عبور جيش المسلمين في حديث غير سيف:

كان ما سبق حديث سيف وسنده عن يوم الجراثيم، أما غير سيف فقد روى الحموي في ترجمة الكوفة(38) عند ذكره توجّه سعد إلى المدائن بعد واقعة القادسيّة وقال: ((وكان الدَّهاقين(39) ناصحوا المسلمين ودَلُّوهم على عورات فارس، وأهدوا لهم وأقاموا لهم الاسواق. ثم توجه سعد نحو المدائن إلى يزدجرد، وقدم خالد بن عرفطة حليف بني زهرة بن كلاب فلم يقدر عليه سعد حتى فتح خالد ساباط‍ المدائن، ثم توجه إلى المدائن فلم يجد معابر فدلّوه على مَخاضة عند قرية الصَّيّادين أسفل المدائن فاخاضوها الخيل حتى عبروا)).

وروى ابن الاثير بترجمة مالك بن عامر بن هانئ بن خفاف الاشعري من اُسد الغابة (4 / 282) قال:

((وهو ـ أي مالك بن عامر ـ أول من عبر دجلة يوم المدائن وقال في ذلك مرتجزاً:

                     إمضوا فإن البحر بحرٌ مأمور

                                     والاوّل القاطع منكم مأجور

                    قد خاب كسرى وأبوه سابور

                                 ما تصنعون والحديث مأثور))

وفي فتوح البلدان ص 323 بعده: ((فجعل الفرس يرمونهم فسلموا، غير رجل من طَيّ يقال له سَلِيل بن يزيد بن مالك السّنبِسي لم يُصَب يومئذ غيره)).

وفي مختصر جمهرة أنساب ابن الكلبي ص 265: ((السليل بن زيد بن مالك ابن المعلّى الذي غرق يوم عبر المسلمون دجلة إلى المدائن ولم يغرق غيره))(40).

 

نتيجة المقارنة:

قال سيف في هذه الاُسطورة إن عاصم بن عمرو التميمي (ذا البأس) هو الذي كسر شوكة العدوّ، وأمّن السبيل لعبور دجلة، ثم عام الجيش في الماء وكلّما أعيى فرس يُنشَزُ له تَلْعَةٌ. وفي رواية قال وسُمّيَ ذلك اليوم بيوم الجراثيم لا يعيى أحد إلاّ نُشِزَت له جرثومة ليستريح عليها. وفي الاخيرة قال إنّهم سَلِموا من عند آخرهم إلاّ رجل يقال له غَرقَدة فأنقذه القعقاع. وكان للقعقاع فيهم خُؤُولة فقال:

اعجز الاخوات أن يلدن مثلك! وللاتقان روى عن الراوي أنه قال: زال عن فرسه الشقراء (كأنّي أنظر إليها تنفض أعرافها عرياً) ليت شعري لِمَ لَمْ تُنْشَزْ تَلْعَة أو جرثومة لذوي خُؤُولة القعقاع كي لا يغرق؟ هذا عند سيف. أمّا الحموي والبلاذري فقد رويا أن الذي أمَّن السبيل خالد بن عرفطة قائد مُقَدَّمة سعد وليس بعاصم، وأن الدَّهاقين الذين كانوا يدلّون المسلمين على عورات الفرس دلّوهم على مخاضة خاضوها بخيولهم. فإذا قارنّا بين روايات سيف وغيره اتضح لنا مدى دسّ سيف فيما يروي من الحوادث التاريخية.

*           *          *

أوردنا فيما مضى أمثلة من روايات سيف عن الفتوح وحوادث عصر الخليفة عمر(رض) وفيما يأتي نورد بعض رواياته في حوادث عصر الخليفة عثمان بعد إيراد يوم سادس من أيّام سيف فيما يلي:

 6 ـ يوم النحيب:

حديث سيف:

روى الطبري في حوادث سنة ست وثلاثين، عن سيف عن ابن الشهيد، عن ابن أبي مليكة قال:

خرج الزبير وطلحة ففصلا، ثمَّ خرجت عائشة، فتبعها اُمّهات المؤمنين إلى ذات عرق، فلم ير يوم كان أكثر باكياً على الاسلام أو باكياً له من ذلك اليوم، كان يسمّى (يوم النحيب) وأمرت عبدالرحمن بن عتّاب(41)، فكان يصلّي بالناس، وكان عدلاً بينهم، وفي رواية اُخرى (فكان يصلّي بهم في الطريق وبالبصرة حتّى قتل).

