النفر حتّى يختاروا لانفسهم وللاُمّة أحدهم ولايتأخروا عن أمرهم فوق ثلاث، وأمر صهيبا أن يصلّي بالناس الى ان يتفقوا على إمام، وكان طلحة بن عبيداللّه غائبا في ماله بالسُّراة(58) فقال عمر: إن قدم طلحة في الثلاثة الايام وإلاّ فلا تنتظروه بعدها وأبرموا الامر واصرموه وبايعوا من تتفقون عليه، فمن خالف عليكم فاضربوا عنقه، قال: فبعثوا الى طلحة رسولا يستحثونه ويستعجلونه بالقدوم فلم يرد المدينة إلاّ بعد وفاة عمر والبيعة لعثمان، فجلس في بيته وقال: أعلى مثلي يُفتات! فأتاه عثمان، فقال له طلحة: إن رددت اتَرُدّه!؟ قال: نعم، قال: فإنّي أمضيته فبايعه. وقريب منه ما في العقد الفريد 3 / 73.

وروى في ص 20 منه قال: إنّ طلحة قال بعد ذلك: ((فإن شئت بايعتك في مجلسك وإن شئت ففي المسجد فبايعه، فقال عبداللّه بن سعد بن أبي سرح: مازلت خائفاً لان ينتقض هذا الامر حتى كان من طلحة ما كان فَوصلَته رَحِم. ولم يزل عثمان مكرماً لطلحة حتى حُصِر فكان اشدّ الناس عليه)).

وروى البلاذري في ص 18 من كتابه أنساب الاشراف بسند ابن سعد قال:

((قال عمر: ليتّبع الاقلّ الاكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه)).

وروى في ص 19 منه عن أبي مخنف أنّه قال: ((أمر عمر أصحاب الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثاً فإن اجتمع اثنان على رجل واثنان على رجل رجعوا في الشورى. فإن اجتمع أربعة على واحد وأباه واحد كانوا مع الاربعة، وإن كانوا ثلاثة (وثلاثة) كانوا مع الثلاثة الذين فيهم ابن عوف إذ كان الثقة في دينه ورأيه

المأمون للاختيار على المسلمين)) وقريب منه ما في العقد الفريد 3 / 74.

وروى أيضاً عن هِشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر قال: ((إن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتَّبعوا صنف عبدالرَّحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا)) وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1 ص 43.

وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 15 عن الواقدي عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر قال: ((إنّ رجالاً يقولون إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللّه شرَّها، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة والامر بعدي شورى فإذا اجتمع رأي أربعة فليتَّبع الاثنان الاربعة، وإذا اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتَّبعوا رأي عبدالرَّحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا، وإن صَفق عبدالرَّحمن بإحدى يديه على الاُخرى

فاتَّبعوه)).

وروى المُتَّقي في كنز العمّال 3 / 160 عن محمد بن جُبير عن أبيه أنَّ عمر قال: ((إن ضرب عبدالرَّحمن بن عوف إحدى يديه على الاُخرى فبايعوه))، وعن أسلم أنَّ عمر بن الخطّاب قال: ((بايعوا لمن بايع له عبدالرَّحمن بن عوف فمن أبى فاضربوا عنقه)).

من كلّ هذا يظهر أنّ الخليفة كان قد جعل أمر الترشيح بيد عبدالرَّحمن بن عوف.

روى البلاذري في 5 / 19 من كتابه أنساب الاشراف أيضاً: ((إنّ علياً شكا إلى عمّه العبّاس ما سمع من قول عمر: كونوا مع الذين فيهم عبدالرَّحمن بن عوف، وقال: واللّه لقد ذهب الامر منّا، فقال العباس: وكيف قلت ذلك يا ابن أخي؟ فقال: إن سعداً لا يخالف ابن عمّه عبدالرَّحمن وعبدالرَّحمن نظير عثمان وصهره فأحدهما لا يخالف صاحبه لا محالة، وإن كان الزبير وطلحة معي فلن انتفع بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الاخرين. وقال ابن الكلبي: عبدالرَّحمن بن عوف زوج اُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط واُمّها أرْوى بنت كُرَيْز وأروى اُمّ عثمان فلذلك قال صهره)) وقريب منه في العقد الفريد 3 / 74.

وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 20 عن أبي مِخْنَف: ((أن علياً خاف أن يجتمع أمر عبدالرَّحمن وعثمان وسعد فأتى سعداً ومعه الحسن والحسين فقال له: يا أبا إسحاق إنّي لا أسألك أن تدع حق ابن عمّك بحقي أو تؤثرني عليه فتبايعني وتدعه، ولكن إن دعاك إلى أن تكون له ولعثمان ثالثاً فأنكِر ذلك، فإنّي أُدلي إليك من القرابة والحق ما لا يُدلي به عثمان، وناشَدَهُ بالقرابة بينه وبينه، وبينه وبين الحسن والحسين، وبحقّ آمنة اُمّ رسول اللّه(ص)، فقال سعد: لك ما سألت، وأتى سَعْد عبدالرَّحمن فقال له عبدالرَّحمن: هَلُمَّ فلنجتمع، فقال سعد: إن كنت تدعوني والامر لك وقد فارقك عثمان على مبايعتك كنت معك،! وإن كنت إنّما تريد الامر لعثمان فعليّ أحقّ بالامر وأحبّ إليّ من عثمان، قال: وأتاهم أبو طلحة فاستحثَّهم

وألحَّ عليهم، فقال عبدالرحمن: يا قوم أراكم تتشاحنون عليها وتؤخّرون إبرام هذا الامر أفكُلُّكم رحمكم اللّه يرجو أن يكون خليفة؟ ورأى أبو طلحة ما هم فيه فبكى وقال: كنت أظُنُّ بهم خلاف هذا الحرص، إنّما كنت أخاف أن يتدافعوها)). وفي أنساب الاشراف 5 / 21 روى عن المدائني أنّ عمر أدخل ابنه في الشورى على أنّه خارج من الخلافة وليس له إلاّ الاختيار فقط، قال أبو الحسن المدائني: ولم يجتمع على ذلك.

وروى في ص 21 منه عن أبي مخنف قال: ((لمّا دُفِن عمر أمسك أصحاب الشورى وأبو طلحة يَؤمُّهم فلم يحدثوا شيئاً، فلمّا أصبحوا جعل أبو طلحة يَحُوشُهم للمناظرة في دار المال، وكان دفن عمر يوم الاحد وهو الرابع من يوم طُعِن. وصلّى عليه صهيب بن سنان، قال: فلما رأى عبدالرحمن تناجي القوم وتناظرهم وأنّ كل واحد منهم يدفع صاحبه عنها، قال لهم: يا هؤلاء أنا أُخرج نفسي وسعداً على أن أختار يا معشر الاربعة أحدكم فقد طال التناجي وتطلَّع الناس إلى معرفة خليفتهم وإمامهم واحتاج من أقام الانتظار ذلك من أهل البلدان الرجوع إلى أوطانهم، فأجابوا إلى ما عرض عليهم إلاّ علياً فإنّه قال: أنظر.

وأتاهم أبو طلحة فأخبره عبدالرحمن بما عرض وبإجابة القوم إيّاه إلاّ علياً فأقبل أبو طلحة على علي، فقال: يا أبا الحسن إنّ أبا محمد ثقة لك وللمسلمين فما بالك تخالف وقد عدل الامر عن نفسه فلن يتحمَّل المأثم لغيره، فأحلف عليّ عبدالرحمن ابن عوف أن لا يميل إلى هوى وأن يؤثر الحقّ وان يجتهد للاُمّة، وأن لا يُحابي ذا قرابة فحلف له، فقال: إختر مُسَدَّداً، وكان ذلك في دار المال ويقال في دار المِسْوَر ابن مَخْرَمة.

ثم إنَّ عبدالرحمن أحلف رجلاً رجلاً منهم بالايمان المغلظة، وأخذ عليهم المواثيق والعهود أنهم لا يخالفونه إن بايع منهم رجلاً وأن يكونوا معه على من يناوئه فحلفوا على ذلك، ثم أخذ بيد عليّ فقال له: ((عليك عهد اللّه وميثاقه إن بايعتك أن لا تحمل بني عبد المطلب على رقاب الناس، ولتسيرنَّ بسيرة رسول اللّه(ص) لا تحول عنها ولا تقتصر في شي‌ء منها، فقال عليّ: لا أحمل عهد اللّه

وميثاقه على ما لا أُدركه ولا يدركه أحد. من ذا يطيق سيرة رسول اللّه(ص)، ولكنّي أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد منّي، وبما يمكنني وبقدر علمي)) فأرسل عبدالرحمن يده ثم أحلف عثمان وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يحمل بني اُمية على رقاب الناس وعلى أن يسير بسيرة رسول اللّه(ص) وأبي بكر وعمر ولا يخالف

شيئاً من ذلك، فحلف له. فقال عليّ: قد أعطاك أبو عبداللّه الرّضا فشأنك فبايعه، ثم إن عبدالرحمن عاد إلى عليّ فأخذه بيده وعرض عليه أن يحلف بمثل تلك اليمين أن لا يخالف سيرة رسول اللّه وأبي بكر وعمر، فقال عليُّ: عَلَيّ الاجتهاد، وعثمان يقول:

نعم عَلَيّ عهد اللّه وميثاقه وأشدّ ما أخذ على أنبيائه أن لا أُخالف سيرة رسول اللّه(ص) وأبي بكر وعمر في شي‌ء ولا أقصر عنها، فبايعه عبدالرحمن وصافحه وبايعه أصحاب الشورى، وكان عليُّ قائماً فقعد، فقال له عبدالرحمن: بايع وإلاّضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف، فيقال: إنّ علياً خرج مُغضِباً فَلَحقه أصحاب الشورى، فقالوا: بايع وإلاّ جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان)).

