مقالان لمجلّة الأزهر
ج ـ مقالات لمجلة الازهر الشريف(3)
أهمّ ما جاء فيهما قوله: ((أمّا أصحاب رسول اللّه فلندع خلافاتهم التي قد مضى عليها
أربعة عشر قرناً، وقد افضوا جميعاً إلى ربهم ...))(4).
تعليقنا على هذا: أولاً: إنّ
دراستنا المقارنة لاحاديث سيف فرضت علينا ذلك، فإنّ أحاديثه في كتاب (عبداللّه بن
سبأ) كانت كالاُسطورة السبئية نفسها تدور غالباً حول خلافات أصحاب رسول اللّه، فكان
لا بدّ لنا من متابعته هناك كما تابعناه في كتاب (خمسون ومائة صحابي مُختلق)، ودار
الحديث فيه غالباً حول الفتوح تبعاً له، إذاً فدراستنا المقارنة هي التي تفرض علينا
ـ أحياناً ـ الحديث عن مواضيع يهتمّ العلماء بإغفالها وإسدال الستار عليها، ويثير
شجونهم البحث والتحقيق فيها، كراهية منهم لما وقع، ونحن ـ أيضاً ـ نكره ما وقع كما
يكرهون، ويثير شجوننا حديثه والتفكير فيه كذلك، ولكن ماذا نصنع حين لم يخلق اللّه
أصحاب النبي ملائكة ليتخلّوا عن غرائز البشر؟! بل كانوا كسائر البشر على درجات
متفاوتة من الايمان والتثبّت. أجرى النبي الحدّ على بعضهم، ونزلت في بعضهم آيات
الافك، وفي بعضهم آيات النفاق، ومع كلّ هذا لا نعلم كيف يسوغ لنا أن نترك أصحاب
النبي وخلافاتهم وهم طريقنا إلى رسول اللّه في أخذ أحكام الاسلام وعقائده، وهل
يستلزم احترام أصحاب النبي لصحبتهم له وجهادهم في سبيل الاسلام منع البحث والتحقيق،
وسدّ باب العلم باسم الدين والاسلام ـ كما أغلقنا باب الاجتهاد قروناً
طويلة ـ؟ اللّهمّ إنّا لا نقرّ
ذلك، بل نخوض البحث والتحقيق للاسلام وباسم الدين وللعمل به.
ثانيا ً: ليتنا نعلم أنّ ما
يُظهره العلماء قديماً وحديثاً من الغيرة على كرامة أصحاب النبي هل تشملهم جميعاً؟
سواء منهم المعدم والامير، وإكباراً لشرف صحبة النبي فيهم، أم أنها تخصُّ ذوي الجاه
والسلطة منهم، واحتراماً منهم ـ من حيث يشعرون أو لا يشعرون ـ لمركز القدرة والسلطة
في بعضهم فحسب؟ الّذي يثبت للمتتبّع النقيد هو الاخير، فإنّك مثلاً إذا رجعت إلى
الطبري(5) في حوادث سنة 30 ه من تاريخه وجدته يقول: ((وفي هذه السنة أعني سنة
ثلاثين كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة
وقد ذكر في سبب ذلك اُمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها، فأمّا العاذرون معاوية في ذلك
فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة كتب إليَّ بها السرّيُّ يذكر أنَّ شُعيباً حدَّثه سيف
...)) الحديث.
وإذا رجعت إلى ابن الاثير في
تاريخه الكامل(6) وجدته يقول:
((وفي هذه السنة كان ما ذكر من أمر
أبي ذر وإشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب ذلك اُمورٌ كثيرة
من سبّ معاوية إيّاه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وِطاء ونفيه
من المدينة على الوجه الشنيع لا يصلح النقل به ...)).
فالطبري هنا حين كره ذكر كثير من
الاُمور التي جرت بين أبي ذر ومعاوية لم يترك ذكرها بالمرّة، وإنّما اختار ذكر حديث
سيف الذي يرويه ((العاذرون معاوية)) مع ما فيه من حطّ لكرامة الصحابي أبي ذر،
وتنقيص لدينه، وتسخيف لعقله، وافتراء عليه في عمله، مع ضعف سنده(7)، ومخالفته
للاخبار الكثيرة الصحيحة لانّ فيها عذر معاوية، وهكذا ضَحّى إمام المؤرّخين الطبري
بكرامة الصحابي الفقير في سبيل الحفاظ على كرامة معاوية الامير ، وكذلك فعل ابن
الاثير، وابن كثير، وابن خلدون(8)
إلى غيرهم، وإلى عصرنا الحاضر، ولذلك راج تاريخ
الطبري، ونبه اسمه أكثر من غيره، وهكذا انتشرت أحاديث سيف المتهم بالزندقة.