روى سيف هذا الحديث في ذكره خبر خروج طلحة والزبير واُمّ المؤمنين من مكة إلى البصرة لحرب الجمل والحديث يشتمل على ثلاثة أخبار.

 حديث غير سيف:

أ ـ خبر مشايعة اُمّهات المؤمنين لاُم المؤمنين عائشة إلى ذات  عرق، لم نجد لهذا الخبر أثراً غير ما روي من حديث اُم سلمة، أو كتابها إلى عائشة في هذا الشأن وهذا نصّه:

قالت اُم سلمة لعائشة لمّا همّت بالخروج(42):

((يا عائشة! إنّك سُدَّةٌ بين رسول اللّه وأُمَّته، حجابك مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكن اللّه عُقَيْراكِ فلا تصحريها. اللّه من وراء هذه الاُمّة، قد علم رسول اللّه مكانك لو أراد أن يعهد فيك عهداً، بل قد نَبَّأَكِ عن الفرطة في البلاد، ما كنت قائلة لو أن رسول اللّه(ص) قد عارضك بأطراف الفلوات ناصّة قلوصك قعوداً من منهل إلى منهل؟! إنّ بعين اللّه مثواك! وعلى رسول اللّه(ص) تعرضين، ولو اُمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألقى محمداً هاتكة حجاباً جعله اللّه عليّ فاجعليه سترك، وقاعة البيت قبرك، حتّى تلقيه وهو عنك راض)).

وفي رواية بعده: ((ولو أنّي حدّثتك بحديث سمعته من رسول اللّه(ص) لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة والسلام))(43).

فقالت عائشة: ((يا اُمّ سلمة! ما أقبلني لوعظك، وأعرفني بنصحك. ليس الامر كما تقولين، ولنعم المطلع مطلعا أصلحت فيه بين فئتين متناجزتين)).

ب ـ خبر الاجتماع بذات عرق:

ورد هذا الخبر في حديث غير سيف عن الطبري هكذا:

(لقي سعيد بن العاص(44) مروان بن الحكم وأصحابه بذات عرق، فقال:

أين تذهبون وثاركم على أعجاز الابل؟ اقتلوهم ثمَّ ارجعوا الى منازلكم، ولا تقتلوا أنفسكم(45).

قالوا: بل نسير، فلعلّنا نقتل قتلة عثمان جميعاً.

فخلا سعيد بطلحة والزبير، فقال:

إن ظفرتما لمن تجعلان الامر؟ أصدقاني!

قالا: لاحدنا، أينا اختاره الناس.

قال: بل اجعلوه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه.

قالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لابنائهم!

قال: فلا أراني أسعى لاُخرجها من بني عبد مناف.

فرجع ورجع معه عبداللّه بن خالد بن اُسيد(46)، فقال المغيرة بن شعبة:

((الرأي ما رأى سعيد. من كان هاهنا من ثقيف فليرجع)).

(فرجع ومضى القوم ومعهم أبان بن عثمان والوليد بن عثمان فاختلفوا في الطريق وقالوا من ندعو لهذا الامر ...) الحديث.

ج ـ خبر إمامة عبدالرحمن بن عتّاب للصّلاة بأمر اُمّ المؤمنين في الطريق وبالبصرة حتى قتل. ورد هذا الخبر في حديث غير سيف هكذا: روى الطبري عن ابن عباس قال:

أذّن مروان حين فصل من مكّة، ثمَّ جاء حتى وقف عليهما ـ أي على طلحة والزبير ـ فقال:

((على أيّكما أُسَلّمُ بالامرة، وأُؤذّن بالصلاة؟)).

فقال عبداللّه بن الزبير: ((على أبي عبداللّه)).

وقال محمد بن طلحة: ((على أبي محمد)).

فأرسلت عائشة2 إلى مروان فقالت:

((ما لك؟ أتريد أن تفرّق أمرنا؟! ليصلّ ابن اختي)).

فكان بعضهم يقول:

((واللّه لو ظفرنا لافتتنّا! ما خلّى الزبير بين طلحة والامر، ولا خلّى طلحة بين الزبير والامر!))

كان هذا الاختلاف في الطريق، أمّا في البصرة فقد قال اليعقوبي في تاريخه:

((انتهبوا بيت المال، وأخذوا ما فيه، فلمّا حضر وقت الصلاة، تنازع طلحة والزبير وجذب كلُّ منهما صاحبه حتى فات وقت الصلاة وصاح الناس: ((الصلاة، الصلاة، يا أصحاب محمد)) فقالت عائشة:

يصلّي محمد بن طلحة يوماً وعبداللّه بن الزبير يوماً)).

