أبو سفيان(174):
في العِقد الفريد 3 / 62، وأبو بكر
الجوهري في سقيفته برواية ابن أبي الحديد 3 / 120: ((توفي رسول اللّه(ص) وأبو سفيان
غائب في مَسعاة أخرجه فيها رسول اللّه(ص)، فلما انصرف لقي رجلاً في بعض طريقه
مقبلاً من المدينة.
فقال له: مات محمّد؟
قال: نعم.
قال: فمن قام مقامه؟
قال: أبو بكر.
قال أبو سفيان: فماذا فعل
المستضعفان عليّ والعباس؟
قال: جالسَيْن.
قال: أما واللّه لئن بقيت لهما
لارفعنَّ من أعقابهما، ثم قال: إنّي أرى غُبْرَة لا يُطفيها إلاّ دم.
فلمّا قدم المدينة جعل يطوف في
أزقّتها ويقول:
بني هاشم لا تطمعوا الناس
فيكم
ولا
سيّما تيم بن مرّة أو عدي
فما الامر إلاّ فيكم
وإليكم
وليس لها
إلاّ أبو حسن عليّ
...الخ)). وفي رواية اليعقوبي(175)
بعد هذين البيتين:
((أبا حسن فاشدُد بها كفَّ
حازم
فإنّك
بالامر الذي يُرتجى ملي
وإنّ امرأً يرمي قُصَيّ
وراءه
عزيز الحِمى
والناسُ من غالب قَصِي))
وفي رواية الطبري 2 / 449(176) أن
أبا سفيان أقبل وهو يقول: ((واللّه إنّي لارى عجاجة لا يُطفيها إلاّ دم، يا آل عبد
مناف فيما أبو بكر من اُموركم؟ اين المستضعفان؟ اين الاذلاّن عليّ والعباس؟)) وقال:
أبا حسن أُبْسُطْ يدك حتى اُبايعك، فأبى علي(ع) فجعل يتمثَّل بشعر المتلمّس:
إنّ الهوان حمارُ
الاهل يعرفه
والجُرّ
يُنكِرُه والرِسلَةُ الاُجُدُ(177)
ولا يُقيمُ على
ضَيْم يُرادُ به
إلاّ
الاذلاّن عيرُ الحَيّ والوَتَدُ
هذا على الخَسْف
معكوسٌ برُمَّته
وذا
يُشَجُّ فلا يبكي له أحد(178)
كان حرياً بشعار نادى به شيخ
الامويّين صَخر بن حرب ـ يا آل عبد مناف ـ أن يُغيّر مجرى التاريخ لولا امتناع عليّ
عن إقراره. فما بال أبي سفيان بعد أن حارب الرسول بكلّ قواه حتى غُلِبَ على أمره
ينتصر لقرابة هذا الخصم بعد وفاته؟
وهل كان أبو سفيان صادقاً في
انتصاره لعلي أم كان طالب فتنة كما قالوا؟!.
وعجباً لعلي بينا يعارض بيعة أبي
بكر ستة أشهر ويستنصر المهاجرين والانصار ويستنهضهم ويجمعهم في دار فاطمة ـ حتى
يُجلبُ الحطب لاحراقها بمن فيها ـ يعرض عن بيعة شيخي قريش عباس وصخر!! فما باله
يستنصر الغريب ويرفُضُ نُصرة عمّه وابن عمّه القريب؟! عجب هذا. ويرتفع هذا العجب
بدراسة أهداف الطرفين:
أمّا أبو سفيان فإنه كان ينظر إلى
الرسول ومركزه بين قومه نظرة زعيم عربي إلى ابن عمّ منافس له في الزَّعامة قد
توارثا المنافسة على الزعامة خلفاً عن سلف.
وأمّا الدّين الذي جاء به ابن عمّه
هذا فلم يكن ليعبأ به ـ ليؤمن به أو يكفر ـ غير أنّه كان يرى فيه امتداداً لتلك
المنافسة الموروثة، وقد قال أبو سفيان للعباس يوم فتح مكّة بعد أن أسلم ورأى عِظَمَ
جيوش النبي: ((واللّه يا أبا الفضل لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيك الغداة عظيماً)).
