9 ـ حَبْس أبي مِحْجَن
* حديث غير سيف: سُكْر أبي مِحْجَن
ونفيه.
* حديث سيف.
* مناقشة سند الحديث.
* مقارنة.
حديث غير سيف:
أبو مِحْجَن الثّقفي في الاستيعاب والاغاني، اختلفوا في اسمه، وأبوه حبيب بن عمرو
بن عُمَير الثّقفي. أسلم حين أسلمت ثقيف. وكان شاعراً شجاعاً من الابطال في
الجاهلية والاسلام. وكان مُدْمناً للخمرة، جلده الخليفة عمر بن الخطاب في الخمر سبع
مرّات أو ثماني مرّات، وفي الاغاني ج 21 / 142: ((أُتِيَ عمر بن الخطاب(رض) بجماعة
فيهم أبو محجن الثقفي وقد شربوا الخمر فقال: أشربتم الخمر بعد أن حرّمها اللّه
ورسوله؟ فقالوا: ما حرّمها اللّه ورسوله، إنّ اللّه يقول: (ليس على الّذين آمنوا
وعملوا الصّالحات جناح فيما طَعِموا إذا ما اتَّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات)(13).
فقال عمر لاصحابه: ما ترون فيهم؟ فاختلفوا فيه، فبعث إلى عليّ ابن أبي طالب(ع)
فشاوره، فقال علي: إن كانت الاية كما يقولون فينبغي أن يستحلّوا الميتة والدَّم
ولحم الخنزير. فسكتوا، فقال عمر لعلي: ما ترى فيهم؟ قال:
(أرى إن كانوا شربوها مستحلّين لها أن يُقتلوا، وإن كانوا شربوها وهم يؤمنون أنّها
حرام أن يُحَدُّوا). فسألهم، فقالوا: واللّه ما شككنا في أنّها حرام، ولكنّا قدّرنا
أنَّ لنا نجاة فيما قلناه، فجعل يَحُدُّهم رجلاً رجلاً وهم يخرجون، حتى انتهى إلى
أبي محجن فلمّا جلده أنشأ يقول:
ألم تَرَ أنَّ الدَّهر يَعثُر بالفَتى
ولا يستطيعُ المءر صَرْف المقادر
صبرت فلم أجزع ولم أكُ كائعاً
لحادث دهر في الحكومة جائر
وإنّي لذو صبر وقد مات إخوتي
ولستُ على الصّهباء يوماً بصابر
رَماها أمير المؤمنين بِحَتفِها
فَخُلاّنُها يبكون حول المعاصر(14)
فلما سمع عمر قوله: (ولست على الصَّهباء يوماً بصابر) قال: قد أبديت ما في نفسك
ولازيدنّك عقوبة لاصرارك على شرب الخمر فقال علي7: ما ذلك لك، وما يجوز أن تعاقب
رجلاً قال: لافعلنَّ وهو لم يفعل، وقد قال اللّه في الشعراء:
(وإنّهم يقولون ما لا يفعلون)(15).
فقال عمر: قد استثنى منهم قوماً فقال: (إلاّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات)(16).
فقال علي(ع): أفهؤلاء عندك منهم؟ وقد قال رسول اللّه(ص): ((لا
يشرب العبد الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) انتهى)).
وفي الاصابة: ((دخل أبو محجن على عمر فظنّه قد شرب فقال: إسْتَنْكِهُوه، فقال أبو
محجن: هذا من التَّجَسُّس الذي نُهِيت عنه، فتركه)). وذكر الطبري(17) في
حوادث سنة 14 ج 4 / 152 وقال: ((وفيها ضرب عمر ابنه وأصحابه في شراب شربوه وأبا
محجن))، وقال ابن كثير في 7 / 48: ((وفيها ضرب أبو محجن الثقفي في الشراب سبع
مرات))، وفي العقد الفريد في ذكره من حد في الخمر من الاشراف واشتهر به، ومنهم أبو
محجن الثقفي وكان مغرماً بالشراب، وقد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مراراً.
وفي الاصابة أيضاً والاغاني أنّه ((هَوِيَ امرأة من الانصار يقال لها: الشَّمُوس،
فحاول النظر إليها بكلّ حيلة فلم يقدر عليها، فآجر نفسه من عامل يعمل في حائط إلى
جانب منزلها فأشرف عليها من كُوّة فرآها فأنشد يقول:
ولقد نظرت إلى الشَّمُوس ودونها
حَرج من الرحمن غير قليل
قد كنت أحسِبني كأغنى واحد
ورد المدينة عن زراعة فول
فاستعدى زوجُها عمر فنفاه إلى حضوضى(18) وبعث معه رجلاً يقال له: ابن جهراء النصري
قد كان أبو بكر يستعين به، ورجلاً آخر وقال له عمر: لا تَدَع أبا محجن يخرج معه
سيفاً، فعمد أبو محجن إلى سيفه فجعل نَصْلَه في غِرارَة وجعل جَفْنَه في غِرارَة
أُخرى فيهما دقيق له. فلما انتهى به إلى الساحل وقرب البُوصيِّ(19) اشترى أبو محجن
شاة وقال لابن جهراء هَلُمَّ نتغدَّى، ووثب إلى الغِرارة كأنّه يخرج منها دقيقاً
فأخذ السيف، فلمّا رآه ابن جهراء والسيف في يده خرج يعدو حتى ركب بعيره راجعاً إلى
عمر فأخبره الخبر)) اللفظ لابي الفرج في الاغاني 21 / 138. ط. ساسي، وفي ط بيروت
1959 م: 18 / 219.