وفي طبقات ابن سعد:

فذهب ابن الزبير يتقدّم فأخّره محمد بن طلحة وذهب محمد بن طلحة يتقدّم فأخّره عبداللّه بن الزبير عن أول صلاة فاقترعا فقرعه محمد بن طلحة فتقدّم فقرأ سأل سائل بعذاب واقع.

وفي الاغاني: وقال شاعرهم في ذلك:

              تبارى الغلامان إذ صلّيا

                      وشحّ على الملك شيخاهما

 

             وما لي وطلحة وابن الزبير

                            وهذا بذي الجزع مولاهما

             فاُمّها اليوم غرَّتهما

                          ويعلى بن منية دلاهما(47)

هذا ما كان في متن حديث سيف من خلاف الواقع، وفي سند حديثه ما يأتي:

 مناقشة السند:

روى سيف حديث (يوم النحيب) عن ابن الشهيد، فمن هو الشهيد والد هذا الراوي؟! وما اسم ابنه الراوي لنبحث عنهما؟ وكيف السبيل الى معرفة من تخيَّلهما سيف؟! لهذا ولانّا لم نجد ذكرا لابن الشهيد في غير حديث سيف فقد اعتبرناه من مختلقات سيف من الرواة!

وروى حديث إمامة عبدالرحمن بالبصرة عن مخلّد بن قيس وهو أيضا من مختلقاته من الرواة(48).

 نتيجة المقارنة:

روى حديثا صغيرا عالج فيه ثلاث مؤاخذات ترد على سروات مضر وهي:

أولا: ما روى من تقريع اُم سلمة لعائشة لخروجها الى البصرة، فإنّه عالجها بما روى أنّ أُمهات المؤمنين خرجن مشيّعات لعائشة الى ذات عرق، وفيه من خبر إجماعهن على تجليلها في تلك الرحلة وخروجهن مشيعات لها ما يعارض خبر تقريع اُم سلمة لها، ويدحضه!

ثانيا: خبر محاورة سعيد الاموي مع بني اُمية بذات عرق وطلبه منهم ان يقتلوا قتلة عثمان الذين خرجوا معهم يطالبون بدمه.

وخبر محاورته لطلحة والزبير أن يختارا للخلافة أحد أولاد عثمان وامتناعهما من ذلك ثمَّ رجوعه ورجوع من كان معهم من ثقيف.

عالج سيف هذا الخبر بما روى: إنّه ما رُئي أكثر باك من ذلك اليوم حتّى سمّي بيوم النحيب: إذا فما جرى في ذات عرق هو هذا!

هكذا عارض سيف بهذا الخبر؛ الخبر الذي فيه منقصة للصحابة من سادة مضر ودحضه.

ثالثا: خبر النزاع على امامة الصلاة في الطريق وفي البصرة وتعيين اُمّ المؤمنين ابن اُختها ومحمد بن طلحة ابن عمها للامامة قطعا للنزاع.

عالج سيف هذا الخبر بما روى: ان اُمّ المؤمنين عينت عبدالرحمن بن عتّاب للامامة فصلّى بهم في الطريق وبالبصرة حتى قتل، عارض سيف بهذا الخبر خبر النزاع على إمامة الصلاة.

عالج سيف كلَّ ذلك في حديث صغير من مخترعاته، وأيّده بجملة في حديث آخر.

عالج كلَّ ذلك من حيث لا يشعر القارئ ماذا يريد أن يصنع، وروى الخبر عن اثنين من مختلقاته من الرواة.

تفرَّد سيف برواية خبر يوم النحيب بذات عرق وأخذ منه الطبري ومن الطبري أخذ ابن كثير في تاريخه وبذلك نجح سيف فيما أراد من تحريف وتشويش في التاريخ الاسلامي!!!!

 خاتمة البحث:

رأينا فيما سبق(49) كيف اختلق سيف أياماً شبيهة بالايام التي كانت للمسلمين والعرب في الجاهلية، وعرفنا كيف يتحرى الحوادث الواقعة ليضع نظائرها ويشوّش بها على المسلمين تاريخهم ويدس السم والخرافة في عقائدهم.

*          *          *

ولم تنحصر مخترعاته من الايام على ما ذكرنا(50) بل اكتفينا بما أوردنا قاصدين التعرف على مدى أثر هذا النوع من الوضع على المدوّنات التاريخية لندرس في البحوث الاتية أنواعاً اُخرى من مختلقاته ونتعرف على آثارها ونبدأ بتدارس رواياته في حوادث عصر عثمان.