إذاً فهؤلاء العلماء وغيرهم إنّما
يهُمُّهم الحفاظ على كرامة أصحاب الجاه والسلطة كـ:
* ـ معاوية بن أبي سفيان الذي
اعتبره الرسول من المؤلّفة قلوبهم(9) مع أبيه، ودعا عليه بقوله: ((لا أشبع اللّه
بطنه))(10) لانّه ولي السلطة.
* ـ وعبداللّه بن سعد بن أبي سرح
الذي اسلم وكتب للرسول ثم ارتدّ وافترى على الرسول والقرآن فأهدر النبي دمه يوم فتح
مكة، لانه ولي الامرة على مصر(11).
* ـ والوليد أخي الخليفة عثمان
الذي نزلت في حقه: (إن جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصيبوا قوماً
بجهالَةٍ فتُصبِحوا على ما فَعَلْتُم نادِمين)(12). لانه ولي الكوفة.
* ـ ومَروان بن الحكم الذي طرده
الرسول مع أبيه إلى الطائف لانّه ولي الحكم(13).
إنّ هؤلاء ونُظراءهم من سادة قريش
ومن أفراد الاُسر الحاكمة وممّن ولي السلطة والامرة يجب المحافظة على كرامتهم، أمّا
نُظراء أبي ذر الغفاري الصحابي الزاهد الفقير، وعمار بن ياسر الصحابي الورع، ابن
الامة سميّة، والصحابي البرّ عبدالرحمن بن عُدَيس البَلَويّ من أصحاب بيعة الشجرة
الذين نزلت فيهم:
(لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذ
يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السّكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً)
(14)، والصحابيين زيد وصَعصعة ابني صوحان العبدي، إلى عشرات من أمثالهم من أبرار
الصحابة وأخيار التابعين من غير السادة الاُمراء من قريش؛ لندع سيف بن عمر يطعن
فيهم، ويختلق يهودياً من صَنعاء اليمن يزعم أنّه جمعهم حول نفسه وكوّن منهم السبئية
وتآمر معهم على بني اُمية أصحاب السلطة والجاه!!!
* * *
انتشرت نظائر هذه الاساطير التي
وضعها مختلقوها للدفاع عن ذوي السلطة والجاه، والحطّ من كرامة مُعارضيهم، وراجت على
مرّ العصور حتى أصبحت من الحقائق التاريخية التي لا يتطرَّق الشكُّ إليها، ويرى
العلماء من الدين المحافظة عليها، وهذا ما حدا العلماء أن يحجروا البحث حول
الصحابة، إذاً فما وَسَموه باسم الدين يُقصد منه المحافظة على أصحاب السلطة. أمّا
المستضعفون من الصحابة والتابعين الابرار فلا يستأثرون باهتمام العلماء إذا لم
يكونوا ممّن تابعوا السلطة وشايعوها، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين.
وأخيراً يشهد اللّه أنّ الذي حداني
إلى هذه الدراسات: أني كنت منذ الصغر توّاقاً إلى معرفة حياة الرسول والذين كانوا
معه، وإلى معرفة الاسلام. كيف بُدئ، كيف انتشر، كيف انحسر، انفقت جلّ عمري في هذا
السبيل، ثم نشرت نتيجة دراساتي تباعاً بقصد المساهمة في الوصول إلى معرفة ما وقع في
ذلك العصر، وعساني أن أتلقى من الباحثين توجيهاً وتسديداً فيما أنا بصدده مع ثقتي
بنفسي أني لست أقل حباً وتقديراً لاصحاب النبي من المتظاهرين بذلك إلاّ من ثبت
تاريخياً نفاقهم. غير أني أعي الفرق بين احترام الصحابي وعبادته، وأرى أن هؤلاء
العلماء قد جرّهم احترام الصحابة إلى حدّ التقديس والتعبّد، وأصبح بعضهم ـ والعياذ
باللّه ـ
من زُمرة عُبّاد السلف الصالح من
حيث لا يشعرون، نسأل اللّه أن يَعصِمنا وإيّاهم وجميع المسلمين من ذلك.
