مقدمة الطبعة الاُولى
في سنة 1369 ه بينما كنت اُراجع
قسماً من المصادر الاسلامية، جرياً وراء مواضيع كنت أبحث عنها، رابني ما وجدت في
بعض الروايات الواردة في أشهر الكتب التاريخية القديمة وأكثرها انتشاراً؛ من ظواهر
تدل على أنها مدسوسة وموضوعة، فأخذت أجمع تلك الروايات المريبة واُقارن بينها وبين
غيرها، وإذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها فانطوت في أثنائه وضاعت في
تيّاراته، ولمّا تجمّع لديَّ من تلك الروايات عدد كبير يصلح لان يكون كتاباً
مستقلاً بنفسه رأيت من الواجب الادبي أن أشهر تلك الحقيقة المجهولة فبَوّبت مذكراتي
وقَسَّمتُها إلى فصول، وسمَّيتها: (أحاديث سيف) ثم اطّلع عليها فقيد العلم والدين
الحجة الشيخ راضي آل ياسين مؤلف كتاب صلح الحسن (ع) طاب ثراه فشجّعني على المضي في
بحثي وارتأى أن اُسميها (عبداللّه بن سبأ) فأجبته إلى ذلك، ثم بقيت تلك المذكرات
زهاء سبع سنين مطوية لم يطّلع عليها إلاّ القليل من إخواني العلماء، وكان يمنعني من
نشرها تهيّب إثارة العواطف في الشرق المسلم، لان البحث في تلك المذكرات كان يدور
حول التاريخ المدوّن عن الحوادث الاسلامية منذ وفاة الرسول (ص) حتى سنة 36 ه .
وكان التاريخ المدوّن قد جعل عُرضَةً لحوادث تلك الحقبة من الزمن شيئاً واقعياً لا
يمكن النقاش فيه، فكانت الجماهير المسلمة ترى فيه ما يتصل بصميم العقائد الدينية
التي يجب أن يتلقّاه الخلف عن السلف الصالح دون شك وارتياب، كما وإن البحث كان يهدم
كثيراً من اُسس بنى عليها أساتذة التاريخ مبانٍ لا تقبل النقض والابرام، ويكشف عن
زيف كثير من القصص الاسلامية وضعف كثير من المصادر التاريخية الوثيقة. ولذلك ينبغي
لمن يؤمن بالتاريخ المدوّن إيمان العجائز بخرافاتها التقليدية أن لا يقرأ هذا
الكتاب، وسوف يرى القارئ أن البحث لا يقتصر فيه على (عبداللّه بن سبأ) وقصصه وحدها،
وإنما هو أوسع من ذلك وأعمق بكثير.
لهذا السبب ولغيره كنت أتهيّب نشر
هذا الكتاب، حتى إذا ما قرأت لعلمين من كبار العلماء(17) الباحثين مواضيع تطرقوا
فيها إلى نشر بعض ما كنت أتهيب نشره أقدمت على نشر أبحاثي هذه مستنداً فيها إلى
أقدم المصادر التاريخية، إذ لم أنقل عمن جاء بعد الخمسمائة للهجرة إلاّ ما كان فيه
زيادة بيان أو ترجمة إنسان، وللّه
الحمد والشكر ومنه التوفيق.
15 شهر رمضان 1375 هـ
مرتضى العسكري
17 هما كل من العلاّمة الجليل الشيخ الاميني تغمده اللّه برحمته في موسوعته
(الغدير) والدكتور طه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى).