6 ـ نباح كلاب الحوأَب
* حديث سيف في الحوأب.
* نباح كلاب الحوأب على اُمّ قرفة.
* حديث غير سيف.
* مقارنة.
* مناقشة السند.
حديث سيف في الحوأب(55):
روى الطبري عن سيف في 3 / 490 ـ 492(56) في ((ذكر ردة هوازن وسليم وعامر)): ((أن
اُمّ زِمل(57) سلمى ابنة مالك بن حذيفة بن بدر كانت قد سبيت في عصر الرسول، في أيام
اُم قِرفَة، فوقعت لعائشة فأعتقتها، فكانت تكون عندها، ثم رجعت إلى قومها. وقد كان
النبي(ص) دخل عليهنَّ يوماً فقال: إن إحداكنّ تستنبح كلاب الحوأب، ففعلت سلمى ذلك
حين ارتدت وطلبت بذلك الثأر، فسيرت فيما بين ظفر والحوأب لتجمع إليها من تلك
الاحياء، فلما بلغ ذلك خالداً، سار إلى المرأة وقد استكثف أمرها وغلظ شأنها، فنزل
عليها وعلى جمّاعها فاقتتلوا قتالاً شديداً وهي واقفة على جمل اُمها، حتى اجتمع على
الجمل فوارس فعقروه وقتلوها... الخ)).
وقد أورد الحموي هذه الرواية عن (سيف) في لغة الحوأب من كتابه معجم البلدان وأوردها
ابن حجر في الاصابة 4 / 325 ملخصاً ولم يسندها إلى راويها.
حديث غير سيف:
إن
قصة اُم قرفة كانت في سرية زيد إلى بني فزارة في السنة السادسة من الهجرة. فقتل
المقاتلة وسبى النساء والذرية وكان لحذيفة بن بدر ثلاثة عشر ولداً قتلوا وابنة
اسمها (جارية) سبيت، فأهداها النبي إلى خاله حزن بن أبي وهب فبقيت عنده وولدت له
عبدالرحمن بن حزن(58) ولم يكن له غيرها.
ولا أدري من اين جاء سيف بسلمى اُم زمل إلى عائشة وكيف أخرجها إلى ظفر والحوأب.
وكان قوم حذيفة بوادي القرى بين الشام والمدينة، والحوأب على طريق البصرة. هذه إلى
غيرها مما وضعه في هذه الاُسطورة مما لم يأت ذكرها عند غيره، فلماذا وضع كل هذه؟
لقد وضع سيف هذه الاُسطورة دفاعاً عن اُم المؤمنين عائشة فيما ذكر المؤرخون من نباح
كلاب الحوأب على جملها عند ذهابها لحرب البصرة.
وقد ورد ذكر نباح كلاب الحوأب في حديث الرسول عدة مرات. فقد روى الحافظ أبو بكر
البزار عن ابن عباس أنّه قال: ((قال رسول اللّه: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل
الادبب، تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يسارها وعن يمينها خلق كثير)).
أخرجه ابن كثير في تاريخه 6 / 212، والسيوطي في خصائصه 2 / 137 وفي روايته بعده:
((ثم تنجو بعدما كادت))، وأورده ابن عبد البر بترجمة عائشة في الاستيعاب، ثم قال:
((وهذا الحديث من أعلام نبوته، وعصام بن قدامة ـ أحد رواة الحديث ـ ثقة وسائر
الاسناد أشهر من أن يحتاج لذكره)).
وروى البيهقي عن اُم سلمة قالت: ذكر النبي خروج بعض اُمهات المؤمنين فضحكت عائشة
فقال لها: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت، ثم التفت إلى عليّ وقال: ((يا عليّ إن
وليت من أمرها شيئاً فارفق بها)). أخرجه ابن كثير في تاريخه 6 / 212، والسيوطي في
خصائصه 2 / 136، والخوارزمي في بيان قتال أهل الجمل من مناقبه، والمستدرك 3 / 119،
والاجابة ص 62.
وفي العقد الفريد لابن عبد ربه 3 / 108، والسيرة الحلبية 3 / 320 ـ 321 ((وقد كان
النبي قال لها: يا حميراء كأني بك تنبحك كلاب الحوأب تقاتلين علياً وأنت له
ظالمة)).