ولعلّنا نختلف وإيّاهم في تحديد
الانسان الخيّر، فإنّا حين نحترم الصحابي الخيّر لا يعني ذلك أنّا نُنكر وجود
الغرائز الانسانية وآثارها فيه، بينما هم يرون ـ من حيث لا يشعرون ـ أنّ الانسان
الخيّر من انعدمت نوازعُ الشرّ في وجوده. ولما كانوا يعدُّون صحابياً كلّ من رأى
النبي مُسلماً ولو ساعة من نهار(15)، والصحابيُّ الخيّر عندهم كالمَلَك خَيّر
بطبيعته قد عَدِمَ نوازع الشرّ. لهذا لا يرضون أن يسمعوا غير ذلك. ونتيجة لهذا
الفهم وقعوا في مفارقات عجيبة لا مجال لبحثها هاهنا.
وختاماً أرجو من النُقّاد أن
يقرأوا في مقدّمة الطبعة الاُولى: ((ينبغي لمن يؤمن بالتاريخ المدوّن إيمان العجائر
بخرافاتها التقليدية أن لا يقرأ هذا الكتاب)).
* * *
د ـ نُقود اُخرى تناولت تسمية
الكتاب بـ (عبداللّه بن سبأ) مع أنّ الحديث عن غيره في الكتاب أكثر.
هذا تساؤل أجبنا عنه في مقدّمة
الطبعة الاُولى، ثم إنّ ما ورد على الغلاف في طبعات الكتاب المختلفة: ((عبداللّه بن
سبأ)) و ((قصص اُخرى)) أو ((أساطير اُخرى)) ، فيه تصريح بأنّ الكتاب يبحث عن قصة
عبداللّه بن سبأ مع قصص اُخرى، وقلنا في مقدمة الطبعة الاُولى: ((سوف يرى القارئ
أنّ البحث لا يقتصر فيه على (عبداللّه بن سبأ) وقصصه وحدها وإنما هو أوسع من
ذلك...)) ولا نعلم كيف خفي ذلك على الكتّاب؟
ه ـ نقد علمي نزيه، أو أسئلة
أثارها الدكتور إحسان عباس، نشرناها مع جوابها في الملحق بآخر الكتاب، وما توفيقي
إلاّ باللّه عليه توكلتُ وإليه أُنيب.
تم تحريره في الساعة الثامنة بعد
الغروب من عشية يوم عيد الاضحى المبارك ـ الاثنين 10 ذي الحجة 1387 ه ـ بمضارب
الحجيج بمنى، أعاد اللّه أمثال هذا العيد على المسلمين وهم أقرب إلى تحصيل رضاه
بتنفيذ أحكام القرآن ليغيّر اللّه ما بهم و (إنّ اللّه لا يُغيِّر ما بقومٍ حتّى
يُغيِّروا ما بأنفسهم)(16) صدق اللّه العليُّ العظيم.
مرتضى العسكري
3
المقال الاول نقد الكتاب في طبعته النجفية الاولى، ص 1150 ـ 1151 من المجلد 32 باب
الكتب من ج 10 سنة 1380 ه ، والثاني نقده في طبعته المصرية الثانية ص 760 ـ 761 من
المجلد 33 ج 6 سنة 1381 ه .
4
جاءت هذه الجملة في آخر المقال الاول، وكل ما في المقالين شرح وتفصيل لها، وكتب
بدافع منها.
5
الطبري ط. أوربا تسلسل 1 / 2858.
6
الكامل في التاريخ 3 / 88. ط. أوربا.
7
غير خاف على عالم كالطبري إجماع علماء الحديث وتراجم الرجال على تضعيف سيف، ونعته
بالكذب، واتهامه بالزندقة، راجع فيما يأتي: فصل ترجمة سيف بن عمر.
8
راجع فصل منشأ الاُسطورة من هذا الكتاب.
9
أجمعت السير على أن الرسول تآلفهم على الاسلام بعد فتح حُنين.
10 راجع صحيح مسلم، باب ((من سبَّه النبي أو لعنه)).
11 راجع ترجمته فيما يأتي.
12 الحُجُرات الاية 6، وراجع تفسير الاية في كتب التفسير.
13 راجع ترجمته وترجمة سائر المذكورين في هذا الكتاب، فصل الاسطورة السبئية وما
بعده.
14
الفتح / 18.
15 راجع مقدمة الاصابة لابن حجر.
16 سورة الرعد الاية 11.