قصَّة العلاء بن
الحضرمي
* حديث سيف.
* فرار الابل في الدهناء وفيض
الماء فيها.
* اجتياز البحر.
* الراكب والراجل.
* مناقشة سند الحديث.
* حديث غير سيف.
* نتيجة المقارنة.
العلاء بن الحَضْرَمي هو ابن عبداللّه بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عُويف
الحضرمي، سكن أبوه مكة وحالف حرب بن اُمية(41).
كان النبي ولاّهُ البحرين ثم أقرّه أبو بكر ثم عمر ومات عام 14 أو 21 ه كما في
الاستيعاب 3 / 146 ـ 148، والاصابة 2 / 491.
حديث سيف:
أورد الطبري في 2 / 522 ـ 528(42) من تاريخه رواية (سيف) عن الصعب بن عطيّة بن بلال
عن سهم بن منجاب عن مِنجاب بن راشد قال: بعث أبو بكر العلاء ابن الحضرمي على قتال
أهل الردّة بالبحرين إلى أن يقول: ((وسلك بنا الدهناء(43) حتى إذا كنا في
بُحبوحَتها، وأراد اللّه أن يرينا آياته نزل وأمر الناس بالنزول فنفرت الابل في جوف
الليل، فما بقي عندنا بعير ولا زاد ولا بناء إلاّ ذهب عليها في عرض الرمل وذلك حين
نزل الناس، وقبل أن يَحُطُّوا، فما علمت جمعاً هجم عليهم من الغمّ مثلما هجم علينا
وأوصى بعضنا إلى بعض، ونادى منادي العلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه فقال: ما هذا
الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟
فقال الناس: وكيف نُلامُ ونحن إن بلغنا غداً لم تَحْمَ شمسُه حتى نصير حديثاً؟!
فقال:
أيّها الناس لا تراعوا، ألستم مسلمين؟ ألستم في سبيل اللّه؟ ألستم أنصار اللّه؟
قالوا:
بلى. قال: فأبشِروا، فواللّه لا يَخذُلُ اللّه من كان في مثل حالِكم، ونادى المنادي
بصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلّى بنا ومنّا المتيمّم ومنا من لم يزل على طهوره،
فلما قضى صلاته جثا لرُكْبَتَيه وجثا الناس فنصب في الدعاء ونصبوا معه فلمع لهم
سراب الشمس، فالتفت إلى الصف فقال: رائد ينظر ما هذا، ففعل ثمّ رجع فقال:
سراب، فأقبل على الدعاء، ثمّ لمع لهم آخر فكذلك، ثم لمع لهم آخر، فقال:
ماء، فقام وقام الناس فمشينا إليه حتى نزلنا عليه فشربنا واغتسلنا، فما تعالى
النهار حتى أقبلت الابل تُكْرَدُ من كلّ وجه فأناخت إلينا، فقام كلّ رجل إلى ظهره
فأخذه، فما فقدنا سِلكاً. فأرْويناها وأسْقيناها العَلَلَ بعد النَّهَلِ
وتَرَوَّينا ثم ترَوَّحنا.
وكان أبو هريرة(44) رفيقي فلمّا غِبنا عن ذلك المكان قال لي: كيف علمك بموضع ذلك
الماء؟ فقلت: أنا من أهدى العرب بهذه البلاد، قال: فكن معي حتى تُقيمني عليه، فكررت
به فأتيت به على ذلك المكان بعينه فإذا هو لا غدير به ولا أثر للماء، فقلت له:
واللّه لولا أنّي لا أرى الغدير لاخبرتك أنّ هذا هو المكان. وما رأيت بهذا المكان
ماء ناقعاً قبل اليوم. وإذا إداوَة(45) مملُوءة، فقال: يا أبا سهم هذا واللّه
المكان ولهذا رجعت ورجعت بك. ملات إداوتي ثم وضعتها على شفيره فقلت: إن كانت منّاً
من المنّ وكانت آية عرفتها، وإن كان غياثاً عرفته، فإذا منّ من المنّ، فحمد اللّه
ثمّ سرنا)).
