4 - قصَّة مالك بن نُوَيْرَة
* قصة ارتداد مالك عند غير سَيْف.
* ارتداد مالك في أحاديث سَيْف.
* نتيجة المقارنة.
* مناقشة سند الحديث.
مالك بن نويرة في حديث غير سيف:
مالِك بن نُوَيرة بن جَمْرة بن شَدّاد بن عُبَيْد بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع التميمي
اليربوعي، يُكَنّى أبا حَنْظَلة ويُلَقَّب بالجَفُول(16): قال المَرْزُباني: كان
شاعراً شريفاً فارساً معدوداً في فُرسان بني يربوع في الجاهلية وأشرافهم. فلمّا
أسلم استعمله النبي على صدقات قومه، فلمّا توفّي النبي(ص) أمسك الصدقة وفرّقها في
قومه وقال في ذلك:
فقلت خذوا أموالكم غير خائف
ولا ناظر فيما يجيء من الغد
فإن قام بالدين المحوّق قائم
أطعنا وقلنا الدين دين محمّد(17)
وفي شرح ابن أبي الحديد(18): ((فإن قام بالامر المجدّد قائم)).
في
الطبري(19) 2 / 503 بسنده إلى عبدالرحمن بن أبي بكر: ولمّا نزل خالد بالبُطاح(20)
بعث ضِرار بن الازْوَر(21) في سَرِيَّةٍ وفيهم أبو قَتادة(22) فداهموا قوم مالِك
لَيلاً وكان أبو قَتادة يُحَدّث: أنّهم لمّا غَشوا القوم راعُوهم تحت الليل فأخذ
القوم السلاح.
قال: فقلنا إنّا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون.
قال: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟.
قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح.
قال: فوضعوها ثم صلّينا وصلّوا(23).
وفي شرح ابن أبي الحديد بعده: ((فلمّا وضعوا السلاح رُبطوا أُسارى فأتوا بهم
خالداً)). وفي كنز العمال 3 / 132: ((إنّ خالد بن الوليد ادّعى أنّ مالك بن نويرة
ارتدّ بكلام بلغه عنه فأنكر مالك ذلك، وقال: أنا على الاسلام ما غيّرت ولا بدّلت،
وشهد له أبو قتادة وعبداللّه بن عمر، فقدّمه خالد وأمر ضرار بن الازور الاسدي فضرب
عنقه، وقبض خالد امرأته اُمّ تميم فتزوّجها)).
وقال اليعقوبي في تاريخه 2 / 110 ((فأتاه مالك بن نويرة يناظره واتبعته امرأته
فلمّا رآها أعجبته فقال: واللّه ما نلت ما في مثابتك(24) حتى أقتلك)). وفي تاريخ
أبي الفداء والوفيات: ((وكان عبداللّه بن عمر وأبو قتادة الانصاري حاضرين فكلّما
خالداً في أمره فكره كلامهما)).
فقال مالك: يا خالد، ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فإنّك بعثت إليه
غيرنا ممّن جرمه أكبر من جرمنا.
فقال خالد: لا أقالني اللّه إن أقلتك. وتقدّم إلى ضرار بن الازوَر بضرب عنقه.
فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني. وكانت في غاية الجمال.
فقال خالد: بل اللّه قتلك برجوعك عن الاسلام.
فقال مالك: أنا على الاسلام.
فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه، فضرب عنقه))(25).
وفي الاصابة 3 / 337 أنّ ثابت بن قاسم روى في الدلائل: ((أنّ خالداً رأى امرأة مالك
وكانت فائقة في الجمال، فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتيني يعني ساُقتلُ من
أجلك)).
وفي الاصابة أيضاً عن الزبير بن بكّار عن ابن شهاب:
((إن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس، فلما قتل أمر خالد برأسه فنصب أُثفية(26)
فنضج ما فيها قبل أن يخلص النار إلى شؤون رأسه))(27).
وتزوّج خالد بامرأة مالك ـ اُمّ تميم بنت المنهال ـ في تلك الليلة(28)، وفي ذلك
يقول أبو نمير السعدي:
ألا قل لحيّ أوطأوا بالسنابك
تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغياً عليه لعِرْسِهِ
وكان له فيها هوىً قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف
عنان الهوى عنها ولا مُتمالك
فأصبح ذا أهل وأصبح مالك
إلى غير أهل هالكاً في الهَوالك(29)
ومرّ المنهال على أشلاء مالك بن نويرة هو ورجل من قومه حين قتله خالد فأخرج من
خريطته(30) ثوباً فَكَفَّنَه فيه(31).