وفي تاريخ مختصر الدول لابن العبري ط. الكاثوليكية بيروت سنة 1958م:

قال عبدالرحمن لعلي بن أبي طالب: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنّة نبيّه وسنة الشيخين؟ قال: أمّا كتاب اللّه وسنة نبيّه فنعم وأمّا سنة الشيخين فأجتهد رأيي.

فجاء إلى عثمان فقال له: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنة نبيّه وسنة الشيخين، قال: اللهم نعم فبايعه.

وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 24 عن الواقدي: قال: إنَّ عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطب فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيُّها الناس إنّ أوّل مركب صعب وإن بعد اليوم أياماً وإن أعِش تأتكم الخطبة على وجهها فما كُنّا خطباء وسيُعَلِّمنا اللّه. وفي فَرْش كتاب الخطب من العِقد الفريد 2 / 410 من أُرْتج عليه في خطبته أو في خطبة خَطَبَها عثمان أُرْتِجَ عليه فقال: (أيها الناس ...) الحديث.

وفي البيان والتَّبيين: ((وصعد عثمان المنبر فَارتج عليه فقال: إنَّ أبا بكر وعمر كانا يُعِدّان لهذا المقام ...)) الحديث(59).

وروى البلاذري أنَّ عثمان لمّا صعد المنبر قال: أيّها الناس إن هذا مقام لم اُزوّر له خطبة ولا أعددت له كلاماً وسنعود فنقول إن شاء اللّه.

وروى أيضاً عن المدائني عن غِياث بن إبراهيم أن عثمان صعد المنبر فقال:

((أيّها الناس إنّا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء اللّه، وقد كان من قضاء اللّه أنَّ عبيد اللّه بن عمر أصاب الهُرْمُزان، وكان الهرمزان من المسلمين، ولا وارث له إلاّ المسلمون عامّة وأنا إمامكم وقد عفوت، أفتعفون؟

قالوا: نعم، فقال عليُّ: أقِد(60) الفاسق فإنّه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب، وقال لعبيد اللّه: يا فاسق لئن ظفرت بك يوماً لاقتلنّك بالهرمزان)). وروى في

‌ص 25 منه أن عثمان خطب فقال: ((إنّ أبا بكر وعمر كانا يُعدّان لهذا المقام مقالاً وسيأتي اللّه به)) وقد أخرج ابن سعد هذه الخطبة في طبقاته بترجمة عثمان.

وقد جمع الطبري الرّوايات التي أوردناها في قصّة الشورى إلى غيرها وأدمج بعضها في بعض واختزل قسماً منها وأوردها جميعها في سياق واحد في 3 / 292 - 302(61) ما عدا خطبة عثمان، فإنّه اقتصر في روايته إيّاها على حديث (سيف) وحده، وإنّما أوردنا ما أوردنا من الروايات الواردة في بعض حوادث الشورى للمقارنة بينها وبين روايات (سيف) اللّتي ذكرنا قسماً منها قبل هذا، واللّتي سنذكرها فيما يأتي، وتركنا التعليق على حوادثها وتحليلها ومناقشة الكتّاب والمؤرخين فيما كتبوا حولها إلى ما سننشر حول السقيفة والشورى إن شاء اللّه تعالى.

وإنّ لسيف ـ غير ما ذكرنا ـ عشرات المئات من روايات موضوعة ومدسوسة ممّا حرّف بها الحوادث التاريخية وغشّاها بِطِلاء من الدّفاع عن ذوي الجاه والنَّباهَة والاُمراء والاشراف، فَرَغِبَ في نشرها جماعة من كبار المؤرخين، وفي مقدّمتهم الطبري الذي استوعب في ذكره حوادث سنة 11 ـ 27 ه‍‍ قسماً كبيراً منها، ومن راجعها هناك يجد من الوضع والدسّ أمراً هائلاً خطيراً. وممّا وضع للدفاع عن ذوي الوجاهة والسلطة اُسطورة قُمّاذبان الاتية:


 

51   ط . أوربا 1 / 2776 .

52   ط. أوربا 1 / 2727.

53  ط. أوربا 1 / 2799 ـ 2800.

54   ط. أوربا 1 / 2799 ـ 2800.

55 الاية 45 من سورة الكهف.

56   الاجلح: من انحسر شعره من جانبي رأسه.

57  المقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة.

58  السراة: الجبل الذي فيه طرف الطائف ويقال لاماكن أُخرى.

59   البيان والتبيين 2 / 250 تحقيق محمد هارون، وتاريخ الخلفاء للسيوطي عند ذكره أوليات عثمان، وابن كثير 7 / 214.

60  أقاد القاتل بالقتيل: قتله قوداً أي بدلاً.

61   ط. أوربا 1 / 2776 ـ 2795.