7 ـ إستِلحاق زياد

 

* انتساب زياد إلى أبي سفيان.

* حديث سيف.

* مناقشة السند.

* حديث غير سيف وسنده.

* نتيجة المقارنة.

  

أبو المُغيرةَ زِياد، وأُمّه سُمَيّة، كانت أمَة لِدِهْقان من دَهاقين الفُرس، فمرض الدهقان ودعا الحارث بن كَلَدة الطبيب الثَّقفي فعالجه وبرئ، فوهبه سميّة فولدت له نفيعاً ونافعاً. ثم زوّج الحارث سميّة من غلام له رومي اسمه عُبَيْد، وحينذاك كان ذهاب أبي سفيان إلى الطائف وطلبه من أبي مريم السلولي الخمّار(61) بَغِيَّاً. وجمع السلوليُّ بين أبي سفيان وسُمَيَّةَ فولدت سميَّةُ زياداً على فراش عُبَيْد سنة إحدى من الهجرة، وعندما حاصر النبي الطائف خرج نُفَيْع إلى النبي فأعتقه وكَنّاه أبا بَكْرة، فقال الحارث لنافع: أنت ولدي لئلاّ يفِرَّ هذا إلى النبي كما فعل أخوه من قبل.

فكان يقال لابي بكرة: مولى الرسول، ولنافع: ابن الحارث، ولزياد: ابن عبيد، فلمّا استلحقه معاوية صار يقال له: زياد بن أبي سفيان، فلمّا انقضت الدولة الاموية صار يقال له: زياد بن أبيه، وزياد بن سميّة.

تاريخ الكامل لابن الاثير في ذكر حوادث سنة 44 ه‍‍ ، والاستيعاب 1 / 548 ـ 555، والاصابة 1 / 563، ووفيات الاعيان 5 / 398.

 

 

 

حديث سيف:

وقد تواتر نقل استلحاق معاوية زياداً بأبي سفيان وذاع، وعابه على ذلك عامّة المسلمين، فأراد سيف أن يدفع النقد عن معاوية والعار عن زياد، فدسَّ في رواية أوردها الطبري في 3 / 259(62) في باب ((خبر بيروذ من الاهواز)) من حوادث سنة 23 ه‍‍ ذكر فيها سيف شكاية رجل عَنزي أبا موسى(63) إلى عمر، فذكر أن العنزي قال لعمر: (وفَوَّض إلى زياد بن أبي سفيان... الخ).

وإن سيفاً يقصد من الدسّ في هذه الرواية أن زياداً كان مشهوراً بأنّه ابن أبي سفيان قبل عصر معاوية واستلحاقه زياداً بأبيه أبي سفيان، فإنَّ العنزي الذي اشتكى أبا موسى إلى عمر نسب زياداً إلى أبي سفيان بمحضر عمر فلم يستنكر عليه عمر، ثم عالج نسبة زياد إلى عبيد بما لم يخطر على قلب أحد حين ذكر بعد ذلك أن عمر جلب زياداً إليه، وسأله فيما سأله عمّا فعل بأول عطاء أخذه، فقال زياد:

((اشتريت والدتي فاعتقتها واشتريت في الثاني ربيبي عُبَيْداً فاعتقته))، بذلك دفع عن معاوية نقد عامّة المسلمين إيّاه في استلحاقه زياداً، وأثبت بنوَّة زياد من أبي سفيان في رواية وضعها عن عصر عمر لتكون أوقع في النفس وأتقن للصنعة وأبعد من الشبهة.

وفيما يلي ندرس سند الحديث ثم نقارنه بحديث غيره من ثقات الرُواة.

 

مناقشة السند:

روى سيف هذا الحديث عن محمّد وطلحة والمُهَلَّب. أما محمّد فقد تخيّله سيف محمّد بن عبداللّه بن سواد بن مالك بن نويرة. يروي عنه سيف في الطبري 216 حديثاً. لم نجد ذكراً لهذا الراوية إلاّ في الاكمال(64) قال: ((يروي عنه سيف)) ويظهر من كلامه أنّه ـ أيضاً ـ لم يجد له ذكراً عند غير سيف.

وطلحة في أحاديث سيف اثنان: أبو سفيان طلحة بن عبدالرحمن، وهذا أيضاً لم نجد له ذكراً عند غير سيف، والثاني طلحة بن الاعلم قالوا: ((كان يسكن في (جيان) من قرى ري)) فأيّهما قصد سيف؟!!

والمُهَلَّب ـ في حديث سيف ـ ابن عُقبَة الاسدي روى عنه سيف في تاريخ الطبري 67 حديثاً ولم نجد له ذكراً في كتب معرفة الرجال والحديث.

هذا ما في حديث سيف وسنده.

 

حديث غير سيف:

أما متنه فقد روى الدِّينَوَرِي في كتابه الاخبار الطّوال ص 14: ((ونظر أبو موسى إلى زياد بن عبيد، وكان عبداً مملوكاً لثقيف فأعجبه عقله وأدبه فاتَّخذه كاتباً وأقام معه، وقد كان قبل ذلك مع المغيرة)).

