موقف سَعْد بن عُبادة بعد
البيعة(201):
ذكروا(202) (أن سعداً تُركَ أياماً
ثم بُعثَ إليه أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما واللّه حتى
أرميكم بما في كنانتي من نَبل وأخضب سنان رُمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي،
واُقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي فلا أفعل، وأيم اللّه لو أن الجنَّ اجتمعت
لكم مع الانس ما بايعتكم حتى اُعرض على ربي واعلم ما حسابي).
فلما أُتي أبو بكر بذلك، قال عمر:
لا تدعه حتى يبايع.
فقال له بشير بن سعد: إنّه قد لجّ
وأبى، وليس بمبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من
عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضارّكم، إنما هو رجل واحد.
فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد،
واستنصحوه لما بدا لهم منه، فكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يجتمع معهم ولا يحج ولا
يفيض معهم بإفاضتهم ... الخ (فلما يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر)(203).
و (لمّا ولي عمر الخلافة لقيه في
بعض طُرُق المدينة).
فقال له: إيه يا سعد؟
فقال له: إيه يا عمر؟
فقال له عمر: أنت صاحب المقالة؟
قال سعد: نعم أنا ذلك، وقد أفضى
إليك هذا الامر، كان واللّه صاحبك أحب إلينا منك وقد أصبحتُ واللّه كارهاً لجوارك.
فقال عمر: من كره جوار جار تحوّل
عنه.
فقال سعد: أما إنّي غير مستنسئ
بذلك وأنا متحوّل إلى جوار من هو خير منك، فلم يلبث إلاّ قليلاً حتى خرج إلى الشام
في أول خلافة عمر ... الخ(204).
وفي رواية البلاذري: (أن سعد بن
عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام فبعث عمر رجلاً، وقال: أُدعُهُ إلى البيعة
واحتل له فإن أبى فاستعن اللّه عليه، فقدم الرجل الشام فوجد سعداً في حائط
بحوارين(205) فدعاه إلى البيعة.
فقال: لا اُبايع قرشياً أبداً.
قال: فإنّي اُقاتلك.
قال: وإن قاتلتني.
قال: أفخارج أنت ممّا دخلت فيه
الاُمّة؟
قال: أما من البيعة فإنّي خارج.
فرماه بسهم فقتله)(206).
وفي تبصرة العوام: أنهم أرسلوا
محمّد بن مسلمة الانصاري فرماه بسهم.
وقيل إنّ خالداً كان في الشام
يومذاك فأعانه على ذلك(207).
قال المسعودي: ((وخرج سعد بن عبادة
ولم يبايع فصار إلى الشام فقتل هناك سنة 15 ه(
208) )) .
وفي رواية ابن عبد ربه: ((رمي سعد
بن عبادة بسهم فوجد دفيناً في جسده فمات، فبكته الجنُّ فقالت:
وقتلنا سيّد الخزرج سعد بن
عبادةورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده(209) وروى ابن سعد(210): ((أنّه جلس يبول في
نفق فاقتتل فمات من ساعته ووجدوه قد اخضرَّ جلده)).
وفي اُسد الغابة(211): ((لم يبايع
سعد أبا بكر ولا عمر، وسار إلى الشام فأقام بِحُوّارين إلى أن مات سنة 15 ه ، ولم
يختلفوا في أنّه وجد ميتاً على مُغتَسَلِه وقد اخضرَّ جسده ولم يشعروا بموته حتى
سمعوا قائلاً يقول من بئر ولا يرون أحداً)).
هكذا انتهت حياة سعد بن عبادة،
ولمّا كان قتل سعد بن عبادة من الحوادث التي كره المؤرخون وقوعها أغفل جمع منهم
ذكرها(212) وأهمل قسم منهم بيان كيفيتها ونسبوها إلى الجن(213). غير أنهم لم يكشفوا
عن منشأ العداء بين الجن وسعد بن عبادة، ولماذا فوّقت سهمها إلى فؤاد سعد دون سائر
الصحابة، فلو أنهم أكملوا الاسطورة وقالوا: إنّ صلحاء الجنَّ كرهت امتناع سعد عن
البيعة فرمته بسهمين فما أخطآ فؤاده لكانت اُسطورتهم تامّة.
201 سعد بن عُبادة بن دُلَيْم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج
بن ساعدة ابن كعب بن الخزرج الانصاري، شهد العقبة ومغازي رسول اللّه عدا بدر، فإنه
اختلف في أنّه هل شهدها أم لم يشهدها، كان جواداً سخياً وكانت راية الانصار بيده
يوم الفتح، ولمّا نادى: (اليوم يوم الملحمة اليوم تُسبى الحرمة) نزع رسول اللّه
اللواء منه وأعطاه لابنه قيس، ولم يبايع أبا بكر حتى قتل بسهمين في الشام سنة 15 ه
ودفن بحوارين. نسبه في جمهرة ابن حزم ص 65 والاستيعاب 2 / 32 ـ 38، والاصابة 2 / 27
ـ 28.
202 الطبري 3 / 459، وابن الاثير 2 / 126 أورد الرواية إلى: فاتركوه، وكنز العمال
3 / 134، الحديث المرقم 2296، الامامة والسياسة 1 / 10، والسيرة الحلبية 4 / 397
بعده (لا يسلم على من لقي منهم). والطبري ط أوربا 1 / 1844.
203 الرياض النضرة 1 / 168 مضافاً إلى المصادر.
204 طبقات ابن سعد 3 ق 2 / 145، وابن عساكر 6 / 90 بترجمة سعد من تهذيبه، وكنز
العمال 3 / 134، برقم 2296، والحلبية 3 / 397.
205 من قرى حلب معروفة. معجم البلدان.
206 أنساب الاشراف 1 / 589، العقد الفريد 3 / 64 ـ 65 باختلاف يسير.
207 تبصرة العوام ط المجلس بطهران ص 32.
208 في مروج الذهب 1 / 414 و 2 / 194.
209 العقد الفريد 3 / 64 ـ 65.
210 في الطبقات 3 / ق 2 / 145، وابن قتيبة الدينوري في المعارف ص 113.
211 في ترجمة سعد، والاستيعاب 2 / 37.
212 كابن جرير وابن كثير وابن الاثير في تواريخهم.
213 كمحبّ الدين الطبري في الرياض النضرة، وابن عبدالبرّ في الاستيعاب.