فقال له العباس: يا أبا سفيان!
إنّها النُّبُوَّة.
قال: فنعم إذاً(179).
لم يكن هذا الزعيم المغلوب على
أمره لِيَرضى أن تخرج الزَّعامة من بيت ابن عمّه إلى بيت قَصيٍّ عنه بعد أن خرجت من
بيته. وكانت العصبيّة القَبَليَّة في الجاهليَّة قبل الاسلام عماد الحياة في
الجزيرة العربية. وأما العصر الاسلاميّ الاوّل، فمهما جاهد الرسول في إماتة
العصبيّة القبليّة ودفنها! فإنّها كانت تظهر بين حين وآخر متحدّية جهاد الرسول في
نشره الاخاء الانساني، وفي سيرة الرسول وأصحابه كثير من الشواهد الدّالّة على ذلك.
وإنّ هذه العصبيّة لم تكن بين آل عبد مناف صاحب الزعامة القرشيّة بأقلّ منها في
غيرها.
روى ابن هشام عن العباس أنّه ركب
بغلة النبي ليلة فتح مكة، وخرج يبحث عن رسول يوفده إلى قريش فيخبرهم بقدوم النبي
ليأتوا إليه فيستأمنوه، فرأى أبا سفيان فقال له: واللّه لئن ظفر بك ليضربنَّ عنقك.
ثم أردفه وأخذه ليستأمن له من النبيّ، وكلّما مرَّ على نار من نيران المسلمين
قالوا: عمّ رسول اللّه(ص) على بغلته حتى مرّ على عمر بن الخطّاب، فلمّا رأى أبا
سفيان على عجز الدّابّة، قال: أبو سفيان! عدوّ اللّه، الحمد للّه الذي أمكن منك
بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يَشْتَدُّ نحو رسول اللّه(ص) فركض العباس بالبغلة وسبقه،
قال العباس:
فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول
اللّه(ص) ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول اللّه هذا أبو سفيان قد أمكن اللّه منه بلا
عقد ولا عهد، فدعني فلاضرب عنقه، قال: فقلت: يا رسول اللّه إنّي قد أجرته، ثم جلست
إلى رسول اللّه فأخذت برأسه فقلت: واللّه لا يناجيه الليلة دوني رجل. فلما أكثر عمر
في شأنه، قلت: مهلاً يا عمر! فواللّه أن لو كان من رجال بني عديّ بن كعب ما قلت هذا
ولكنّك عرفت أنّه من رجال بني عبد مناف(180) ... الخ.
إنّ ما ذكرناه مورد واحد ممّا ظهرت
فيه العصبيّة القَبَلِيَّة جليَّةً سافرة، فإن العصبيّة القبليّة هي التي حَفَّزَتْ
كُلاّ ً من العباس وعمر ليشتدّا نحو رسول اللّه بُغية الوصول إلى ما يعنيهما من أمر
العصبيّة القبليّة.
وكذلك العصبيّة القبليّة هي التي
دفعت أبا سفيان إلى أن ينادي بُعَيد وفاة الرسول: ((يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من
اُموركم(181). ويقول: ما لنا ولابي فصيل إنّما هي بنو عبد مناف))(182). إذاً فإن
أبا سفيان الذي حارب ابن عمّه الرسول فيما سبق كان صادقاً في عزمه حينما قال: ((أما
واللّه لئن بقيتُ لارْفَعَنَّ من أعقابهما))(183) لانّه الان هو وأخوه وابن عمّه
على الغريب(184).
