1 ـ بعث أُسامة
* بعث أُسامة في حديث سيف.
* بعث أُسامة عند غير سيف.
* نتيجة المقارنة.
بعث أُسامة في حديث سيف:
أخرج الطبري وابن عساكر في
تاريخيهما أحاديث
(29) عن ((سيف)) في بعث اُسامة ومنها الحديث الاتي:
((ضرب رسول اللّه قبل وفاته بعثاً
على أهل المدينة ومَن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب وأمَّر عليهم اُسامة بن زيد، فلم
يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول اللّه (ص) فوقف اُسامة بالناس ثم قال لعمر: إرجع
إلى خليفة رس ول اللّه فاستأذنه يأذن لي أن اُرجع الناس)).
ثم ذكر أنّ الانصار أيضاً طلبوا
من عمر أن يكلّم أبا بكر في تبديل اُسامة بغيره، فلما كلّم أبا بكر بذلك قال:
((فوثب أبو بكر وكان جالساً فأخذ
بلحية عمر وقال: ثكلتك أُمّك وعَدِمَتْكَ يا ابن الخطاب، استعمله رسول اللّه
وتأمرني أن أنزعه!)).
ثم ذكر أن أبا بكر أشخصهم وشيّعهم
ووصّاهم بعشر ثم ودعهم بقوله: ((إندفعوا باسم اللّه أفناكم اللّه بالطعن
والطاعون)).
في هذا الحديث ذكر (سيف): أن بعث
اُسامة لم يجاوز آخرهم الخندق حتى توفّي الرسول، ولم يكن هناك تسويف ولا مماطلة في
السير، وأن اُسامة ما أن بلغه نبأ وفاة النبي حتى وقف وارسل إلى خليفة رسول اللّه
يستأذنه الرجوع، كأنّ خلافة أبي بكر للنبي كانت معلومة منذ عصر الرسول حتى إذا بلغ
اُسامة نبأ الوفاة أرسل إلى
خليفته يستأذنه في الرجوع.
وذكر أنّ الانصار طلبوا تبديل
اُسامة بغيره ولا أدري إن كان عمر ذاهباً في طلب رجوع الجيش فما وجه طلبهم تبديل
القائد لجيش يرجع أدارجه؟ ثم ما وجه أخذ أبي بكر بلحية عمر في أدائه الرسالة؟! وما
على الرسول إلاّ البلاغ، ولا أدري لماذا يدعو الخليفة على جيش المسلمين بالفناء
بالطعن والطاعون؟!
بعث اُسامة في حديث غير سيف:
كان ذلك حديث سيف عن بعث اُسامة.
أما غير سيف فقد قالوا:
((لما كان يوم الاثنين لاربع
ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول اللّه أمر رسول اللّه الناس بالتهيؤ
لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا اُسامة بن زيد، فقال سر إلى موضع مقتل أبيك
فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش ... فلما كان يوم الاربعاء بُدئ برسول اللّه
(ص) فَحُمَّ وصُدِعَ. فلما أصبح يوم الخميس عقد لاُسامة لواءه بيده ... فخرج
بِلِوائه معقوداً وعسكر بالجُرف(30)،
فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الاولين والانصار إلاّ انتُدِب في تلك الغزوة، فيهم
أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد
ابن زيد ... الخ، فتكلم قوم، وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين فغضب
رسول اللّه غضباً شديداً، فخرج وقد عَصَّب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر
وقال: ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة، ولقد طعنتم في إمارتي أباه قبله،
وأيم اللّه إن كان للامارة لخليقاً، وإنّ ابنه من بعده لخليق للامارة،
ثم نزل وجاء
المسلمون الذين يخرجون مع اُسامة يودّعونه ويمضون إلى المعسكر بالجرف، وثقل رسول
اللّه (ص) فجعل يقول: أنفذوا بعث اُسامة، فلما كان يوم الاحد اشتدّ برسول اللّه
وجعه فدخل اُسامة من معسكره والنبي مغمورٌ(31)، فطأطأ اُسامة
فقبّله، ورسول اللّه لا يتكلم. ورجع اُسامة إلى معسكره، ثم دخل يوم الاثنين وأصبح
رسول اللّه (ص) مُفيقاً فقال له: أُغدُ على بركة اللّه فودَّعه اُسامة، وخرج إلى
معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول اُمُّه اُم أيمن قد
جاء يقول: إن رسول اللّه يموت
فأقبل، وأقبل معه عمر وأبو عبيدة فانتهوا إلى رسول اللّه (ص) وهو يموت فتوفّي حين
زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول))(32).