ثم
ذكر قتال العلاء أهل الردّة في البحرين وأنّه غلب على جيوشهم في ليلة كانوا سُكارى،
إلى أن يقول في ص 526 منه(46): ((فلمّا أيقن أنّه لن يُؤتى من خلفه بشيء يكرهه ندب
الناس إلى دارين(47) ثم جمعهم فخطبهم وقال: إنّ اللّه قد جمع لكم أحزاب الشياطين
وشُرّد الحرب في هذا البحر، وقد أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر،
فانهضوا إلى عدوّكم ثم استَعْرِضُوا البحر إليهم فإنّ اللّه قد جمعهم)) فقالوا:
واللّه لا نهاب بعد الدَّهْناء(48) هَوْلاً ما بقينا، فارتحل وارتحلوا حتى إذا أتى
ساحل البحر اقتحموا على الصاهل والحاملِ والشاحجِ والناهقِ(49)، الراكبُ والراجلُ،
ودعا ودعوا وكان دعاؤه ودعاؤهم: ((يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم، يا أحد يا
صمد، يا حيُّ يا مُحيي الموتى، يا حيُّ يا قَيّوم، لا إله إلاّ أنت يا ربّنا))
فاجتازوا ذلك الخليج بإذن اللّه جميعاً يمشون على مثل رَمْلَة مَيْثاء(50) فوقها
ماء يَغْمُر أخفاف الابل، وإنِّ ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر
في بعض الحالات؛ فالتقوا بها واقتتلوا قتالاً شديداً فما تركوا بها مُخبراً، وسَبوا
الذراري واستاقوا الاموال فبلغ نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين. قطعوا إليهم
وساروا يومهم، فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم، حتى عبروا. وفي ذلك يقول عفيفُ
ابن المنذر:
ألم تر أن اللّه ذلّل بحره
وأنزل بالكفار احدى الجلائل
دعونا الذي شَقَّ الرِّمال فجاءنا
بأعجب من فَلْقِ البِحار الاوائل
فلمّا رجع العلاء إلى البحرين وضرب الاسلام فيها بجرانه(51) وعزّ الاسلام وأهله،
وذَلّ الشرك وأهله، وكان مع المسلمين راهب في هَجَر فأسلم يومئذ، فقيل: ما دعاك إلى
الاسلام؟ قال: ثلاثة أشياء، خشيت أن يمسخني اللّه بعدها إن أنا لم أفعل: فيض في
الرمال، وتمهيد أثباج البحار، ودُعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السحر، قالوا:
وما هو؟ قال: ((اللّهم أنت الرّحمن الرّحيم لا إله غيرك، والبديع ليس قبلك شيء
والدائم غير الغافل، والحيّ الذي لا يموت وخالق ما يُرى وما لا يُرى، وكلّ يوم أنت
في شأن، وعلمتَ اللّهم كلَّ شيء بغير تعلم)) فعلمت أن القوم لم يُعانوا بالملائكة
إلاّ وهم على أمر اللّه، فلقد كان أصحاب رسول اللّه يسمعون من ذلك الهَجَري بعد.
وكتب العلاء إلى أبي بكر: ((أمّا بعد فإنّ اللّه تبارك وتعالى فجَّر لنا
الدهناء فيضاً لا تُرى غَواربه، وأرانا آية وعبرة بعد غمّ وكرب، لنحمد اللّه
ونُمَجده فادع اللّه واستنصره لجنوده وأعوان دينه))، فخطب أبو بكر وحمد اللّه ودعاه
وقال: ((مازالت العرب فيما تُحدّث عن بُلدانها يقولون: إن لقمان حين سُئل عن
الدهناء أيحتفرونها أو يَدَعونها نهاهم وقال: لا تبلغها الارشية(52) ولم تقرّ
العيون وإن شأن هذا الفيض من عظيم الايات وما سمعنا به في اُمّة قبلها. اللهم أخلف
محمّداً(ص) فينا)).
وقد أورد ابن كثير في 6 / 328 ـ 329 من تاريخه هذه القصّة مفصلة عن طريق سيف
وأوردها الحموي مختصراً في معجم البلدان 2 / 25 بعد أن قال: (في كتاب سيف) وأورد
أبو الفرج في الاغاني عن الطبري رواية سيف هذه بتفصيلها.
مناقشة السند:
روى سيف هذا الحديث عن الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه، أب وابن راويان في نسق واحد.
ذكرنا في مناقشة السند لحديث مالك بن نويرة أنا اعتبرناهما من مختلقات سيف لمّا لم
نجد لهما ذكراً في كتب الرجال والتاريخ!
