ـ 7 ـ
البُستاني (ت: 1300
ه ):
ونقلها البُستاني
في مادّة (عبداللّه بن سبأ) من دائرة معارفه عن تاريخ ابن كثير:
قال: ((عبداللّه بن
سبأ، قال ابن كثير ..)) ثم سرد الاُسطورة وختمها بنقل يسير من خِطَط المَقْرِيزي.
ـ 8 ـ
أحمد أمين (ت: 1373 ه ):
أمّا الكُتّاب المعاصرون الّذين
حاولوا أن يبحثوا في التاريخ الاسلامي بحثاً تحليلياً ويُرجعوا كلّ شيء إلى أصله
فنجد منهم أحمد أمين(5)ـ في بحثه عن الفُرس وأثرهم في الاسلام ـ يروي عن الطبري
والشهرستاني في مَزْدَك ودينه(6) ما ملخصه:
((أكبر ما امتاز به؛ تعاليمه
الاشتراكية، فكان يرى أنّ الناس وُلِدُوا سواء فليعيشوا سواء، وأهمّ ما تجب فيه
المساواة المال والنساء، لانّ أكثر المخالفة والقتال يقع بسبب النساء والاموال،
فأحلّ النساء وأباح الاموال فافترض السَّفَلَة ذلك واغتنموه وكاتفوا مزدك وأصحابه
وشايعوهم فابتُليَ الناس بهم، وقوي أمرهم حتّى كانوا يدخلون على الرجل في داره
فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله
فلم يلبثوا إلاّقليلاً حتّى صاروا
لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه ولا يملك الرجل شيئاً مما يتّسع به ـ
إلى قوله ـ ظلَّ قوم يتّبعون مذهبه إلى ما بعد الا سلام)).
ونقل: ((أنّ بعض قُرى كرمان كانوا
يعتنقون المزدكيّة طول عهد الدولة الامويّة ـ ثمّ قال ـ ونلمح وجه شَبَهٍ بين رأي
أبي ذرّ الغفاري وبين رأي مزدك(7) في الناحية المالية فقط، فالطبري يُحدّثنا أن ابا
ذر قام بالشّام وجعل يقول: يا معشر الاغنياء واسُوا الفقراء، بشّر الّذين يكنزون
الذّهب والفضّة ولا يُنفقونها في سبيل اللّه بمكاوٍ من نار تُكوى بها جِباههم
وظهورههم، فما زال حتّى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الاغنياء، وحتّى شكا
الاغنياء ما يَلقون من الناس)).
ثم بعث به معاوية إلي عثمان بن
عفّان بالمدينة حتّى لا يفسد عليه أهل الشام، ولما سأله عثمان: ما لاهل الشام يشكون
ذَرَبَك؟
قال: لا ينبغي للاغنياء أن يَقتنوا
مالاً.
فترى مِن هذا: أنّ رأيه قريب جدّاً
من رأي مزدك في الاموال ولكن من أين أتاه هذا الرأي يُحدّثنا الطبري عن جواب هذا
السؤال فيقول:
((إنّ ابن السوداء لقي أبا ذر
فأوعز إليه بذلك، وإنّ ابن السوداء هذا أتى أبا الدّرداء(8)
وعُبادة بن الصامت(9)
فلم يسمعا لقوله ، وأخذه عُبادة إلى معاوية وقال له: هذا واللّه الذي بعث إليك أبا
ذر)).
ونحن نعلم أنّ (ابن السوداء) لقبٌ
لُقِّبَ به (عبداللّه بن سبأ) وكان يهودياً من صنعاء، أظهر الاسلام في عهد عثمان،
وأنّه حاول أن يفسد على المسلمين دينهم وبثّ في البلاد عقائد كثيرة ضارّة قد نعرض
لها فيما بعد، وكان قد طوّف في بلاد كثيرة في الحجاز والبصرة والكوفة والشّام ومصر.
فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقّى هذه الفكرة من مزدكيّة العراق أو اليمن،
واعتنقها أبو ذر حَسَن النيّة في اعتقادها ... الخ.
ويقول في الهامش: ((اُنظر الطبري
جزء: 5 ص 66 وما بعدها)). ويستمرّ هكذا في الاستنتاج حتّى ص 112 منه حيث يقول:
((فنظرة الشيعة في عليّ وأبنائه هي نظرة آبائهم الاوّلين من الملوك الساسانيّين،
وثنويّة الفُرس كانوا منبعاً يستقي منه (الرافضة) في الاسلام ...)) وبرّاً بما وعد
في قوله: ((وبثّ في البلاد عقائد كثيرة ضارّة قد نعرِض لها فيما بعد)). قال في بحثه
عن الفِرَق ص 254 منه:
((وانتشرت الجمعيات السرّيّة في
آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره.
ومن هذه الجمعيّات من كانت تدعو
إلى علي، ومن أشهر الدعاة له (عبداللّه بن سبأ) ـ وكان من يهود اليمن فأسلم ـ فقد
تنقّل في البصرة والكوفة والشام ومصر يقول:
إنّه كان لكلّ نبيّ وصيّ، وعليّ
وصيّ محمّد، فمن أظلم ممّن لم يجز وصية رسول اللّه ووثب على وصيّه. وكان من أكبر
الذين ألَّبوا على عثمان حتّى قتل)).