وفي تاريخ اليعقوبي: ((فلحق أبو قتادة بأبي بكر فأخبره الخبر وحلف أن لا يسير تحت
لواء خالد لانّه قتل مالكاً مُسلماً))، وفي رواية الطبري عن ابن أبي بكر: ((وكان
ممّن شهد لمالك بالاسلام أبو قتادة وقد كان عاهد اللّه أن لا يشهد مع خالد ابن
الوليد حرباً أبداً)).
وفي تاريخ اليعقوبي: فقال عمر بن الخطّاب لابي بكر: يا خليفة رسول اللّه إن خالداً
قتل رجلاً مسلماً وتزوّج امرأته من يومها فكتب أبو بكر إلى خالد فأشخصه فقال: يا
خليفة رسول اللّه إنّي تأوّلت وأصبت وأخطأت. وكان متمّم بن نويرة شاعراً فرثى أخاه
بمراثي كثيرة، ولحق بالمدينة الى أبي بكر فصلّى خلف أبي بكر صلاة الصبح، فلما فرغ
أبو بكر من صلاته قام متمّم(32) فاتَّكأ على قوسه ثم قال:
نِعم القتيل إذ الرياحُ تناوَحت
خلف البيوت قتلت يا ابن الازوَرِ
أدَعَوته باللّه ثم غَدَرته
لو هو دعاك بذمّةٍ لم يَغدُرِ
وفي تاريخ أبي الفداء(33) ولمّا بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر لابي بكر:
إن
خالداً قد زَنى فارجُمه.
قال: ما كنت أرجُمه فإنّه تأوّل فأخطأ.
قال: فإنّه قتل مسلماً فاقتله.
قال: ما كنت أقتله فإنّه تأوّل فأخطأ.
قال: فاعزله.
قال: ما كنت أغمُدُ سيفاً سلّه اللّه عليهم.
وفي رواية الطبري عن ابن أبي بكر: ((وكان خالد يعتذر في قتله أنّه قال وهو يُراجعه
ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول: كذا وكذا. قال: أَوَ ما تعده لك صاحباً؟ ثمّ
قدّمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه. فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلّم فيه عند أبي
بكر فأكثر)).
وقال: عدوّ اللّه عدا على امرئٍ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته. وأقبل خالد ابن
الوليد قافلاً حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجراً(34) بعمامة
له قد غرز في عمامته أسهماً، فلما أن دخل المسجد قام اليه عمر فانتزع الاسهم من
رأسه فحطّمها، ثم قال: أرِئاء؟ قتلت امرأً مسلماً ثم نزوت على امرأته! واللّه
لارجمنّك بأحجارك. ولا يكلّمه خالد بن الوليد ولا يظنّ إلاّ أنَّ رأي
أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر، فلمّا أن دخل عليه أخبره الخبر
واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عمّا كان في حربه تلك.
قال: فخرج حين رضي عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد.
فقال: هَلُمَّ إليَّ يا ابن اُمّ شملة، قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم
يكلمه ودخل بيته)).
حديث سيف:
أما سيف فقد ذكر أمر مالك بن نويرة في سبع من رواياته يعضد بعضها ببعض، وأوردها
الطبري في ذكره حوادث سنة 11 ه من تاريخه، فروى:
1
ـ عن سيف في ذكره خبر بني تميم وسَجاح ج 2 / 495(35)، عن الصَّعب بن عطية بن بلال
عن أبيه: ((أن رسول اللّه قد توفي وقد فرَّق في بني تميم عمّاله. وكان من عماله
مالك بن نويرة فاختلف عمّال رسول اللّه في بني تميم بعد وفاته، فمنهم من أدّى
الزكاة ومنهم من منعها وتردَّدَ وتحيّر، وتشاغل الناس بعضهم ببعض، وكان مالك ممّن
ارتاب وتربَّص. فبينا الناس في بلاد بني تميم على ذلك قد شغل بعضهم بعضاً، فمسلمهم
بإزاء من تربّص وارتاب، فَجِئَتْهم سجاح بنت الحارث ـ وكانت قد تنبّأت بعد رسول
اللّه ـ هي وبنو أبيها والهُذَيل في عدّة قبائل لتغزو بهم أبا بكر فراسلت مالك بن
نويرة فأجابها فاجتمع وَكِيع ومالك وسجاح ـ وقد وادع بعضهم بعضاً ـ على قتال
الناس)).