كان حريّاً بهذا النداء أن يُغيِّر
التاريخ على حساب العصبيّة القبليّة، فإن زعامة قريش كانت في آل عبد مناف أعزّ قريش
قبيلاً وأكثرها عدداً على اختلاف ذات بينها من هاشمية وأمويّة، فكيف بها وقد جمع
شملها خشية خروج الزعامة من بيتها؟ فقد كانت آل عبد مناف تنقسم إلى بطون: هاشم
ونوفل والمطلب وعبد شمس؛ وإن عبد شمس وحدها كانت تنقسم إلى أفخاذ: العَبَلات وربيعة
وعبد العُزّى وحبيبة واُمية ... الخ، وإن اُميّة وحدها كانت تنقسم إلى بيوت كثيرة،
منها بيت حرب. فما ظنُّك بهذه البطون والافخاذ إن اجتمعت هي وبنو أعمامها من قبائل
قُصَيٍّ، إذاً لقد صدق أبو سفيان في قوله: ((وإنّ امرأً يرمي قصيُّ وراءه ـ عزيز
الحمى)) وكان ذلك المرء عليّاً شبل شيخ الاباطح ـ أبي طالب ـ أمّا تيم بن مُرَّة
رهط أبي بكر فكان كما عرّفها أبو سفيان: ((أقل حيّ في قريش واذلّها)) وكذلك كان
(عديّ) رهط عمر وإن كلا الرهطين لم يكونا من قصيّ ـ صميم قريش وسادتها ـ. ولم يكن
لنداء العباس وحده ما رأينا لنداء أبي سفيان من أثر، أمّا إذا اجتمعت اليدان
والنداءان فهناك الصَّيْلَم(185).
برزت العصبيّة الجاهليّة سافرة بعد
وفاة الرسول(ص)، فالانصار عندما اجتمعوا في سقيفتهم ليبايعوا سعداً إنّما لبّوا
داعي العصبيّة وحدها فإنّهم كانوا يعلمون بأن في المهاجرين من هو أفضل من سعد
وأتقى. وكذلك الاوس قد اندفعت بداعي العصبيّة للمبادرة إلى بيعة أبي بكر لتدفع
الامارة عن الخزرج، وإنَّ جُنوح عمر إلى هذه العصبية لَجَلِيُّ أيضاً في حجاجه في
السقيفة. ولم يشذَّ أبو سفيان عن
غيره في موقفه لعليٍّ وندائه له،
غير أن علياً قد شذَّ عن هذه الفكرة ولم يرض أن يستولي على الحكم بالنَّعرة
العصبيّة، وهو الذي اتبع الرسول في حربه للعصبية اتباع الفصيل أثر أُمّه، فهو
يريدها دينية قرآنية لا قَبَلية جاهلية، ويطلب أنصاراً من قبيل سلمان وأبي ذرّ
وعمّار ونظرائهم ممّن يحدوهم المبدأ والعقيدة إلى نصرته(186)،
ويأبى قبول نصرة أبي سفيان بداعي
العصبية فإن فيه إحياء أمر الجاهلية، واماتة حكم الاسلام.
إذاً فإن أبا سفيان كان صادقاً في
تعصّبه لعليّ، غير أن نقلة الاحاديث وكتبة التاريخ لمّا كرهوا موقفه من بيعة أبي
بكر؛ وصموه بأنّه طالب فتنة، كما طعنوا في غيره من مُعارضي أبي بكر ووصموهم بالردّة
والفتنة.
ومن العجيب أنّهم وضعوا ما وصموا
به أبا سفيان على لسان عليٍّ نفسه، فقد رووا أن عليّاً عندما قال له أبو سفيان:
((ما بال هذا الامر في أقلّ حي من قريش؛ واللّه لئن شئت لاملانّها خيلاً ورجالاً.
قال: يا أبا سفيان طالما عاديت الاسلام وأهله فلم تضُرَّه بذلك شيئاً؛ إنّا وجدنا
أبا بكر لها أهلاً(187))). ولا نعلم لِمَ لمْ يجبه أبو سفيان ويقول له فلم لا
تبايعه(188) إن كنت قد وجدته لها أهلاً!
