كتاب الدكتور حامد حفني داود

ب ـ كتاب الدكتور حامد حفني داود، دكتوراه في الادب العربي مع مرتبة الشرف واُستاذ الادب العربي بكلّية الالسن العُليا في القاهرة جاء فيه:

مضى ثلاثة عشر قرناً من حياة التاريخ الاسلامي كان ((أنصاف العلماء)) خلالها يُصدرون أحكامهم على الشيعة مشبوبة بعواطفهم وأهوائهم. وكان هذا النهج السقيم سبباً في إحداث هذه الفَجوة الواسعة بين الفرق الاسلامية ومن ثم خسر العلم الشي‌ء الكثير من معارف أعلام هذه الفرق، كما خسر الكثير من فرائد آرائهم وثمار قرائحهم.

وكانت خسارة العلم أعظم فيما يمسّ الشيعة والتشيّع بسبب ما رماهم به مبغضوهم من نحل وترهات وخرافات هم في الحقيقة براء منها. ولو أن هؤلاء ((الانصاف)) ترفعوا بأنفسهم عن التعصّب وطبّقوا ـ وهم يكتبون عنهم أو يأخذون منهم ـ مناهج البحث العلمي الصحيح، وآثروا حكم العقل على حكم القلب، وقدّموا الرأي على الهوى؛ لجاءنا علم كثير عن الشيعة، ولانتفعنا بالكثير من تُراث هذا المذهب.

إنّ الباحث المنصف للحقائق العلمية يأخذ عن مذهب الشيعة بقدر ما يأخذ عن غيرها من المذاهب الاسلامية الاُخرى. وهو مضطرُّ ـ إن كان منصفاً ـ إلى دراسة فقه الشيعة حين يدرس المذاهب الفقهية الاربعة عند أهل السنة. ناهيك أن الامام جعفر الصادق المتوفّى سنة 148 ه‍‍  ـ وهو رافع لواء الفقه الشيعي ـ كان اُستاذاً للامامين السنّيين: أبي حنيفة النعمان بن ثابت المتوفّى سنة 150 ه‍‍ ، وأبي عبداللّه مالك بن أنس المتوفّى سنة 179 ه‍‍ . وفي ذلك يقول أبو حنيفة مقرّاً له بالاُستاذية وفضل السبق: ((لولا السنتان لهلك النعمان)) يقصد بهما السنتين اللّتين اغترف فيهما من علم جعفر بن محمد. ويقول مالك بن أنس: ((ما رأيت أفقه من جعفر ابن محمد .

ولقد كانت الطّامة أعظم حين خرج على الناس بعض المحدثين الذين ينتحلون لانفسهم سِمَة العلم ويأتزرون بإزار المعرفة، وليتهم تواضعوا وتنزّهوا عن رفع أنفسهم فوق قدرها لمّا أعلنوا الثورة على الفرق الاسلامية وأفردوا الشيعة بأعظم جانب منها. فأفسدوا ـ فيما كتبوا ـ مناهج البحث العلمي، وأوصدوا دونهم أبواب العلم.

وكان ـ للاسف الشديد ـ اُستاذنا أحمد أمين واحداً من هؤلاء النفر الذين حجبوا عن أنفسهم نور المعرفة في ركن عظيم من أركان الحضارة الاسلامية ذلك الركن الذي سبق فيه الشيعة غيرهم من بناة الحضارة الاسلامية والتُّراث الاسلامي. فكان هذا المسلك هنة سجّلها التاريخ الاسلامي عليه كما سجّلها على غيره ممن حذا حذوه من أساتذة الجامعات الذين آثروا التعصّب الاعمى على حرية الرأي وجمدوا بآرائهم عند مذهب بعينه. وليس ذلك بالطريق السويّ الذي

يسلكه المحققون من الباحثين.

ولعلّ أعظم هذه الاخطاء التاريخية التي أفلتت من زمام هؤلاء الباحثين وغُمَّ عليهم أمرها فلم يفقهوها ويفطنوا إليها، هذه المفتريات التي افتروها على علماء الشيعة حين لفّقوا عليهم ((قصة عبداللّه بن سبأ)) فيما لفّقوه من قصص اشرت إلى بعضها في مؤلفاتي(1)، وزعموا أنّ كلّ خرافة أو اُسطورة أو اُكذوبة جاءت من فجر التاريخ الاسلامي؛ كانت من نسج خيال علماء الشيعة واعتبروها مغمزاً يغمزون به عليهم.

وها هو البحّاثة الجليل ((مرتضى العسكري)) يُسجّل لنا في كتابه ((عبداللّه بن سبأ)) أنّ هذه الشخصيّة لم تخرج عن كونها شخصيّة خرافية وأنّ ما أورده المؤرخون عنه من حكايات في ترويج التشيع لم يكن أكثر من اُكذوبة سجّلها الرواة حول هذه الشخصية الوهمية ليحملوا على الشيعة ما شاء لهم أن يحملوا وليغمزوا عليهم ما شاء لهم أن يغمزوا.