2
ـ وروى في ذكر خبر أهل البحرين ورِدّة الحُطَم وبعث العلاء بن
الحضرمي إليها ص 522(36) منه عن الصعب بن عطية بن بلال:
إن
ابن الحضرمي لمّا أقبل إليها كان بحيال اليمامة، وكان أهلها مختلفين يتساجلون(37)
فيما بينهم التحق به جماعة منها، وذكر عن الراوي أنّه قال: ((وكان مالك في البُطاح
ومعه جموعه يساجلنا ونساجله)).
3
ـ وروى عن سيف في (ذكر البُطاح وخبره) ص 501(38) منه عن الصعب بن عطيّة بن بلال،
أنّه قال: ((لمّا انصرفت سَجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة وندم وتحيّر في
أمره. وعرف وَكِيع وسَماعة قبح ما أتيا فرجعا رجوعاً حسناً ولم يتحيّرا وأخرجا
الصدقات فاستقبلا بها خالداً، ولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يُكرَه إلاّ ما كان
من أمر مالك بن نويرة ومن تأشَّب إليه(39) بالبُطاح فهو
على حاله متحيّر شج)).
4
ـ وروى عن سيف بعد هذا: ((عن القاسم وعَمْرو بن شُعَيْب قالا: لمّا أراد خالد السير
وقد استبرأ أسد وغَطَفان، فسار يريد البُطاح دون الحَزْن وعليها مالك ابن نويرة وقد
تردّد عليه أمره، تردّدت الانصار على خالد وتخلّفت عنه وقالوا: إنّ الخليفة عهد
إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة، نقيم حتى يكتب إلينا، فقال خالد: أنا الامير وإلي
تنتهي الاخبار، وهذا مالك بن نويرة بحيالنا وأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين
والتابعين بإحسان، ولست اكرهكم، ومضى خالد، وندمت الانصار، ولحقوا به، ثم سار حتى
قدم البطاح فلم يجد به أحداً)).
5
ـ إلى هنا ذكرنا خلاصات من روايات سيف في أمر مالك، وذكر سيف في رواية اُخرى له بعد
هذا عن خُزَيْمة بن شَجَرة العَقْفاني عن عثمان بن سويد بن المثعبة الرياحي وقال:
((قدم خالد بن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحداً ووجد مالكاً قد فرّقهم في أموالهم
ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره، وقال: يا بني يربوع إنّا كنّا قد عصينا
اُمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين وبطَّأنا الناس عنه فلم نُفلِح ولم نُنجِح. وإنّي
قد نظرت في هذا الامر فوجدت الامر يأتي بغير سياسة. وإذا الامر لا يسوسه الناس
وإياكم ومناوأة قوم صُنِع لهم فتفرّقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الامر.
فتفرّقوا على ذلك إلى أموالهم وخرج مالك حتى رجع إلى منزله.
ولمّا قدم خالد البطاح بثّ السرايا وأمرهم بداعية الاسلام وأن يأتوه بكلّ من لم
يُجِب وإن امتنع أن يقتلوه، وكان ممّا أوصى به أبو بكر: إذا نزلتم منزلاً فأذِّنوا
وأقيموا فإن أذَّن القوم وأقاموا فكُفّوا عنهم وإن لم يفعلوا فلا شيء إلاّ الغارة،
ثم تقتلوا كلَّ قتلة، الحرق فما سواه. وإن أجابوكم إلى داعية الاسلام فسائلوهم فإن
أقرّوا بالزكاة فاقبلوا منهم وإن أبوها فلا شيء إلاّ الغارة ولا كلمة. فجاءته
الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة من عاصم وعرين وعبيد وجعفر فاختلفت
السريّة فيهم، وفيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنّهم قد أذَّنوا وأقاموا وصلّوا؛
فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحُبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء.
وجعلت تزداد برداً فأمر خالد منادياً فنادى: ادفئوا أسراكم، وكانت في لغة كنانة إذا
قالوا: دَثّروا الرجل فأدفئوه، دَفأه قتله، وفي لغة غيرهم: أدْفِه فاقتله، فظنَّ
القوم وهي في لغتهم القتل أنّه أراد القتل فقتلوهم، فقتل ضرار بن الازور مالكاً،
وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد اللّه أمراً أصابه. وقد
اختلف القوم فيهم؛ فقال أبو قتادة: هذا عملك! فَزَبره خالد فغضب ومضى حتى أتى أبا
بكر فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه عمر فيه فلم يرض إلاّ أن يرجع إليه فرجع إليه حتى
قدم معه المدينة وتزوَّج خالد اُمّ تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها.
وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتَعايَرُهُ، وقال عمر لابي بكر: إن في سيف خالد
رهَقاً فإن لم يكن هذا حقّاً حق عليه أن تُقِيدَه وأكثر عليه في ذلك، وكان أبو بكر
لا يُقيدُ أحداً من عمّاله ولا وَزَعَتِه، فقال: هيه يا عمر تأوَّلَ فأخطأ، فارفع
لسانك عن خالد. وودى مالكاً وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل، فأخبره خبره فعذره
وقبل منه وعنّفه في التزويج الذي كانت تَعِيبُ عليه العرب من ذلك)).
6
ـ وذكر أيضاً في حديث آخر له بعد هذا وقال: ((شهد قوم من السرية أنهم أذَّنوا
وأقاموا وصلّوا ففعل مثل ذلك. وشهد آخرون أنّه لم يكن من ذلك شيء فقتلوه.
وقدم أخوه مُتَمّم بن نويرة يَنْشُدُ أبا بكر دمه ويطلب إليه في سَبيهم، فكتب له
بردّ السبي وألحَّ عليه عمر في خالد أن يعزله وقال: إن في سيفه رَهَقاً، فقال: لا
يا عمر لم أكن لاشيم سيفاً سلّه اللّه على الكافرين)).
7
ـ وذكر في روايته الاخيرة عن خُزَيمة عن عثمان عن سويد وقال: ((كان مالك بن نويرة
من أكثر الناس شَعْراً، وأن أهل العسكر أثَّفُوا برؤوسهم القُدُور، فما منهم رأس
إلاّ وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً، فإنَّ القدر نضجت وما نَضِجَ رأسه من
كثرة شعره، وأنشده متمّم وذكر خَصْمه. وقد كان عمر رأى مقدمه على النبي(ص) فقال:
أكذاك يا متمم كان؟ قال: أما مما أعني فنعم)). إنتهت بإيجاز أحاديث سيف في قصّة
مالك.
نتيجة المقارنة:
إن
سيف بن عمر قد وضع قسماً من هذه الروايات وأضاف إلى بعض آخر منه ودسّ فيها ليدفع
بها ما انتقد به على خالد بن الوليد. فإنّه قد مهَّدَ في (خبر أهل البحرين) و (خبر
بني تميم وسجاح) إلى ما يريد فنسب إلى مالك بن نويرة الارتياب والتردّد، ومقابلته
المسلمين الثابتين على أمرهم ومساجلتهم بجماعته. وإنّه مالا المتنبئة سَجاحاً على
غزو أبي بكر والقبائل الثابتة على إسلامها. وأنّه بعد انصراف سجاح ترَدَّدَ في أمره
وتحيّر، ولمّا لم يذكر أحد من المؤرّخين أنّه كان معه ـ عندما أسره ضِرار ـ تلك
التحشّدات والجموع التي ذكرها سيف، فقد عالج ذلك في روايته الرابعة حين قال فيها:
إن مالكاً فرّق جموعه ومن تأشَّب إليه وذلك خوفاً منه وفرقاً، لا ندماً منه وتوبة
ورجوعاً حسناً.
وبكلّ ذلك أثبت ارتداد مالك بن نويرة، وقد أثبت ارتداده في أحاديث لم يذكر فيها
خالداً لئلا ينتبه أحد إلى ما يريد من الوقيعة في مالك في سبيل الدفاع عن خالد وعن
غير خالد، لِيُريَ أنّ خالداً كان محقّاً في قتل هذا المرتدّ المذبذب فيما لو ثبت
على خالد قتل مالك عمداً.
ثم
أورد محاورة بين خالد والانصار الذين كانوا في جيشه ليدفع عن أبي بكر ما صدر عن
خالد، فليس لك أن تنسب ما صدر منه إلى أبي بكر، لانّ الانصار ذكروا أن أبا بكر لم
يأمرهم بذلك. كما أنّه ليس لك أن تتهم خالداً بالعيث من تلقاء نفسه، لان خالداً
صرّح بأن الامر يأتيه بعد الامر، فلا يتوجه النقد إلى هذا ولا ذاك. ثم وضع قصة لغة
كِنانة ((دثّروا الرجل)) لينسب قتل مالك إلى الخطأ في الفهم لا التعمّد في العمل.
