عبداللّه بن عبّاس(162):
إن ابن عباس يكشف عن رأيه ((في
بيعة أبي بكر)) في روايته محاورة له مع عمر فإنّه يقول: ((قال عمر: يا ابن عباس!
أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد؟
فكرهت أن اُجيبه. فقلت: إن لم أكن
أدري فأمير المؤمنين يُدريني.
فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم
النبوة والخلافة فَتَبجَحُوا(163) على قومكم بَجَحاً بَجَحاً، فاختارت قريش لانفسها
فأصابت ووُفّقَت.
فقلت: يا أمير المؤمنين! إن تأذن
لي في الكلام وتُمِطْ عنّي الغضب تكلَّمتُ.
فقال: تكلَّم يا ابن عبّاس.
فقلت: أما قولك ـ يا أمير المؤمنين
ـ اختارت قريشٌ لانفسها فأصابت ووُفِّقَت، فلو أنَّ قريشاً اختارت لانفسها حيث
اختار اللّه عزّ وجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأمّا قولك إنّهم
كرهوا أن تكون لنا النبوَّةُ والخلافةُ فإنّ اللّه عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهية
فقال: (ذلك بأنَّهم كرهوا ما أنزل اللّه فأحبط أعمالهم)(164).
فقال عمر: هيهات واللّه يا ابن
عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت كرهت أن اُقرّك عليها فتُزيل منزلتك منّي.
فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟
فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن
نفسه.
فقال عمر: بلغني أنّك تقول: إنّما
صرفوها عنّا حسداً وظلماً.
فقلت: أمّا قولك ـ يا أمير
المؤمنين ـ ظلماً فقد تبيّن للجاهل والحليم، وأمّا قولك حسداً فإنّ إبليس حسد آدم
ونحن ولده المحسودون)).
162 أبو العباس عبداللّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشميّ القرشيّ. قيل إنه ولد
قبل الهجرة بثلاث سنين، شهد مع عليّ الجمل وصفّين والنهروان ثم ولاّه البصرة وترك
إمارة البصرة في أواخر خلافة علي وذهب إلى مكة وبقي فيها حتى بويع لابن الزبير
بالخلافة فأبعده إلى الطائف وتوفي بها سنة 68 ه . هذا ما ذكروه غير أنّه تواترت
الروايات على أنّه شارك في أخذ البيعة للحسن بعد دفن الامام بالكوفة. الاستيعاب 2 /
342 ـ 345، والاصابة 2 / 322 ـ 326، راجع الطبري 2 / 289 في ذكر ((سيرة عمر)) وابن
أبي الحديد في شرحه:
(للّه بلاد بني فلان) عن تاريخ بغداد لابن طيفور مسنداً. وفي الحديث تصريح بأن سبب
منع عمر من كتابة الرسول أن لا يكتب لعلي.
163 بَجَح بالشيء وتَبَجّح: إفتخر به وعظمت نفسه عنده، وفلان يتبجَّحُ بكذا: أي
يتعظَّمُ ويفتخر. النهاية لابن الاثير، والقاموس للفيروزآبادي.
164 الاية 9 من سورة محمّد.