حديث غير سيف:
كان هذا سند حديث سيف ومتنه في قصّة العلاء. أما غير سيف فقد
روى البلاذري في فتوح البلدان ص 103 و 104 أن العلاء غزا زارة(53) ودارِين في خلافة
عمر بن الخطاب، وأن أهل زارة صالحوه على أن له ثلث المدينة وثلث ما فيها من ذهب
وفضّة وعلى أن يأخذ النصف ممّا كان لهم خارجها (وأتى الاخنس بن العامِري العلاء،
فقال له: إنّهم لم يصالحوك على ذراريهم وهم بدارين، ودَلَّهُ كراز النُّكْري(54)
على المخاضة إليهم فتقحّم العلاء في جماعة من المسلمين البحر فلم يشعر أهل دارين
إلاّ بالتكبير، فخرجوا فقاتلوهم من ثلاثة أوجه فقتلوا مقاتليهم وحووا الذراري
والسبي).
وبترجمة عبداللّه بن قيس الصباحي من الاصابة 2 / 353: ((أنّه دلّ المسلمين على عورة
أهل الحصن بالبحرين)).
نتيجة المقارنة:
ذكر سيف لجيوش أبي بكر في الحروب التي يسميها بالردّة فَيضاً في الدهناء، بعد أن
نفرت إبلهم وأيّد ذلك برجوع أبي هريرة ورفيقه ورؤيتهما الاداوة التي تركاها عند
الغدير، وأنهما لم يريا أثراً من الغدير، وذكر أن لقمان سئل عن حفر الدَّهناء
فنهاهم عن حفرها لان الارشية لا تبلغها. ثم ذكر لهم آية اُخرى لم يُؤت نظيرها أحد
قبلهم ـ كما يزعم ـ فإن موسى بن عمران وإن كان قد فُلِقَ له البحر غير أنّه لم
يَمْشِ على الماء. وأيد ذلك برواية بيتين عن لسان عفيف بن المنذر، وبإسلام الراهب
الهَجَري لمّا رأى الايات وسمع دعاء الملائكة، وختم تأييداته بكتاب العلاء إلى أبي
بكر ودعاء أبي بكر لهم على المنبر.
يضع سيف هذا فيروي عنه الطبري والحموي وابن الاثير وابن كثير وأصحاب السنن والخصائص
فيُصبح جزءاً من تاريخ الاسلام، والقصة لا تعدو عبور الجيش إلى دارين من مخاضة كان
يخوض منها غيرهم، وكان كراز النُّكري يعرفها قبل ذلك وهو الذي دلهم عليها، ثم ان
الغزوة لم تقع في عصر أبي بكر كما ذكرها (سيف) وإنما وقعت في عصر عمر، كل ذلك
يتفرّد فيه سيف كما يتفرّد في قوله عن قتال جند العلاء بدارين: (واقتتلوا قتالاً
شديداً فما تركوا بها مخبراً) وهذه هي الثانية مما اخترنا ذكرها من حروب الردة التي
أكثروا من ذكرها في التواريخ.
ثالثاً: قصَّة نُباح كِلاب الحَوأب كما سيأتي ذكرها.
41 نقلنا نسبه عن الاصابة، ويخالف ما ذكره ابن حزم في جمهرته ص 461.
42 ط. أوربا 1 / 1957 ـ 1975.
43 الدهناء كما في معجم البلدان 2 / 635 من ديار بني تميم وفيها أجبل من الرمل.
44 أبو هريرة الدوسي، اختلفوا في اسمه ونسبه ولم يكن في الصحابة أكثر حديثاً منه.
وكانت اُم المؤمنين عائشة تتهمه لاكثاره الرواية عن رسول اللّه، توفي سنة 57 أو 58
ه ودفن بالبقيع. الاستيعاب 4 / 200 ـ 207، والاصابة 4 / 200 ـ 208.
45 الاداوة: إناء صغير من جلد.
46 وط. أوربا 1 / 1972.
47 في معجم البلدان 2 / 537 إنها فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند.
48 الدهناء: الفلاة.
49 الصاهل: الفرس، والشاحج: البغل، والناهق: الحمار.
50 الميثاء: الارض السهلة والرملة السهلة.
51 جران البعير: مقدم عنقه من منحره إلى مذبحه، وألقى البعير بجرانه: برك، والقى
الاسلام بجرانه: ثبت واستقر كتابه.
52 الارشية جمع أرشاء، الحبل مطلقاً أو حبل الدلو. يعني مهما حفروا لن يبلغوا
الماء.
53 زارة: قرية كبيرة بالبحرين، معجم البلدان 2 / 907.
54 النكري بضم فسكون: فخذ من بني ثعلبة، من بني عبد القيس كانوا يسكنون البحرين.
راجع اللباب والجمهرة 183 و 281.