وبعد هذا التمهيد يذكر أن خالداً ((بثّ السرايا وأمرهم بداعية الاسلام أن يأتوه بكل
من لم يجب)) كما ذكر وصية أبي بكر بأكثر من هذا. ويذكر أن السرية جاءت بمالك وهي
مختلفة في أمره فحبسه ومن معه في ليلة باردة ثم أمر بتدفئتهم فظنَّ جيشه أنّه
يكلّمهم بلغة كنانة ويأمرهم بقتل الاسارى فقتلوهم، ولمّا سمع خالد الواعية خرج وقد
فرغوا منهم. وذكر أن خالداً تزوّج امرأة مالك بعد أن انقضى طهرها. وأن ما نقم عليه
في هذه تزوّجه في الحرب فقط لانّ العرب كانت تكره ذلك. وذكر أيضاً ما جرى بين خالد
وأبي قتادة، وبينه وبين عمر محرّفاً.
وقد زعم (سيف) أن قتل مالك وقع خطأ وكان سببه ظنّ جند خالد بأن خالداً يكلّمهم بلغة
كنانة، فليت شِعري كيف كان هذا الظن مع أن خالداً كان قرشياً مَخْزومياً، وضرار بن
الازور ـ القاتل ـ اسدياً ثعلبياً؟! وليت شعري إن كان قتلهم قد وقع خطأ فلم نُصبت
رؤوسهم أثافي للقُدور بعد القتل؟!
هذا إلى غيره ممّا أشرنا إليه تفرّد بروايته (سيف) غير أن الطبري جاء بعده فأدرجها
في تاريخه، وأخذ منه كلّ من ابن الاثير وابن كثير وميرخواند في تواريخهم إلى غيرهم.
وكذلك فعل ابن حجر إذ أدرجها في كتابه الاصابة. وهكذا انتشرت هذه الروايات الموضوعة
في كتب التاريخ والتراجم فضاعت حقيقة الواقعة على الاجيال التي جاءت بعد هؤلاء إلاّ
لمن بحث عنها في غير طريق (سيف) ورُواته؛ وإنّ أمر خالد بقتل مالك بن نويرة صبراً
خلافاً لمّا رواه (سيف) قد ورد بالاضافة إلى المصادر الانفة الذكر في كل من:
فُتُوح البُلدان للبلاذُري ص 117، وتهذيب تاريخ ابن عَساكر 5 / 105 و112، وتاريخ
الخميس 2 / 233، والنهاية لابن الاثير 3 / 257، والصَواعِق الُمحرِقة ص 34، ط. مصر،
وتاج العروس للزبيدي 8 / 75.
مناقشة السند:
ورد في سند الحديث 1 و 2 و 3 ((الصعب بن عطيّة بن بلال عن أبيه)) تارةً أبٌ وابن
راويان في نَسق واحد، وتارة عن غير أبيه؛ روى سيف 8 روايات عنه في تاريخ الطبري،
وفي اُسد الغابة رواية واحدة(40).
وفي سند الحديث 5 و 7 (عثمان بن سويد) روى سيف عنه حديثين في تاريخ الطبري.
ولمّا لم نجد لهما ذكراً فيما رجعنا إليه من كتب تراجم الرواة والتاريخ؛ اعتبرناهما
من مختلقات سيف.
هذه قصّة واحدة من حروب الردّة ((وعلى هذه فقس ما سواها)).
16 جفل جفولاً: الشعر ثار شعثا وتنصب. البعير شرد. الجفول: الريح التي تجفل
السحاب.
17 الاصابة 3 / 336. في معجم الشعراء ص 260: فإن قام بالامر المخوّف قائم.
18 في الجواب السابع من أجوبة المرتضى على قاضي القضاة.
19 ط أوربا 1 / 1927 ـ 1928.
20 البطاح: ماء في دِيار أسد بن خُزَيمة، معجم البلدان للحموي.
21 ضرار بن الازْوَر بن مرداس بن حبيب بن عمير بن كثير بن شيبان الاسدي. وقيل اسم
الازور مالك وهو ابن أوس بن جذيمة بن ربيعة بن مالك بن ثعلبة بن دُودان بن أسد.