لا، لم يقل عليُّ لابي سفيان:
((إنّا وجدنا أبا بكر لها أهلاً)) ولكنّه قال له: ((لو وجدت أربعين ذوي عزم
لناهضتهم))(189).
وقد وصف عليّ موقف أبي سفيان في
كتابه إلى معاوية، وقال: ((فأبوك كان أعلم بحقي منك، وإن تعرف من حقّي ما كان أبوك
يعرفه تُصِبْ رشدَكَ))(190).
ولمّا يئس أبو سفيان من عليّ وخاف
من (ندائه) الحزب الحاكم قرب أحدهما من الاخر (فقال عمر لابي بكر: إنّ هذا قد قدم
وهو فاعلٌ شرّاً، وقد كان النبي يستألفه على الاسلام فدع له ما بيده من الصدقة،
ففعل، فرضي أبو سفيان وبايعه)(191).
ويظهر من رواية الطبري أن التفاهم
قد تمَّ بينه وبينهم بعد تعيين ابنه يزيد بن أبي سفيان أميراً على الجيش الغازي
سورية(192).
174 أبو سفيان صخر بن حرب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القُرشي الاموي، حارب
الرسول حتى غُلب على أمره في فتح مكة وتوفي في صدر خلافة عثمان. الاصابة 2 / 172 ـ
173، والاستيعاب 2 / 183 ـ 184.
175 في تاريخه 2 / 105 ((وفي رواية الموفقيات أكثر تفصيلاً من هذا)) راجع شرح
النهج 6 / 7.
176 وط. أوربا 1 / 1827 ـ 1828.
177 الرسلة بكسر أوّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه: الجماعة، والاُجُدُ بضم أوّله
وثانيه: القوية.
178 وقريب من هذه الرواية رواية أبي بكر الجوهري في كتابه السقيفة على رواية ابن
أبي الحديد 2 / 130، الطبعة المصرية.
179 سيرة ابن هشام 4 / 23.
180 عن ابن هشام 4 / 21 / ملخصاً.
181 الطبري 2 / 449، وط. أوربا 1 / 1827.
182 الطبري 2 / 449، وط. أوربا 1 / 1827.
183 ابن عبد ربه 3 / 62 .
184 في المثل العربي: ((أنا على أخي وأنا وأخي على ابن عمّي وأنا وأخي وابن عمّي
على الغريب)). في أنساب الاشراف 1 ص 589 قال أبو قُحافة عندما بلغه نبأ وفاة الرسول
وهو بمكة: (فمن ولي أمر الناس بعده؟ قالوا له: ابنك، فقال: أرضي بذلك بنو هاشم وبنو
عبد شمس وبنو المُغيرة؟ قالوا: نعم، قال: فإنّه لا مانع لما أعطى اللّه). وفي شرح
النهج 1 / 52 قال: أفرضي بذلك بنو عبد مناف؟
185 الامر الشديد، الداهية.
186 وقد قصد هذا في قوله لابي سفيان ((لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضتهم)).
187 الطبري 2 ص 449 وفي ط. أوربا 1 / 1827. هذه الرواية عن عوانة، وفي لسان
الميزان 4 / 386، كان يضع الاحاديث. وراجع آدم متز: الحضارة الاسلامية 1 / 38، ثم
إن عوانة قد توفي سنة 158 ه وروى هذه الرواية عن سنة 11 ه بلا سند.
188 راجع قبله موقف علي من بيعة أبي بكر ص 123 ـ 143.
189 راجع قبله ص 108 ـ 109.
190 ابن عبد ربه 3 / 112، وفي ط لجنة التأليف 4 /
334، وابن أبي الحديد 2 / 221 وج 15 شرح غزاة مؤتة، وصفين لنصر بن مزاحم ص 49.
191 ابن عبد ربه 3 / 62.
192 راجع الطبري 2 / 449، وفي ط. أوربا 1 / 1827 ولفظه: (وقيل له قد ولّى ابنك
قال: وصلته رحم).