موقف عمر ورأيه:

لقد مرَّ بيان موقف عمر من بيعة أبي بكر، أما رأيه فيها فقد قال:

((إنه قد بلغني أن فلاناً قال: واللّه لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلاناً؛ فلا يَغُرَّنَّ امرأً أن يقول: إنَّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمَّت، وإنّها قد كانت كذلك إلاّ أنَّ اللّه قد وقى شرَّها))(215).

 

نتيجة المقارنة:

لقد أوردنا في مبدأ البحث سبعة من أحاديث سيف الموضوعة حول السقيفة وبيعة أبي بكر:

وإن روايات سيف عن السقيفة تشمل اُموراً قد تفرَّد سيف بروايتها.

منها ما روي في امتناع خالد عن البيعة أنّه كان لتمزيق جبّته الديباج بأمر عمر، لانّه كان قد لبسها في السلم وليس لرجل أن يلبس الحرير إلاّ في الحرب. وأنّه لذلك قال لعلي: أغلبتم عليها يا بني عبد مناف؟ وأنَّ علياً قال في جواب خالد بن سعيد: أمغالبة ترى أم خلافة، ومنها المحاورة التي نسبها إلى عمر، إلى غيرها مما لم يرد ذكر شي‌ء منه في غير رواية (سيف) وإنما هم ذكروا ما نقلناه في ص 157 ـ 158 وأنّ موقفه ذلك وتربّصه عن البيعة كان انتصاراً لعلي بن أبي طالب لا غيظاً منه وحنقاً على تمزيقهم جُبَّته الديباج كما زعمه (سيف).

وقال في رواية عن سعد بن عبادة: أنّه قد بايع مكرها(216) وكي يؤيد ذلك وضع محاورة عن لسان سعد، وزعم أنّها قد جرت بين سعد وبينهم.

ويُسند (الفلتة) إلى الانصار في معارضتهم لبيعة أبي بكر ليعالج بذلك قول عمر في بيعة أبي بكر: (إنها كانت فلتة)(217)، وفي روايته عن بيعة علي بن أبي طالب يقول:

إنّ علياً كان في بيته لمّا أُنبئ أنّ أبا بكر جلس للبيعة فخرج في قميص ما عليه رداء ولا إزار كراهية أن يُبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأُتي به فَتَجَلّله(218).

ولدى مقارنة هذه الرواية بالروايات الصحيحة المتواترة، والتي أوردنا طرفاً منها فيما سبق يتّضح مبلغ ولع سيف في وضع الاخبار خلافاً للواقع وذلك تغطية منه للحقيقة ومحواً لاثارها. فإنّه قد اختار علياً مرشح المهاجرين وسعداً مرشّح الانصار دون غيرهما من الصحابة ليُصَرِّح بأنهما قد بايعا. وإنّك قد رأيت فيما

أوردناه(219) أنَّ سعداً لم يبايع حتى قتله الجن بسهمين طريداً بعيداً عن أهله وذلك لانّه لم يبايع!! وأن علياً هو الذي طالب بها، وأن جميع بني هاشم وجمعاً من المهاجرين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر وهم يطالبون له بالبيعة، وسيف يزعم أن علياً بادر إلى بيعة أبي بكر في اليوم الاول من بيعة أبي بكر، وأن أبا بكر قد بويع له في اليوم الاول من وفاة النبي(ص) (لانّهم كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة) على حدّ تعبير سيف.

وكان علي عند ذاك مشغولاً بتجهيز النبيّ لم يفارقه هو ولا بقيّة بني هاشم الاقربون إليه، ولم يتركوه كما فعل غيرهم. ويزعم سيف أنّه خرج مسرعاً بلا رداء ولا إزار ثم بايع أبا بكر وجلس إلى جنبه. أما جنازة النبيّ فقد نسيها سيف.