 لقد جمع هذا البحّاثة المقارن تحقيقاته العلمية وأبحاثه الشيّقة من متفرقات الكتب ومنشورات الاثار وبطون المصادر، وصال وجال في كل ميدان من ميادين التاريخ الاسلامي حتى وصل إلى هذه الحقيقة ناصعة جلية، وقد حاول الاُستاذ المحقق في كلّ مبحث من مباحثه التي جاء بها في هذا الكتاب أن يقيم الحجة الدامغة على أعداء الشيعة وخصومهم حين استشهد على آرائه العلمية بنصوص ثابتة من أقوال الخصوم أنفسهم، فأقام الحجّة عليهم من أقرب طريق.

والمتطلّع في هذا الكتاب يستطيع أن يقف في سهولة ويسر على التحقيقات العلمية التي أجراها المؤلف في أحاديث ((سيف بن عمر)) التي كانت تشغل أدمغة المؤرّخين منذ ظهر التاريخ الاسلامي المدوّن إلى وقت قريب منّا، قيّض اللّه للتاريخ فيه جهابذة محققين لا يخشون في اللّه وفي الحق لومة لائم. كان الاُستاذ المؤلف في الطليعة منهم، حين استطاع أن يحمل الباحثين على إعادة النظر فيما جاء به أبو جعفر الطبري في كتابه تاريخ الاُمم والملوك. وأن يحملهم على النقد التاريخي لكلّ ما جاء في هذا الكتاب وغيره من اُمّهات كتب التاريخ بعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الاحداث التاريخية نظرتهم إلى المقدسات التي لا تقبل التغيير والتبديل.

وقد استطاع المؤلّف بفضل القرائن التاريخية أن يكشف اللثام عن كثير من الاحداث التاريخية، وأن يوضح للباحثين الحقائق من أقرب طريق، وإن كان المؤلف قد جاء ببعض هذه الحقائق في صورة مذهلة مدهشة لمخالفتها ما اعتاده الناس وتوارثوه في معتقداتهم. ولكن الحق أحق أن يتبع. ولكي تقف بنفسك على صدق هذا القول فما عليك إلاّ أن تقرأ هذه الاحداث التاريخية التي أوردها المؤلف في كتابه واختلفت فيها الروايات مثل ((بعث اُسامة)) و ((وفاة الرسول عليه السلام)) و ((حديث السقيفة))... وغيرها. استطاع المؤلف أن يصل إليها بفضل إفادته من مقارنة النصوص ومعرفة سقيمها من صحيحها في هذه الابحاث الثلاثة. وقس على ذلك ما جاء في سائر أبحاثه خلال هذا السفر الجليل، الذي سيغيّر الكثير من وجه التاريخ الاسلامي.

واُحب أن اُذيل هذا التعليق بثلاثة أسئلة:

الاول: هل يخطئ الصحابي الجليل؟

الثاني: هل يجوز نقد الصحابي الجليل؟

الثالث: هل يجوز تكفير الصحابي الجليل أو اتهامه بالنفاق؟

أما إجابتنا على السؤالين الاوّل والثاني فنعم. وأما الثالث فلا. وليست ((لا)) هذه من باب الورع الذي لا يقوم على أساس من العلم، وإنما لعلة يقبلها العقل ويرتضيها المنطق. وذلك لان الكفر الخفي أو النفاق من باب ((أفعال القلوب)) التي لا يعلمها إلاّاللّه؛ لذلك نمسك عنه القلم لاننا لا نستطيع إدخاله تحت ((التجربة العلمية)) لخفاء أمره علينا، وهو من اختصاصات علاّ م الغيوب سبحانه. ذلك ما يقره ((المنهج الحديث)) الذي وضعنا اُسسه واتبعنا ناموسه في سائر مؤلفاتنا.

*         *          *

وأخيراً يسرني ـ باسم العلم ـ أن اُعلن إعجابي بهذا السفر الجليل ولصاحبه العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري، كما يسرني بهذه المناسبة أن اُنوّه عن الجهد العظيم الذي بذله السيد مرتضى الرضوي الكشميري الذي أعان القُرّاء والباحثين على إخراج هذا السفر إلى حيّز الوجود(2) في هذه الصورة الجميلة من الطباعة الدقيقة. وهو بنشره هذا البحث القيّم قدم للعالم الاسلامي خدمة عظيمة سيكون لها أكبر الاثر في تقويم الحقائق التاريخية في الاسلام.

 

الدكتور حامد حفني داود          

القاهرة: أول جمادى الاُولى 1381 ه‍‍

12 ـ اكتوبر 1961 م             

 


انظر مقدمة كتاب ((مع أحمد أمين)) للدكتور حامد حفني داود.

كتب الدكتور حامد هذه التعليقة على الطبعة المصرية من الكتاب.