هذا ما كان من أمر بعث اُسامة في
أيام الرسول. وأما بعده فكان ما رواه عروة قال: ((لما فرغوا من البيعة واطمأنّ
الناس قال أبو بكر لاُسامة: إمض لوجهك الذي بعثك له رسول اللّه (ص)، فكلّمه رجال من
المهاجرين والانصار أن يُرجئ إرسال ذلك الجيش فأبى عليهم))(33).
وفي رواية اُخرى له(34) أرسل
الجيش وشيّعهم أبو بكر وقال له: ((إنّي سمعت رسول اللّه (ص) يوصيك فانفذ لامر رسول
اللّه (ص) فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه ...)) الحديث.
نتيجة المقارنة:
ذكر ((سيف)) في حديثه أن آخر الجيش
لم يجاوز الخندق حتّى قبض الرسول (ص) بينا نجد في سائر الروايات أن الجيش بقي في
معسكره خارج المدينة أياماً يروح ويغدو رجاله إلى المدينة والرسول يستحثُّهم على
السير، وذكر أيضاً أن اُسامة وقف بالناس، وأرسل عمر إلى الخليفة بينما الروايات
تتفق على رجوع جميعهم إلى المدينة، وأن المهاجرين هم الذين كانوا قد طلبوا من رسول
اللّه تبديل اُسامة، وليست الانصار من أبي بكر، وذكر عشر وصايا من أبي بكر لاُسامة،
بينما في حديث غيره(35) أن الرسول (ص) هو الذي أوصاه، وأن أبا بكر قال له: ((إني
سمعت
رسول اللّه يوصيك فانفذ لامره فإني
لست آمرك ولا أنهاك ...)) الحديث.
هذا بعض ما قلب فيه ((سيف))
الواقع التاريخي في هذه القصة، وأمّا لماذا صنع ذلك، فلانّ الناس في عصره كانوا
يرغبون في أن يسمعوا عن الصحابة أنّهم كانوا يتسابقون إلى تنفيذ رغبة رسول اللّه
فروى ذلك في حديثه، وبما أن السلطة كانت في قريش قوم المهاجرين فقد نسب طلب
المهاجرين إلى الانصار، وهو في هذا وذاك قد أعطى السلطة رغبتها والناس رغبتهم ودسّ
في حديثه ما ذكره من أخذ أبي بكر بلحية عمر ودعائه على الجيش بالفناء بالطعن
والطاعون.
وهذا ما نشكُّ في أن يكون لما
رُمي به من الزندقة دخلٌ فيه. ونسأل اللّه أن يوفّقنا لدراسته مع نظائره الكثيرة من
أحاديث ((سيف)) في القسم الثاني من هذا البحث ان شاء اللّه تعالى.
29 في ذكر حوادث سنة 11 من تاريخ الطبري 1 / 1849 ـ 1850، وابن عساكر في ذكره بعث
اُسامة 1 / 426 ـ 427.
30 الجُرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام ـ معجم البلدان.
31 مغمور: يغمى عليه.
32 أوردتها ملخصة من طبقات ابن سعد 2 / 190 ـ 192 ط. بيروت في ذكره ((سرية زيد))،
وفي عيون الاثر. 2 / 281، عند ذكره ((سرية زيد))، وممن نص على أن أبا بكر وعمر
وغيرهما كانوا في جيش اُسامة.
كنز العمال 5 / 312 ومنتخبه 4 / 180 عن عروة، وبترجمة اُسامة من أنساب الاشراف 1 /
474 عن ابن عباس، وبترجمته من طبقات ابن سعد 4 / 44 عن ابن عمر، وبترجمته من تهذيب
ابن عساكر 2 / 391، ولفظه: (استعمله على جيش فيه أبو بكر وعمر)، وفي تاريخ اليعقوبي
2 / 74، ط. بيروت في ذكر (وفاة
الرسول) وكان عمر اُسامة يومذاك عشرين سنة وقيل ثماني عشرة سنة. وابن الاثير في
تاريخه 2 / 123.
33 ابن عساكر 1 / 433.
34 ابن عساكر 1 / 438.
35 راجع تاريخ ابن عساكر، ط. المجمع 1 / 438.