يُكنى أبا الازور الاسدي. كان شاعراً فارساً شجاعاً قتل يوم أجنادين، وقيل في
اليمامة، وقيل توفي في خلافة عمر بالكوفة، الاستيعاب 2
/
203 ـ 204، وفي الاصابة 2 / 200 ـ 201، بعث خالد ضراراً في سريّة فأغاروا على حيّ
من بني أسد فأخذوا امرأة جميلة، فسأل ضرار أصحابه أن يهبوها له ففعلوا، فوطئها ثم
ندم فذكر ذلك لخالد، فقال: قد طيبتها لك، فقال: لا! حتى تكتب إلى عمر، فكتب: إرضخه
بالحجارة، فجاء الكتاب وقد مات، فقال خالد: ما كان اللّه ليخزي ضراراً. ويقال: إنه
ممّن شرب الخمر مع أبي جندب، فكتب أبو عبيدة إلى عمر.
فكتب إليه: إن قالوا إنها حلال فاقتلهم وإلاّ فاجلدهم، فقالوا: إنها حرام.
22 أبو قتادة الحارث أخو بني سلمة واسمه الحارث على الاشهر، وقيل إن اسمه النعمان
أو عمرو ابن ربعيّ بن بلدهة بن خناس بن سنان بن عبيد بن غنم بن سلمة الانصاري
الخزرجي السلمي، واُمّه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم. شهد أُحداً وما
بعدها واختلفوا في شهوده بدراً، وكان يقال له فارس رسول اللّه. وشهد مع علي في
خلافته مشاهده كلها، وتوفي في الكوفة في خلافة علي سنة 38 أو سنة 40 ه وهو ابن
سبعين سنة فكبّر عليّ في صلاته عليه ستّاً، وقيل إنّه توفّي في المدينة سنة 54 ه
وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل: بل كان عمره 70 سنة، الاصابة 4 / 157 ـ 158،
والاستيعاب 4 / 161 ـ 162. ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 360.
23 وفي صحيح مسلم 2 / 3 ـ 4، كتاب الصلاة باب الاذان عن أنس بن مالك قال: كان
رسول اللّه(ص) يُغير إذا طلع الفجر وكان يسمع الاذان فإن سمع أذاناً أمسك. الحديث.
24 مثابة البئر: مبلغ جموم مائها وما أشرف من الحجارة حولها، ولا تبلغ مثابتك أي
لا تشرب ماء بئرك حتى أقتلك.
25 تاريخ أبي الفداء ص 158، وفيات الاعيان 5 / 66 بترجمة وثيمة وقد ذكر ذلك ابن
شحنة في تاريخه ص 114 من هامش الكامل ج 11 وفي فوات الوفيات 2 / 627، عن ردة ابن
وثيمة وردّة الواقدي.
26 الاُثفية: الحجر يوضع عليه القدر.
27 روى الطبري ذلك في 2 / 503 والاصابة 3 / 337، وابن الاثير في حرب البطاح، وابن
كثير 6 / 322، وأبو الفداء 158، وابن أبي الحديد ج 17، وبترجمة وثيمة من وفيات
الاعيان وفوات الوفيات 2 / 627.
28 اليعقوبي 2 / 110.
29 أبو الفداء 158، وتاريخ ابن شحنة بهامش الكامل 11 / 114، ووفيات الاعيان
بترجمة وثيمة.
30 الخريطة: كالحقيبة وعاء من جلد وغيره ليجمع على ما فيه.
31 الاصابة 3 / 478، بترجمة المنهال.
32 كنيته أبو أدهم أو أبو نهيك أو أبو إبراهيم بن نويرة تقدم نسبه في ترجمة أخيه.
أسلم هو وأخوه ونظم في أخيه مالك مراثي حساناً، الاصابة 3 / 340، والاستيعاب 3 /
488.
33 وكنز العمّال 3 / 132 الحديث 228، وبترجمة وثيمة من وفيات الاعيان وفوات
الوفيات.
34 اعتجر : لفّ عمامته دون التلحي .
35 وط. أوربا (1 / 1917).
36 ط. أوربا 1 / 1957.
37 ساجله: باراه وفاخره وصنع مثل صنيعه معارضة له.
38 وط. أوربا 1 / 1921.
39 تأشب إليه: إنضم إليه.
40 اسد الغابة 3 / 145 بترجمة عبد الحارث و 167 بترجمة عبداللّه بن زيد
والروايتان واحدة.