وروى الطبري في ج 3 ص 475(59) من تاريخه، وابن الجوزي في الباب الرابع من تذكرة
خواص الاُمة في ذكره مسير علي إلى البصرة، وابن الاثير في ذكره (ابتداء أمر الجمل)
من تاريخ الكامل عن العُرَني صاحب (جمل اُم المؤمنين) أنّه قال: ((بينما أنا أسير
على جمل إذ عرض لي راكب فقال: يا صاحب الجمل تبيع جملك؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ فقلت:
بألف درهم، قال: مجنون أنت؟ جمل يُباع بألف درهم؟! قال: قلت: نعم جملي هذا، قال:
وممَّ ذلك؟ قلت: ما طلبت عليه أحداً إلا أدركته، ولا طلبني وأنا عليه أحد قطُّ إلاّ
فُتُّه، قال: لو تعلم لمن نُريده لاحسنت بيعنا، قال: قلت: ولمن تريده؟ قال: لاُمّك،
قلت: لقد تركتُ اُمّي في بيتها قاعدة ما تريد بَراحاً، قال: إنما أُريده لاُم
المؤمنين عائشة. قلت: فهو لك فَخُذْهُ بغير ثمن. قال:
لا، ولكن ارجع معنا إلى الرحل فلنعطك ناقة مهريّة ونزيدك دراهم، قال: فرجعت فأعطوني
ناقة لها مهريّة وزادوني أربعمائة أو ستمائة درهم فقال لي: يا أخا عُرَيْنَة هل لك
دلالة بالطريق؟ قال: قلت: نعم، أنا أدرك الناس، قال: فسر معنا فسرت معهم فلا أمرُّ
على وادٍ ولا ماء إلاّ سألوني عنه حتى طرقنا مأ الحوأب فنبحتنا كلابها، قالوا: أيُّ
ماء هذا؟ قلت: ماء الحوأب، قال: فصرخت عائشة بأعلى صوتها ثم ضربت عضد بعيرها
فأناخته، ثم قالت: أنا واللّه صاحبة كلاب الحوأب طروقاً ردوني، تقول ذلك ثلاثاً،
فأناخت وأناخوا حولها وهم على ذلك وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من
الغد. قال: فجاءها ابن الزبير؛ فقال: النجاء النجاء فقد أدرككم واللّه علي بن أبي
طالب. قال فارتحلوا وشتموني... الخ)).
وفي مسند أحمد 6 / 97 أن الزبير قال عند ذاك: ((ترجعين عسى اللّه عزّ وجلّ أن يصلح
بك بين الناس)). قال ابن كثير في 7 / 230: وهذا اسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي المستدرك 3 / 120: لمّا بلغت عائشة بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب،
فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب، قالت: ما أظنني إلاّ راجعة، فقال الزبير: لا،
تقدمي ويراك الناس ... الحديث، وفي رواية الطبري 3 / 485(60) عن الزهري: ((فسمعت
عائشة (رض) نباح الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا:
الحوأب، فقالت: إنا للّه وإنا إليه راجعون، إنّي لهي، لقد سمعت رسول اللّه(ص) يقول
وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكُنَّ تنبحها كلاب الحوأب. فأرادت الرجوع فأتاها عبداللّه
بن الزبير... الخ)).
وفي رواية ابن كثير 7 / 230: ((أنها ضربت بإحدى يديها على الاُخرى وقالت ... الخ)).
وفيه أن الزبير قال لها: ((إن الذي أخبرك أن هذا الماء الحوأب قد كذب))، وقد رواه
أبو الفداء في تاريخه ص 173 أيضاً كذلك.
وروى المسعودي في مروج الذهب 2 / 6 ـ 7 أن ابن الزبير قال: ((باللّه ما هذا الحوأب
ولقد غلط فيما أخبرك به. وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها، فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب
وشهد معهما خمسون رجلاً ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور اُقيمت في الاسلام))
انتهى.
وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 157 والكنز 6 / 83 ـ 84؛ أن عائشة قالت: ((ردوني ردوني، هذا
الماء الذي قال لي رسول اللّه: لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب، فأتاها القوم
بأربعين رجلاً فاقسموا باللّه أنّه ليس بماء الحوأب)).
وفي الامامة والسياسة 1 / 59 ـ 60 ومناقب الخوارزمي في ذكره الجمل: ((أن عائشة لمّا
نبحتها كلاب الحوأب قالت لمحمد بن طلحة: أيّ ماء هذا؟)) إلى قوله: ((وإيّاك أن
تكوني أنت يا حميراء، فقال لها محمّد بن طلحة: تقدمي رحمك اللّه ودعي هذا القول.
وأتى عبداللّه بن الزبير فحلف لها باللّه: لقد خلَّفتيه أوّل الليل، وأتى ببينة زور
من الاعراب، فشهدوا بذلك فزعموا أنها أوّل شهادة زور شهد بها في الاسلام)).