وقد وضع سيف سبع روايات في بيعة أبي بكر إتقاناً للصنعة، وليؤيّد بعضها بعضاً فيظنَّ القارئ ورود عدَّة روايات بطرق مختلفة تُصرِّح بأنّه لم يتخلّف أحد عن بيعة أبي بكر، وقد خصّ روايتين منها ببيعة سعد، فيروي في اُولاهما مخالفة سعد ثم بيعته، وفي الثانية عتابه لهم على أخذهم البيعة منه كُرهاً، ويقول في الرابعة: ((إنه ما خالف أحد إلاّ مرتدُّ أو من قد كاد أن يرتدّ)) ويسأل الراوي هل قعد أحد من المهاجرين؟ فيقول: ((تتابع المهاجرون على بيعته من غير أن يدعوهم))، فإذا قارنت هذه بما مرّ من الاخبار المرويّة في كتب الصحاح والمسانيد والسير والتواريخ مما روي عن أبي بكر وندمه على إدخاله الرجال في دار فاطمة، وعن عمر في ذكره تخلّف عليّ والزبير ومن معهما عن البيعة، وقوله في بيعة أبي بكر إنّها كانت فلتةً، وغير ذلك مما وقع من كسر سيف الزبير، ووطء سعد بن عبادة. إذا راجعت ما

مرّ عرفت مدى تحرّي سيف الوقائع التاريخية ليضع أخباراً خلافاً للواقع التاريخي.

وقد ذكر سيف أنّه لم يتخلف أحد عن بيعة أبي بكر إلاّ من ارتدَّ أو قد كاد يرتدُّ؛ إحتياطاً للامر ولتظنَّ الارتداد عن الاسلام في من يبلغك أنّه خالف البيعة من الصحابة. أما الذين تشملهم تهمة الارتداد فقد صرّح المؤرخون بأن ممن خالف بيعة أبي بكر مطالباً ببيعة علي هم:

(1) الزُّبير بن العوام. (2) العباس بن عبد المطلب. (3) المِقداد بن الاسود.  (4) طلحة بن عبيداللّه. (5) سعد بن أبي وقّاص ـ وهؤلاء هم الذين صرّحوا عنهم أنّهم اجتمعوا في دار فاطمة ليبايعوا علياً ـ (6) أبو ذر الغفاري. (7) سلمان الفارسي. (8) الفضل بن العباس. (9) خالد بن سعيد الاموي. (10) البراء بن عازب. (11) عمّار بن ياسر. (12) أبان بن سعيد. (13) أُبيّ بن كعب. (14) أبو سفيان بن حرب، وسعد بن عبادة الذي كان يطلب البيعة لنفسه. وأن هؤلاء جميعاً تشمهلم تهمة سيف بالردّة عن الدين.

 


 

215   لقد تخيّرت اللفظ من سيرة ابن هشام 4 / 336 ـ 338، والبخاري كتاب الحدود باب رجم الحُبلى من الزنا 4 / 119، و 120، و كنز العمال 3 / 139 الحديث 2326، وشرح النهج 2 / 3 باختلاف يسير. وراجع بقية مصادره في ص 131 ـ 139 (التحصّن بدار فاطمة)، وذكر اليعقوبي من كلام عمر قوله ((كانت

بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه))، وفي أنساب الاشراف ج 1 عيَّن المعزوم على بيعته من كان. فقد روى في ص 581 أن عمر قال بلغني أن الزبير قال ((لو قد مات عمر بايعنا عليا ...)) الحديث، وفي حديثه بصفحة 583 ـ 584 ((أنَّ فلاناً وفلاناً قالا لو قد مات عمر بايعنا عليا ... فمن بايع رجلاً على

غير مشورة فانهما أهل أن يقتلا وإني اُقسم باللّه لَيَكُفنَّ الرجال أو لَيُقطَّعَنَّ أيديهم وأرجلهم وليُصلَبُنَّ في جذوع النخل ...)) الحديث.

216   راجع قبله ص 84 ـ 85.

217   راجع قبله ص 84 ـ 85.

218   راجع قبله صفحة ـ 85.

219   راجع قبله ص 138 ـ 142.