المرشّحون للبيعة والنبي مسجّى فى بيته:

إهتم أقرباء الرسول (ص) وأصحابه بالبيعة للخلافة من قبل أن يتمّ تجهيز الرسول، وانقسموا إلى ثلاث طوائف ترشّح زعيمها للخلافة، وكان عليّ بن أبي طالب هو المرشّح الاوّل، فقد روى ابن سعد فى الطّبقات: ((أن العباس قال لعلي: أُمدد يدك اُبايعك يبايعك الناس))(64) وفي رواية المسعودي: ((يا ابن أخي هلُمَّ لاُبايعك فلا يختلف عليك اثنان))(65)، وفي رواية عبدالعزيز الجوهري: أنّ العباس، عاتب عليّا بعد ذلك وقال له: ((فلمّا قبض رسول اللّه أتانا أبو سفيان بن حرب تلك الساعة فدعوناك إلى أن نبايعك وقلت لك: أُبسط يدك اُبايعك ويبايعك هذا الشَّيخ فإنّا إن بايعناك لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف، وإن بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك قرشي، وإذا بايعتك قريش لم يختلف عليك أحد من العرب، فقلت: لنا بجهاز رسول اللّه شغل))(66).

في رواية الطبري: ((وأشرت عليك بعد وفاة الرسول أن تعاجل بالامر فأبيت)) (67)، هذا مضافاً إلى ما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى من مواقف بعض الصحابة في طلب البيعة لعليّ، غير أن عليّ بن أبي طالب كان منصرفاً عن الخلافة مهتَّماً بتجهيز الرسول فأبى أن يمدَّ يده للبيعة والرسول مُسَجّى بين أيديهم فلامه العباس بعدئذ على امتناعه من قبول البيعة. والحقّ أن العباس لم يكن مصيباً في رأيه ولا محقّاً في لومه. فإن الرسول إن كان قد رشَّح ابن عمه لولاية الامر من بعده (68) ـ كما يعتقد بذلك طائفة من المسلمين ـ فالبيعة أو عدمها لم تكن بمغيّرة من ذلك الحقّ المنصوص عليه شيئاً - لو كان المسلمون يريدون أن يأخذوا بكلّ ما أتى به الرسول ـ، وان كان الرسول قد ترك اُمّته هملاً ـ كما يذهب إليه طائفة اُخرى من المسلمين ـ فلم يكن من الصواب أن يغصبوا من المسلمين حق الانتخاب. وأيّاً ما كان الامر فإن عليّاً آنذاك لو كان آخذاً بنصيحة عمّه لقيل في بيعته إنها فلْتَة كما قيل في بيعة أبي بكر ((إنّها فَلْتَة))(69) ولاضرمت الجماعة عند ذاك نار حرب يشيب منها الوليد.  

لان هذا البعض كان يكره أن تجتمع الخلافة والنبوة لبني هاشم(70) وإنّ نص النبي لعلي لم يكن بمزيل هذه الكراهية إن لم يزدها. إذاً فعلي كان أبعد نظراً من عمه في أمره. واُخرى أن عليّاً لم يكن ليرضى أن تنعقد له البيعة في البيت بمبادرة جماعة إليها دون أن يكون ذلك في ملا من المسلمين وبرضى عامتهم كما لم يقبل بذلك بعد وقعة الدار. وقد قال علي في جواب عمه: فإني لا أحبُّ هذا الامر من وراء رِتاج، وإنما اُريد أن اصْحَرَ به(71).

وأخيراً هل كان يجدر بعلي وهو الاثير عند النبيّ أن يترك النبي مُسَجّىً على مغتسله وينصرف عنه ليأخذ لنفسه البيعة من هذا وذاك!! الحق أن هذا كان بعيداً من خلق علي.

 


 

64   طبقات ابن سعد 2 / ق 2 / 38.

65   مروج الذّهب 2 / 200، وفي تاريخ الذهبي 1 / 329، وضُحى الاسلام 3 / 291، وفي الامامة والسياسة 1 / 4: ((أُبسط يدك اُبايعك فيقال: عمُّ رسول اللّه بايع ابن عم رسول اللّه ويبايعك أهل بيتك فإن هذا الامر إذا كان لم يُقَل)).

66   رواها ابن أبي الحديد في 1 / 131 عن كتاب (السقيفة) وفي ص 54 أوردها مختصرة.

67  الطبري 3 / 294، والعقد الفريد 3 / 74.

68   في اُسد الغابة 4 / 31 قال رسول اللّه(ص) لعلي: ((إنّك بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي فإن أتاك هؤلاء القوم فسلّموا لك الامر فاقبله منهم ...)) الحديث.

69   راجع فيما يأتي: رأي عمر في بيعة أبي بكر.

70   روى ابن عباس أن عمر قال له: ((أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد؟! قال ابن عباس: فقلت له:

إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني. فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخِلافة فتبجحوا)). تأتي تتمته عن الطبري في ذكر رأي ابن عباس في بيعة أبي بكر إن شاء اللّه تعالى.

71   شرح النهج وإنّ طلب العباس البيعة لعلي لا يدل على عدم وجود نص عليه فإن شأنها شأن طلب الرسول البيعة من أصحابه في الحديبية، فإن طلب النبي البيعة منهم لم تكن الغاية أخذ الاعتراف منهم بنبوّته؛ وإنما كان القصد أخذ العهد منهم لنصرته. راجع الفصول المختارة للمفيد ص 41 وما بعدها.

72   الطبري في ذكره لحوادث سنة 11 هـ ، ط. اُوربا 1 / 838 ، و 2 / 456 عن عبداللّه بن عبدالرحمن بن أبي عمرة الانصاري، وابن الاثير 2 / 125، وبتاريخ الخلفاء لابن قتيبة 1 / 5 قريب منه، وأبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة ج 2 عن ابن أبي الحديد في خطبة: (ومن كلام له في معنى الانصار).