ثم يُردّد النَّغمَة نفسها بتوسُّع
في فصل الشيعة (266 ـ 278) منه، ويقول في صفحة 270: ((وفكرة الرّجعة هذه أخذها ابن
سبأ من اليهوديّة. فعندهم أنّ النبيّ إلياس صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين ...
ـ إلى قوله ـ وتطوّرت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الائمة وأنّ
الامام الُمختفي سيعود فيملا الارض عدلاً. ومنها نَبَعَت فِكرة المهديّ
المنتظر))(10).
ويستنتج ممّا سبق في ص 276 فيقول:
((والحقُّ أنّ التشيّع كان مأوى يلجأُ إليه كلُّ من أراد هدم الاسلام لعداوة أو
حِقد. ومن كان يُريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانيّة وزردشتيّة ... إلى
قوله: كلُّ هؤلاء كانوا يتّخذون حبَّ أهل البيت ستاراً يخفون وراءه كلَّ ما شاءت
أهواؤهم. فاليهودية ظهرت في التشيّع بالقول بالرَّجعة...)).
ويقول في ص 277: ((وقد ذهب
الاُستاذ ولهوسن إلى أنّ العقيدة الشيعيّة نبعت من اليهودية أكثر مما نبعت من
الفارسية مُسْتَدِلاّ ً بأنّ مؤسّسها عبداللّه بن سبأ، وهو يهوديّ)).
يتلخّص ما استنتجه أحمد أمين في
أنّ الشيعة أخذت العقيدة بالوصاية والرجعة من ابن سبأ، وأنّهم أخذوا فكرة المهديّ
المنتظر بواسطته من اليهود القائلين بعودة إلياس لاحياء الدين، وأنّ أبا ذر أخذ من
ابن سبأ الاشتراكية، وابن سبأ أخذها من المزدكيّة التي كانت موجودة في عصر
الامويّين. ولمّا كان مزدك فارسياً فقد انتقلت عقيدة الفرس في ملوكهم الساسانيين
إلى الشيعة في أئمتهم، إذاً فالتشيّع كان مأوى يلجأ اليه كلُّ من أراد هدم الاسلام
لعداوة أو حقد أو أراد إدخال تعاليم آبائه من يهودية أو نصرانية أو زرْدُشتية ...
الخ)). يستنتج كل هذا من اُسطورة ابن سبأ التي رجع إلى الطبري في نقلها مرّات وإلى
ولهاوزن مرَّة واحدة. وسنرى فيما يأتي أنّ ولهاوزن أيضاً نقلها عن الطبري، ومن يرجع
إلى ولهاوزن يرى أنّه سبق أحمد أمين فيما استنتج وله فضل السَّبق عليه!
5
إن السيد رشيد قد سبق أحمد أمين في تحقيقاته هذه!!
6
إن مزدك ـ على ما رواه النّديم ـ اسم لاثنين:
أ
ـ مزدك القديم قال: وقد أحدث مذهباً جديداً في دين المجوس وأمر أصحابه بتناول
اللذّات، والانعكاف على الشهوات، والاكل والشرب والمساواة، والاختلاط، والمشاركة في
الاهل وكان أصحابه لا يمتنع الواحد منهم عن حُرمة الاخر ولا يمنعه من حرمته. وإذا
أضافوا إنساناً لم يمنعوه من شيء يلتمسه كائناً ما كان، وكانوا يسكنون بنواحي
الجبال بين آذربيجان وأرمينيّة وبلاد الدّيلم وهَمَدان ودِينوَر.
ب
ـ ومزدك الاخير. وكان على مذهب مزدك القديم وقتله كِسرى أنوشَروان.
راجع فهرست النديم المتوفى سنة 385 ه ص 479 ـ 480. الطبعة المصرية سنة 1348 م.
7 فجر الاسلام (109 ـ 110).
8
أبو الدرداء عويمر أو عامر. واسم أبيه ثعلبة أو عبداللّه أو زيد أو عامر بن قيس بن
اُمية بن عدي بن كعب بن الخزرج الانصاري.
أسلم يوم بدر. ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر. مات سنة 32 ه . الاصابة حرف
العين ق 1 ج 3 : 46. وجمهرة أنساب ابن حزم / 362.
9 أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن صرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن
سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن خزرج الانصاري، واُمّه قرّة العين بنت عبادة بن فضلة
العجلان كان من النقباء.
شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول اللّه (ص)، وأرسله عمر إلى فلسطين ليعلّمهم القرآن
ويُفَقِّهَهُم في الدين.
ولعبادة قصص متعددة مع معاوية أنكر علية أشياء رجع معاوية في بعضها له. تُوفّي
بالرملة سنة 34 ه وقيل إنه عاش إلى سنة 45 ه . جمهرة ابن حزم ص 354، والاصابة حرف
العين ق 1 ج 4 / 28. وطبقات ابن سعد 3 ق 2 / 94. ومسند أحمد 5 : 326.
10 إنّ المولّف قد اوضح عقيدة الشيعة في المهدي، وأدلّتهم فيها في كتابه إلى
العالم المصري الشيخ محمود أبو رية وقد نشر قسم من هذا الكتاب في كتاب أضواء على
السنّة المحمدية للشيخ أبو رية ص 192 ط. صور عام 1383 ه .