وقال ابن عبد البر بترجمة زياد في الاستيعاب 1 / 548: ((وكان يقال له قبل الاستلحاق زياد بن عُبَيد الثقفي)) وروى أيضاً عن أبي عثمان النَّهْديّ أنّه قال:

((اشترى زياد أباه عبيداً بألف دينار فاعتقه فكنّا نغبطه بذلك)).

وروى في ص 549 منه أن زياداً خطب بمحضر عمر ((خطبة لم يسمع الناس مثلها)) فقال عمرو بن العاص: أما واللّه لو كان هذا الغلام قرشياً لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: واللّه إني لاعرف الذي وضعه في رحم اُمه، فقال عليُّ بن أبي طالب: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال: أنا، قال: مهلاً يا أبا سفيان، فقال أبو سفيان:

             ((أما واللّه لولا خوف شخص‌

                         يراني يا عليُّ من الاعادي

             لاظهر أمره صخرُ بن حرب‌

                         ولم يَكْنِ المقالةَ عن زياد))

الخ ...

وأمّا قصة استلحاق معاوية زياداً فقد أوردها كلُّ من ابن الاثير في ذكر حوادث سنة 44 ه‍‍ ، وابن عبد البَرّ في الاستيعاب بترجمة زياد، واليعقوبي في تاريخه 2 / 195، والمسعودي في مروج الذَّهب 2 / 54، والسُّيُوطي في تاريخه في ذكر حوادث سنة 41 ه‍‍ ، وابن كَثِير 8 / 28، وأبي الفداء ص 194، وأشار إليه الطبري في تاريخه 4 / 259(65) في ذكره ردّ نسب آل أبي بَكْرة وزياد من ذكر حوادث سنة 44 ه‍‍ ، وحوادث سنة 160 ص 334 ـ 335(66)، وصحيح مسلم 1 / 57، وفي أُسد الغابة والاصابة بترجمته، وابن عساكر في 5 / 409 ـ 421، واليعقوبي 4 / 160 وغيرها من كتب التراجم وإنما أعرضنا عن إيرادها رعاية للاختصار.

 النتيجة:

لقد أجمع النسّابون والمؤرّخون على أنَّ زياداً ولد على فراش عبيد الرُّومي من زوجته البَغيّ سميَّة، وذكروا عن أبي سفيان وذهابه إلى الطائف طلبه من أبي مريم السَّلُولي بَغِيّاً، وكيف اتّصل بسمية في قصة أعرضنا عن ذكرها. ثم ما تفوَّه به سِرّاً في مجلس عمر وتخوفه من عمر في إظهار أمره، وذكروا أن زياداً كان يُنْسَب إلى عبيدٍ حتى استلحقه معاوية، وكيف أبت بنو اُمية ذلك، وما قالت الشعراء في الاستلحاق؛ وكيف انتقد الفقهاء معاوية بأنه خالف حكم الرسول ((الولدُ للفِراش وللعاهِر الحَجَر)) في قصصٍ يطول شرحها. وذكروا أنّه نُسب زياد في عصر بني اُميّة إلى أبي سفيان وبعد ذلك إلى أبيه تارة وإلى سمية اُخرى، وجاء ((سيف)) فأراد أن يمحو كل ذلك برواية دسَّ فيها أنّ المُشتكي الذي أتى عمر سمّاه:

((زياد بن أبي سفيان)) ونسبه إلى أبي سفيان بمحضر عمر الذي كان أبو سفيان يخافه في إظهار ذلك عنده. وذكر في آخر الرواية أن زياداً وصف عُبيداً بأنه كان ربيبه، وزياد يقول في خطبته بالشام بعد استلحاق معاوية إياه: ((وما كان عبيد إلاّ والداً مبروراً مشكوراً)) كما ذكر اليعقوبي في تاريخه 2 / 195: وحقّاً إنَّ سيفاً كان ماهراً في وضعه ودسّه!

 


 

62   وط. أوربا 1 / 2708.

63   ابو موسى الاشعري اسمه عبداللّه بن قيس بن سُلَيْم بن حَضار بن حَرْب بن عامر بن بكر ابن عامر بن وائل بن ناجية بن الجُماهِر بن الاشعر، وهو ثبت بن ادَد بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يَعرُب بن قحطان، وفي نسبه هذا بعض الاختلاف. قدم مكّة وحالف سعيد بن العاصّ بن أُميّة أبا أُحَيْحَة ثم أسلم بمكة. ولاّه عمر البصرة حين عزل عنها المغيرة وبقي عليها حتى خلافة عثمان إذ عزله عنها، ثم طلب أهل الكوفة من عثمان أن يولّيه عليهم فولاّه عليهم حتى عزله علي بن أبي طالب حين خذل الناس عن نصرته، ثم عيّنه للتحكيم بطلب من أهل العراق. ولمّا مكر به ابن العاص انتقل إلى مكة وبقي فيها حتى توفي بها سنة 42 أو 44 أو 50 أو 52 ه‍ . الاستيعاب بهامش الاصابة 4 / 172 ـ 174، والاصابة بترجمته.

وفي نسبه بجمهرة ابن حزم ص 397 ورد ((سليم بن هصار)).

64   الاكمال لابن ماكولا ط. حيدرآباد 1 / 560.

65   وط . أوربا 2 / 62.

66   وط. أوربا 3 / 479 ـ 480.