*          *          *

 مصادر يوم النحيب:

رواية سيف خبر يوم النحيب في الطبري (1 / 314) وابن كثير (7 / 230).

رواية سيف إمامة عبدالرحمن بن عتاب بالبصرة في الطبري (1 / 3103 ـ‍ 3104).

كتاب اُم سلمة إلى عائشة ـ ابن طيفور بلاغات النساء (ص 8)، والفائق للزمخشري (1 / 290)، والعقد الفريد (3 / 69)، وشرح النهج لابن أبي الحديد (2 / 79)، واليعقوبي في تاريخه (2 / 180) وفي روايته اختلاف مع رواية غيره والزيادة الاخيرة من العقد الفريد.

خبر اجتماع بذات عرق من غير رواية سيف في الطبري (1 / 3103 ـ‍ 3104) ط. أوربا.

خبر نزاع طلحة والزبير على الصلاة في الطبري (1 / 305 ـ 306)، وفي اليعقوبي في ذكره حرب الجمل، وفي طبقات ابن سعد (5 / 39) بترجمة محمد بن طلحة، والاغاني (11 / 120) عن أبي مخنف، وذكر نزاعهما على الصلاة ـ أيضاً ـ‍ المسعودي. 


 

38   معجم البلدان 4 / 334.

39   الدهقان: زعيم فلاحي العجم. القاموس.

40   وكذلك في جمهرة ابن حزم ص 402.

41   ذات عرق مهل أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة ـ معجم البلدان، وعبدالرحمن بن عتاب بن اُسيد بن اُبي العيص بن اُمية بن عبد شمس. قتل يوم الجمل في جيش اُم المؤمنين عائشة.

42   في نسخة: ((كتبت إليها اُم سلمة)).

43   (السدة) الباب و (لا تندحيه) لا تفتحيه وتوسّعيه، و (العقيرى) مصغر عقر الدار، و(أصحر) خرج إلى الصحراء ـ أي جعل اللّه عقر دارك لك سكنى فلا تبرحيها ـ، و (الفرطة) الخروج والتقدم، و(ناصة قلوصك) مستحثة ناقتك الشابة ومستقصية آخر ما عندها من السير، و(النهش): العض، و(الرقشاء) الافعى المنقطة، و(المطرقة) من صفات الافعى.

44  سعيد بن العاص بن أُمية، أُمه أُم كلثوم بنت عمرو العامرية، قتل الامام علي أباه يوم بدر.

كان سعيد من أشراف قريش وفصحائهم وأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان ولاه عثمان على الكوفة بعد الوليد، اعتزل بعد عثمان الحروب، كان معاوية يوليه المدينة إذا عزل مروان ويولي مروان إذا عزله، ليلقي بينهما العداء، اسد الغابة (2 / 309).

45  في هذا الحديث يخاطب سعيد الاموي سائر بني اُمية في ذلك الجيش ويطلب منهم أن يقتلوا طلحة والزبير وعائشة، لان ثار عثمان عندهم ثم يرجعوا الى منازلهم، فيجيبونه أنهم يسيرون لعلهم يقتلون جميع قتلة عثمان، يقصدون أنهم يذهبون لعلهم يقتلون مع هؤلاء محمد بن أبي بكر وغيره ممن شارك هؤلاء في قتل عثمان!

46   عبداللّه بن خالد بن اُسيد بن أبي العيص بن اُمية، استعمله زياد على فارس واستخلفه على الكوفة حين مات فأقرَّهُ معاوية عليها ـ اُسد الغابة (3 / 149).

47   جزع الوادي منعطفه ويقصد من اُمهما عائشة ويعلى بن اُمية دلاهما بغرور ويعلى اسم اُمه منية بنت غزوان وأبوه اُمية بن عبدة من بني تميم وكان حليفا لبني اُمية كان واليا لعثمان على اليمن وجاء بعد قتله الى مكة واشترك في حرب الجمل، الاغاني (11 / 119 ـ 121).

48  مجال البحث عنه في: (رواة مختلقون).

49   ذكرنا في القسم الاول خمسة من أيام سيف وهي يوم الجراثيم ويوم الاباقر ويوم أغواث وعماس وأرماث.

50   مثل يوم الحيتان، قال سيف: سمّي به يوم غنم فيه جيش سعد بن أبي وقاص في القادسية وقر ثلاثمائة بغل وحمار وثور سمكاً ـ الطبري (1 / 2244) في ذكر يوم القادسية من حوادث سنة 12 ه‍ .