بعد دفن الرسول:

اندحر سعد ومُرَشّحوه، وبقي عليّ وجماعته ـ بعد أن أصبحوا أقليّة ـ‍ يتناحرون وحزب أبي بكر الظافر وكل يجتهد في جلب الانصار لحوزته.

قال اليعقوبي(110): ((وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار ومالوا مع علي بن أبي طالب(111) منهم العباس بن عبد المطّلب والفضل بن العبّاس، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو(112)، وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبراء بن عازب(113)، وأُبيّ بن كعب(114) فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح، والمغيرة بن شعبة.

فقال: ما الرأي؟

قالوا:(115) الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الامر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به من ناحية عليّ بن أبي طالب ((وتكون لكما حجّة))(116) على علي إذا مال معكم.

فانطلق أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، والمغيرة، حتى دخلوا على العباس ليلاً(117) فحمد اللّه أبو بكر وأثنى عليه، ثم قال:

إن اللّه بعث محمّداً نبياً، وللمؤمنين ولياً، فمنّ عليهم بكونه بين أظهرهم حتى اختار له ما عنده فخلّى على الناس اُمورهم(118) ليختاروا لانفسهم في مصلحتهم مشفقين(119) فاختاروني عليهم والياً ولاُمورهم راعياً، فوليت ذلك وما أخاف ـ بعون اللّه وتسديده ـ وهناً ولا حيرة ولا جُبناً، وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت وإليه اُنيب، وما انفكّ يبلغني عن طاعن بقول الخلاف على عامّة المسلمين يتخذكم لجأً فتكونوا حصنه المنيع، وخَطْبَه البديع، فإمّا دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإمّا صرفتموهم عمّا مالوا إليه، ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيباً يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنت عمّ رسول اللّه، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك ((فعدلوا الامر عنكم))(120) على رِسْلِكم بني هاشم فإنّ رسول اللّه منّا ومنكم.

وقال عمر بن الخطاب: واُخرى إنّا لم نأتكم لحاجة اليكم، ولكن كُرهاً أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لانفسكم!

فحمد العباس اللّه وأثنى عليه وقال: إنّ اللّه بعث محمّداً كما وصفت نبياً وللمؤمنين ولياً، فمنّ على اُمّته به حتى قبضه اللّه إليه واختار له ما عنده، فخلّى على المسلمين اُمورهم ليختاروا لانفسهم مصيبين الحقّ لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول اللّه طلبت فحقّنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين أخذت فنحن منهم فما تقدّمنا في أمرك فرطاً، ولا حللنا وسطاً، ولا برحنا سخطاً، وإن كان هذا الامر وجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنّا كارهين. ما أبعد قولك من أنّهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك خليفة رسول اللّه من قولك خلّى على الناس اُمورهم ليختاروا فاختاروك، فأمّا ما قلت: إنّك تجعله لي، فإن كان حقّاً للمؤمنين فليس لك أن تحكم(121) فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رِسْلك، فإنّ رسول اللّه من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده)).

 


 

110   في تاريخه 2 / 103، والسقيفة لابي بكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد 2 / 13، والتفصيل في ص 74 منه، وبلفظ قريب منه في الامامة والسياسة 1 / 14.

111   في نصّ الجوهري: ((إنّهم اجتمعوا ليلاً وأرادوا أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين والانصار، وإن المجتمعين كانوا من الخامس إلى التاسع مضافاً إلى عبادة بن الصامت وأبي الهيثم ابن التّيهان وحذيفة)).

112   المقداد بن الاسود الكندي هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني.

أصاب دماً في قومه فلحق بحضرموت فحالف كِندة وتزوج امرأة فولدت له المقداد فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الاسود بن عبد يغوث الزهري فتبنّاه الاسود فصار يقال له: المقداد بن الاسود الكندي. فلما نزلت ((ادعوهم لابائهم)) قيل له: المقداد بن عمرو. وقال الرسول: ((إن اللّه عز وجل أمرني بحبّ أربعة من أصحابي وأخبرني أنّه يحبّهم)).

فقيل: من هم؟

فقال: ((علي والمقداد وسلمان وأبو ذر)). توفي سنة 33 ه‍ . الاستيعاب 2 / 451، والاصابة 3 / 433 ـ‍ 434.

113   أبو عمرو البراء بن عازب بن الحارث بن عديّ بن جشم بن مجدعة بن الحارث بن عمرو ابن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، كان ممّن استصغره الرسول يوم بدر وردّه. وغزا مع الرسول 14 غزوة وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان. سكن الكوفة وابنتى بها داراً وتوفي بها في إمارة مصعب بن الزبير.

الاستيعاب 1 / 144، والاصابة 1 / 147.

114   اُبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وهو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الاكبر، شهد العقبة الثانية وبايع النبي فيها وشهد بدراً وما بعدها، وكان من كتّاب النبي، مات في آخر خلافة عمر أو صدر خلافة عثمان. الاستيعاب 1 / 27 ـ 30، والاصابة 1 / 31 ـ‍ 32.

115   في نص الجوهري أن قائل هذا الرأي هو المغيرة بن شعبة وهذا هو الاقرب إلى الصواب.

116   هذه الزيادة في نسخة الامامة والسياسة 1 / 14.

117   في رواية ابن أبي الحديد أن ذلك كان في الليلة الثانية بعد وفاة النبي.

118   إن ضمير (هم) موجود في رواية ابن أبي الحديد.

119  في نسخة الامامة والسياسة وابن أبي الحديد ص 74 (متفقين)، هو الاشبه بالصواب.

120   الزيادة في نسخة ابن أبي الحديد والامامة والسياسة.

121   في نسخة الجوهري والامامة والسياسة: فإن يكن حقاً لك فلا حاجة لنا فيه.