وقد أورد الرواية عن الرسول ووقوع الحادثة غير المذكورين، ابن الاثير في لغة
(الحوأب) من كتابه النهاية، والزمخشري في لغة (دبب) والحوأب من الفائق، والحموي في
ذكره (الحوأب) من كتابه معجم البلدان، وابن الطقطقي في الفخري ص 78 من الطبعة
المصرية، والزبيدي في لغة (حأب) 1 / 195 ودبب 1 / 244.
وفي مسند أحمد 6 / 52 و 97، وابن أعثم ص 168 ـ 169، والسمعاني في الانساب بترجمة
الحوأبي، وفي السيرة الحلبية 3 / 320 ـ 321، ومنتخب الكنز 5 / 444 ـ 445.
نتيجة المقارنة:
لقد أطبق كتَّاب السير والحديث والتراجم على أن اُم المؤمنين عائشة هي التي استنبحت
كلاب الحوأب، كما سبق للرسول أن انبأ بذلك أكثر من مرة، وعدوا ذلك من أعلام نبوته،
غير أن سيفاً رغب في أن يغير هذه الحقيقة التاريخية تحبباً إلى الجمهور المتعطش إلى
موضوعاته، فوضع قصة اُم زمل. ولمّا لم يقتصر الطبري هنا على نقل رواية سيف وحدها بل
ذكر رواية العرني والزهري في قصة جمل اُم المؤمنين، ونباح كلاب الحوأب عليها، لم
يفت على رواة الطبري وقرائه الحقيقة التاريخية كما فات عليهم غيرها من الحقائق
التاريخية.
مناقشة السند:
ورد في سند رواية سيف عن قصّة الحوأب: ((سهل)) و ((أبو يعقوب))، أمّا سهل فقد
تخيّله سيف ـ في أسانيد رواياته ـ سهل بن يوسف السَّلَمي كما ذكرناه سابقاً
وترجمناه في كتابنا (رواة مختلقون).
و
(أبو يعقوب) تخيّله سيف: سعيد بن عُبَيْد وورد اسمه في أسانيد ستّ روايات لسيف في
ذكر حروب الرِّدّة من تاريخ الطبري، وفي الرُّواة جماعة باسم سعيد بن عُبَيْد ولا
ندري هل تخيَّل سيف: (أبا يعقوب) هذا واحداً منهم أو تخيّله راوياً آخر من
مختلقاته.
* * *
هذه بعض روايات سيف في الردة على عهد أبي بكر نكتفي بها ونورد قسماً منها في كتابنا
خمسون ومائة صحابي مختلق إن شاء اللّه تعالى. ونذكر فيما يلي رواياته في الفتوح
وحوادث عصر الخليفة عمر.
55 الحوأب ماء من مياه العرب على طريق البصرة نسبة إلى الحوأب بنت كلب بن وبرة.
وكانت عند مرة بن اد بن طابخة كما في فتوح البلدان ص 458 ومعجم البلدان وغيرهما.
56 وط. أوربا 1 / 1901 ـ 1902.
57 اُم زمل سلمى بنت مالك بن حذيفة بن بدر الفزارية ابنة عم عيينة بن حصن.
الاصابة 4 / 325.
وهي حفيدة اُم قرفة المذكورة في رواية سيف آنفاً. وكناها اُم قرفة الصغرى. وهي من
مختلقات سيف ويأتي ذكرها في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) إن شاء اللّه تعالى.
58 راجع سيرة ابن هشام 4 / 291. وطبقات ابن سعد 2 / 90 طبعة بيروت، واليعقوبي 2 /
44 ط.
بيروت، والطبري 3 / 83 وط. أوربا 1 / 1558، والمحبر ص 490 في باب من نصب رأسه من
الاشراف، وعيون الاثر 2 / 111، والامتاع ص 269 ـ 270، ومعجم البلدان لغة الحوأب
والقرى، وجمهرة أنساب العرب ص 245.
وأمّا ابن حجر فإن ما أورده في 4 / 325، من ترجمة سلمى اُم زمل في الاصابة فإنها
مستخرجة من أحاديث سيف.
59 وط. أوربا 1 / 3108.
60 وط. أوربا 1 / 3126 ـ 3127.
61 أبو مريم مالك بن ربيعة السَّلُولي من بني مُرَّة بن صَعْصَعة بن معاوية بن
بَكْر بن هوازِن. يعرفون باُمّهم سَلول بنت ذُهَل بن شيبان، وهو بصري له صُحبة،
الاستيعاب 4 / 179.