وفي الاصابة والاستيعاب أن أبا محجن ذهب بعد هذا إلى سعد بن أبي وقاص، وكان حينذاك
أيّام القادسية. ورويا عن محمّد بن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: ((لمّا كان يوم
القادسيّة أُتي سعد بأبي محجن وهو سكران من الخمر فأمر به إلى القيد، وكان سعد به
جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس. واستعمل على الخيل خالد بن عُرْفُطة ورفع فوق
العُذَيْب لينظر إلى الناس فلما التقى الناس قال أبو محجن:
كفى حزناً أن تَردِيَ الخيل بالقَنا
وأُتْرَكَ مَشدوداً عليّ وثاقيا
فقال لابنة خَصَفَة امرأة سعد: ويحك خلّيني ولك عهد من اللّه عليّ إن سلَّمني اللّه
أن أجيء حتى اضع رجلي في القَيد، وان قُتِلتُ استرحتم منّي. فخلّته. فوثب على فرس
لسعد يقال لها: البلقاء. ثم أخذ الرُّمح، ثم انطلق حتى أتى الناس فجعل لا يحمل في
ناحية إلاّ هزمهم. فجعل الناس يقولون: هذا ملك وسعد ينظر، فجعل سعد يقول: الضَّبر
ضَبْر البلقاء(20) والطَّعن طعن أبي محجن وأبو محجن في القيد. فلمّا هُزم العدو رجع
أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، فأخبرت ابنة خصفة سعداً بالذي كان من أمره فقال:
لا واللّه لا أحُدُّ اليوم رجلاً أبلى اللّه المسلمين على يديه ما أبلاهم قال:
فخلّى سبيله. فقال أبو محجن: لقد كنت أشربها إذ كان يقام عليَّ الحدّ أطَّهَّرُ
منها فأما إذا بَهرَجْتني فواللّه لا أشربها أبداً))(21).
حديث سيف:
هذا أبو محجن وهذه قصته في القادسيّة على ما رواها محمد بن سعد. وأما (سيف) فقد ذكر
في رواية أوردها الطبري(22) في 3 / 43 قال: ((وكان ممّن شغب عليه وجوه من وجوه
الناس، فهمّ بهم سعد وشتمهم وقال: أما واللّه لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً
لغيركم فحبسهم ومنهم أبو محجن الثقفي وقيّدهم في القصر)) وقال(23) في 3 / 55 ـ 57:
((إنّ أبا محجن بعد أن أطلقته زوجة سعد وحارب يوم القادسية رجع إلى سجنه وقيده.
فقالت له سلمى: يا أبا محجن في أي شيء حبسك هذا الرجل؟ قال: أما واللّه ما حبسني
بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا امرؤٌ شاعر يدب الشعر
على لساني يبعثه على شفتي أحياناً فَيُساء لذلك ثنائي ولذلك حبسني)).
إلى قوله في قيام سلمى بإخبار زوجها سعد: ((واخبرته خبرها وخبر أبي محجن فدعا به
فأطلقه، وقال: إذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله.
قال: لا جرم واللّه لا اُجيب لساني إلى صفة قبيح أبداً)).
وقد أورد أبو الفرج رواية سيف هذه في 21 من الاغاني بترجمة أبي محجن فقال: ((حدّثني
محمد بن جرير الطبري، قال: كتب إليَّ السَّري بن يحيى عن شعيب عن سيف... الخ))، ثم
أورد الرواية تامّة بتفصيلها.
وذكر ابن حَجَر في الاصابة 4 / 175: ((إنّ ابن فَتْحُون قد عاب أبا عمر(24) على ما
ذكره في قصّة أبي محجن، أنه كان منهمكاً في الشراب، فقال: كان يكفيه ذكر حدّه عليه،
والسكوت عنه أليق، والاُولى في أمره ما أخرجه (سيف)، ثم أورد من رواية سيف ما
ذكرناه، ثم قال ابن حجر مؤلف الاصابة: قلت: (سيف) ضعيف
والروايات التي ذكرناها أقوى وأشهر. وأنكر ابن فتحون قول من روى أن سعداً أبطل عنه
الحدّ، وقال: لا يُظنُّ هذا بسعد، ثم قال: لكن له وجه حسن ولم يذكره وكأنّه أراد:
أن سعداً أراد بقوله: ((لا يجلده في الخمر)) بشرطٍ أضمره. وهو إن ثبت عليه أنّه
شربها فوفّقه اللّه أن تاب توبة نصوحاً فلم يعُد إليها... الخ)).
وأورد المسعودي في مروج الذهب 2 / 422 ـ 424 رواية (سيف) هذه بحذف السند، ولا أراه
إلاّ أنه قد نقلها من تاريخ الطبري فإنّه قد أكبر الطبري ومجّده عندما ترجم
المؤرخين في مقدمة كتابه في حين أنّه لم يذكر سيفاً هناك ولا ذكر تآليفه.
مناقشة السند:
روى سيف(25) أن حبس أبي محجن لم يكن لحرام أكله ولا شربه، عن محمد وطلحة وزياد وابن
مِخراق عن رجل من طَيّ.
أما محمد وطلحة فقد سبق الحديث عنهما في فصل (استلحاق زياد) وزياد في أحاديث سيف هو
ابن سِرْجِس الاحمري روى عنه سيف في تاريخ الطبري 53 حديثاً ولم نجد في غيره له
ذكراً!
وابن مِخراق عن رجل من طي، لم أدر من هو ابن مخراق وهل تخيّله سيف المحروق بن
المحْراق؟ ومن هو رجل من طي!؟ وما اسمه؟ وهل كان سيف جادّا فيما اخترع من أسانيد
لاساطيره، أم كان هازلاً وهازئاً بعقول المسلمين؟!
نتيجة المقارنة:
قد
رأيت الفرق بين رواية سيف هذه ورواية محمد بن سعد التي أوردناها قبلها من أن أبا
محجن قال لزوجة سعد: (وإن قتلت استرحتم مني) ممّا يدلُّ على أن زوجة سعد كانت عالمة
بما يعانيه زوجها سعد من أبي محجن، على أن إدمان أبي محجن الشرب وجلده على ذلك
مرّات عدة، وتطلّعه إلى دار الانصارية (الشَّموس)
للنظر إليها، ثم نفيه إلى حَضُوضى منفى الخُلَعاء، وقصده الفتك بالحَرَسي، ثم
التحاقه بسعد وسجنه على سكره في القادسية، كل ذلك لم يكن بخاف على أحد يوم ذاك
ليخفى كله على زوجة القائد العام سعد لتسأل أبا محجن عن سبب سجنه وقد رأيت أن محمد
بن سعد يصرّح في روايته أنه: ((لمّا كان يوم القادسية أُتيَ سعد بأبي محجن وهو
سكران من الخمر فأمر به إلى القيد)) ورأيت محمد بن سعد هذا يذكر في آخر روايته أنّ
سعداً قال: ((لا واللّه لا أحدّ اليوم رجلاً أبلى اللّه المسلمين على يديه ما
أبلاهم)) وأنّ أبا محجن قال: ((لقد كنت أشربها إذ كان يقام عليَّ الحدّ فأطهر منها
فأما إذا بَهْرَجْتني فواللّه لا أشربها)). أمّا (سيف) فقد وضع تلك المحاورة بين
أبي محجن وزوجة سعد ودسّها في روايته ليدفع بها النقد عن سعد بتعطيله الحدّ، وعن
أبي محجن على إدمانه السكر، ثم أتمّ الوضع والدسَّ بما وضعه عن لسان سعد: ((ما أنا
مؤاخذك لشيء تقوله حتى تفعله)) وما وضعه عن لسان أبي محجن: ((واللّه لا اُجيب
لساني إلى صفة قبيح أبداً)) وبروايته الموضوعة هذه نفى (سيف) عن أبي محجن كل ما
تواتر عن سكره وجلده وتهتُّكه، ورغب في نشر هذه الموضوعة أمثال ((ابن فتحون)) ممّن
لا يرغبون في سماع الوقائع التاريخية الحقّة إذا ما خالفت أهواءهم. وغفل المسعودي
ذلك المؤرخ الثبت وجرَّه اعتماده على الطبري إلى إدراجها في تاريخه القيّم ـ مروج
الذهب ـ والكريم لا يخلو من هفوة. ومع كلّ ذلك فإنّ (سيفاً) ورواته لم ينجحوا في
ستر هذه الواقعة التاريخية لتواتر الروايات الصحيحة الاُخرى في سائر المصادر
التاريخية الشهيرة!
13 الاية 93 من سورة المائدة.
14 وقد حرف سيف هذه القضية ونسب الابيات أيضاً إلى غيره. راجع الطبري حوادث سنة
18 ج 4 / 222.
15 الاية 226 من سورة الشعراء.
16 الاية 227 من سورة الشعراء.
17 في ط. أوربا 1 / 2388.
18 حضوضى جبل في الغرب كانت العرب في الجاهلية تنفي خلعاءها إليه، وحضوض جزيرة في
البحر ـ معجم البلدان للحموي.
19 . البُوصي بالضم ضرب من السفن (القاموس للفيروزآبادي) .
20 ضبر الفرس: جمع قوائمه ووثب.
21 أورد الطبري موجز هذه الرواية عن ابن إسحاق في 1 / 2355.
22 ط. أوربا 1 / 2288.
23 في ط أوربا 1 / 2312 ـ 2316.
24 أبو عمر هو ابن عبد البر صاحب الا ستيعاب .
25 عن الطبري ط. أوربا 1 / 2311 ـ 2317 باختصار.