المرشّح الثاني في السّقيفة:

اجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا: ((نُولّي هذا الامر بعد محمّد سعد بن عُبادة وأخرجوا سَعْداً إليهم وهو مريض ...)).

فحمد اللّه وأثنى عليه، وذكر سابقة الانصار في الدين وفضيلتهم في الاسلام، وإعزازهم للنبيّ وأصحابه، وجهادهم لاعدائه حتى استقامت العرب، وتوفي الرسول وهو عنهم راض؛ وقال: ((استبدّوا بهذا الامر دون الناس فأجابوه بأجمعهم:

أن قد وُفّقتَ في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت؛ نولّيك هذا الامر، ثم إنهم ترادُّوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا نحن المهاجرون، وصحابة رسول اللّه الاولون، ونحن عشيرته، وأولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الامر بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنّا نقول إذاً: منّا أمير ومنكم أمير، فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن))(72).

 المرشّح الفائز:

سمع أبو بكر وعمر بذلك، فاسرعا إلى السّقيفة مع أبي عُبَيْدة بن الجَرّاح(73) وانحاز معهم اُسَيْد بن حُضَيْر(74) وعُوَيم بن ساعدة(75) وعاصم بن عَدِيّ(76) من بني العجلان(77) والمغيرة بن شعبة وعبدالرحمن بن عوف0 قال أبو ذؤيب: وجئت إلى السقيفة فاصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة أي ابن الجرّاح، وسالماً وجماعة من قريش، ورأيت الانصار فيهم سعد بن عبادة وفيهم شعراؤهم حسّان بن ثابت وكعب بن مالك، وملا منهم فأويت إلى قريش وتكلّمت الانصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصَّواب، وتكلم أبو بكر، فللّه دَرُّه من رجل لا يطيل الكلام، ويعلم مواضع فصل الخطاب، واللّه لقد تكلّم بكلام لا يسمعه سامع إلاّ انقاد له ومال إليه، ثم تكلّم عمر بعده بدون كلامه، ومدَّ يده فبايعه، ورجع أبو بكر ورجعت معه ... الحديث(78).

تركوا الرّسول يغسّله أهله(79)، واجتمعوا مع الانصار في ناديهم ـ السقيفة ـ‍ يتنافسون على الامارة بعد الرسول.

وذكر أصحاب السَّير تفصيل ما دار بينهم من حديث وقالوا:

تكلّم أبو بكر ـ بعد أن منع عمر عن الكلام ـ وحمد اللّه وأثنى عليه ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال: ((فهم أوّل من عبد اللّه في الارض وآمن بالرسول وهم أولياؤه، وعشيرته، وأحق الناس بهذا الامر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم))، ثم ذكر فضيلة الانصار، وقال: ((فليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الاُمراء وأنتم الوزراء)).

فقام الحباب بن المنذر، وقال: ((يا معشر الانصار إملكوا عليكم  أمركم فإن الناس في فيئكم، وفي ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنّا أمير ومنهم أمير)).

فقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن ... واللّه لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم. ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي اُمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة. والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته(80) إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلكة!؟

فقام الحباب بن المنذر (81) وقال: يا معشر الانصار! إملكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم، فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولَّوا عليهم هذه الاُمور، فأنتم واللّه أحق بهذا الامر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به. أنا جُذَيْلُها الُمحَكَّك، وعُذَيْقُها المُرَجَّب، أما واللّه لو شئتم لنعيدنَّها جَذَعَة(82). واللّه لا يَرُدُّ أحد عليَّ إلاّ حطَّمتُ أنفه بالسيف. قال عمر: إذاً يقتلك اللّه.

قال: بل إيّاك يقتل، (وأخذه ووَطِئَ في بطنه ودسَّ في فيه التراب)(83).

فقال أبو عبيدة: ((يا معشر الانصار إنكم كنتم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدَّل وغيَّر)).

فقام بشير بن سعد الخزرجي أبو نعمان بن بشير (وكان حاسداً له ـ أي لسعدٍ ـ وكان من سادة الخزرج)(84) فقال: ((يا معشر الانصار! واللّه لئن كنا اُولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربّنا، وطاعة نبينا، والكدح لانفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً. فإن اللّه ولي النعمة علينا بذلك، ألا إن محمّداً(ص) من قريش، وقومه أحق به، وأولى، وأيم اللّه لا يراني اللّه اُنازعهم هذا الامر أبداً، فاتقوا اللّه، ولاتخالفوهم، ولا تنازعوهم)).

فقال أبو بكر: هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا، فقالا: ((واللّه لا نتولَّى هذا الامير عليك))(85).

(وقام عبدالرحمن بن عوف، وتكلم فقال: ((يا معشر الانصار! إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعليّ)). وقام المنذر بن الارقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإنَّ فيهم لرجلاً لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه أحد ـ‍ يعني علي بن أبي طالب ـ)(86).

(فقالت الانصار أو بعض الانصار: لا نبايع إلاّ عليّاً)(87).

قال عمر: (فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى تخوَّفتُ الاختلاف فقلت:

أُبسط(88) يدك لاُبايعك)(89) فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عَقَقْتَ عقاق! أنْفَسْتَ على ابن عمك الامارة، فقال: لا واللّه ولكنّي كرهت أن اُنازع قوماً حقاً جعله اللّه لهم. ولمّا رأت الاوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض، وفيه أُسيد بن حضير وكان أحد النقباء: واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر(90).

فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم، فاقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعد بن عبادة(91).

فقال اُناس من أصحاب سعد: إتّقوا سعداً لا تطأوه.

فقال عمر: أُقتلوه قتله اللّه.

ثم قام على رأسه فقال: لقد هَمَمْتُ أن أطأك حتى تَنْدُرَ عُضْوُك. فأخذ قيس ابن سعد بلحية عمر فقال: واللّه لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة.

فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر! الرفق هاهنا أبلغ.

فأعرض عنه عمر(92).

وقال سعد: أما واللّه لو أن بي قوّة ما أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيراً يُجْحِرُك وأصحابك. أما واللّه إذاً لالحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع. إحملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره(93). وروى أبو بكر الجوهري: ((أن عمر كان يومئذ ـ يعني يوم بويع أبو بكر ـ محتجزاً يهرول بين يدي أبي بكر ويقول: الا إنّ الناس قد بايعوا أبا بكر))(94).

(بايع الناس أبا بكر وأتوا به المسجد يبايعونه فسمع العباس وعليّ التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول اللّه(ص)).

فقال عليّ: ما هذا؟

قال العباس: ما رُئي مثل هذا قطّ!! ما قلت لك(95)؟!

 


 

73    راجع قبله ص  85 ـ 86 .

74   ابن هشام 4 / 335، أُسَيْد بن حُضَير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاشهلي، شهد العقبة الثانية وكان ممن ثبت في اُحد، وشهد جميع مشاهد النبي وكان أبو بكر لا يقدم أحداً من الانصار عليه. توفي سنة 20 أو 21 ه‍ فحمل عمر نعشه بنفسه، الاستيعاب 1 / 31 ـ 33، والاصابة 1 / 64.

75   عويم بن ساعدة بن عائش بن قيس بن النعمان بن زيد بن  اُمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، شهد العقبة وبدراً وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر، وبترجمته في النبلاء إنه كان أخا الخليفة عمر. وقال عمر على قبره: ((لا يستطيع أحد من أهل الارض أن يقول: (أنا خير من صاحب هذا القبر))). الاستيعاب 3 / 170، والاصابة 3 / 45، واُسد الغابة 4 / 158.

76   عاصم بن عدي بن الجدّ بن العجلان بن حارثة بن ضُبَيْعة بن حرام البلوي العجلاني، حليف الانصار وكان سيد بني عجلان، شهد اُحداً وما بعدها، توفي سنة 45 هجرية، الاستيعاب 3 / 133، والاصابة 2 / 237، واُسد الغابة 3 / 75.

77  ابن هشام 4 / 339، وفي الموفّقيّات للزبير بن بكّار (مَعْن بن عَدِيّ) بدل (عاصم). راجع ابن أبي الحديد ج 2 في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار).

78   هذه تتمة حديثه الذي أوردناه في ص 86.

79  راجع قبله ص 86 ـ 87 وما بعدهما.

80   لمّا سمع علي بن أبي طالب هذا الاحتجاج من المهاجرين قال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة، النهج وشرحه ج 2 في الصفحة الثانية منه.

81   الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الانصاري شهد بدراً وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر، الاستيعاب 1 / 353، والاصابة 1 / 302، وأُسد الغابة 1 / 364، ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 359.

82   أعدت الامر جذعاً أي جديداً كما بدأ، وإذا طفئت حرب بين قوم فقال بعضهم إن شئتم أعدناها جذعة أي: أول ما يبتدأ فيها.

83   هذه الزيادة في رواية السقيفة لابي بكر الجوهري. راجع ابن أبي الحديد 2 / 16.

84   هذه الزيادة برواية الجوهري في السقيفة. راجع شرح النهج 2 / 2 في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار).

85   لم نسجل هنا بقية الحوار وتعليقنا عليه طلباً للاختصار.

86   رواه اليعقوبي بعد ذكر ما تقدم في 2 / 103 من تاريخه.

87   في رواية الطبري ط. أوربا 1 / 1818، و 3 / 208، عن إبراهيم، وابن الاثير 2 / 123: (أنّ الانصار قالت ذلك بعد أن بايع عمر أبا بكر).

وقال ابن أبي الحديد في 1 / 122: إن الانصار لمّا فاتها ما طلبت من الخلافة قالت لا نبايع إلاّ علياً.

وروى ذلك عن الزبير بن بكّار في 2 / 8 أيضاً.

88   قد قال عمر لابي بكر: أُبسط يدك لاُبايعك.

89   عن سيرة ابن هشام 4 / 336 وجميع من روى حديث الفلتة، راجع بعده حديث الفلتة في ذكر رأي عمر في بيعة أبي بكر.

وفي نهاية ابن كثير 5 / 246 بعد هذا: ((خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد)).

أقول: بعد أن استطاع العُمَران أن يصرفا الانصار عن سعد بن عبادة اتجهوا نحو علي فتخوف أبو حفص من هذا الاتجاه القوي. فإن الانصار لو اتصلوا ببني هاشم بعد أن يفرغوا من تجهيز الرسول لاصبحت أقليتهم منها صفر اليدين، فلذلك بادر إلى بيعة أبي بكر وقضي الامر.

90   وفي رواية أبي بكر في سقيفته: لمّا رأت الاوس أن رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع قام أُسيد بن حضير وهو رئيس الاوس فبايع حسداً لسعد ومنافسة له أن يلي الامر، راجع شرحه النهج 2 / 2 في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار).

91   وفي رواية اليعقوبي 2 / 103: وبايع الناس وجعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة حتى وطئوا سعداً.

92   إن هذا الموقف يوضح بجلاء جماع سياسة الخليفتين من شدة ولين.

93   الطبري: 2 / 201 ـ 202. وط. أوربا 1 / 1843.

94   في كتابه السقيفة، راجع ابن أبي الحديد: 1 : 133. وفي 74 منه بلفظ آخر.

95   ابن عبد ربه في العقد الفريد 3 : 63، وأبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد عنه في 1 / 123 ويروي تفصيله في 74 منه، والزبير بن بكار في الموفقيات كما يروي عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 2 في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار).