مقدمة الطبعة الثالثة
صدرت الطبعة الاُولى من الكتاب عام
1375 ه فتناولته أقلام الكتاب بالنقد والتقريض، وانتشرت بعض مواضيعه في موسوعات
علمية. وإنّنا ـ مع تقديرنا لكل ما كتب ـ نكتفي بإيراد بعض المقالات التي أثارت
نقاطاً معينة تستحق الاهتمام وهي:
أ ـ كتاب الشيخ محمّد جواد مغنيّة.
ب ـ كتاب الدكتور حامد حفني داود.
ج ـ نقد مجلة الازهر.
د ـ نقود اُخرى.
* * *
أ ـ الشيخ محمّد جواد مغنيّة من
لبنان. أحد كبار الكتّاب المعاصرين، وأكثر
علمائنا إنتاجاً ـ في العصر الحاضر
ـ مع غزارة مادة، وسلاسة اُسلوب، وكثرة نفع التأليف، قال:
كل شيء تطور إلاّ الكتابة عن
الشيعة، ولكلّ بداية نهاية إلاّ الافتراء
على الشيعة، ولكلّ حكمٍ مصدره
ودليله إلاّ الاحكام على الشيعة ... ولماذا؟ هل الشيعة فوضويون ومشاغبون يُعكِّرون
صفو الناس وأمنهم ...؟
الجواب أنّ رجلاً يسمّى سيف بن عمر
التميمي مات في القرن الثاني الهجري، وضع كتابين: الاول ((الفتوح والردة)) والثاني
((الجمل ومسير عائشة وعلي)) وحشاهما بما يلي:
1 ـ إختلاق الحوادث التي لا حقيقة
لها ولا أساس.
2 ـ تحريف الحوادث الثابتة،
وتزييفها تزييفاً يجعل الايجاب سلباً والسلب إيجاباً.
فلقد اختلق سيف لرسول اللّه (ص)
أصحاباً لا وجود لهم، وأسماهم بأسماء لم يسمع بها الرسول ولا أحد من أصحابه، مثل
سعير، والهزهار. وأُطّ، وحميضة، وما إلى ذلك، كما ابتدع رجالاً من التابعين وغير
التابعين، ووضع على لسانهم الاخبار والاحاديث.
من هؤلاء بطل اختلق شخصيّته،
واختلق اسمه، واختلق قضايا ربطها به، هذا البطل الاسطوري هو ((عبداللّه بن سبأ))
الذي اعتمد عليه كلّ من نسب إلى الشيعة ما ليس لهم به علم، وتكلّم عنهم جهلاً
وخطأً، ونفاقاً وافتراء.
وجاء المؤرّخون بعد سيف الوَضّاع،
فرأوا الكتابين المذكورين بين مصادر التاريخ، فنهلوا منهما دون فحص وتمحيص، ونقلوا
عنهما بأعينهم وأيديهم وعقولهم، وأوّل من خُدع بسيف ؛ الطبري، ثم نقل عن الطبري ابن
الاثير، وابن عساكر، وابن كثير وغيرهم، وبهذا امتدّت أغصان سيف الكذّاب إلى مصادر
التاريخ بصورة غير مباشرة، أمّا الجذر والاصل فواحد هو: ((كتاب الفتوح)) و
((الجمل)).
أما الدليل الصحيح الواضح، أمّا
الارقام المحسوسة الملموسة على هذه الحقيقة، فتجدها في كتاب ((عبداللّه بن سبأ))
للبَحّاثة العسكري، فقد اعتمد في كتابه هذا منهج الحقّ والعدل، والتزم بكلّ شرط
يفرضه العلم في عملية البحث، بحيث لا يستطيع القارئ مهما بلغ من الفكر والعلم أن
يرفض النتائج التي توصّل إليها المؤلف، أو يشكّك فيها، ولو باحتمال كيفي موهوم،
لانّ الاُسس الّتي بنى عليها المؤلف ماديّة لا فكرية فحسب، ومشاهدات لا نظريات،
وقضايا ضرورية لا اجتهادية.
لقد رددت على المفترين والمعترضين
مرّات ومرّات، واعترف أنّي لم آت بجديد لا تعرفه الناس، بل كنت أُكرّر ما أجاب به
المفيد والمرتضى والعلاّمة، ولا شيء لي سوى الاُسلوب والتوضيح.
ذلك أن الاعتراض واحد لم يتغيّر
منذ زمان وزمان، فجوابه أيضاً واحد لم يتغيّر، تماما كجواب من أنكر البارئ عزّ
وجلّ.
وكنت أُعزّي النفس بأنّ الكثير
يجهلون ما أجاب به الاوّلون، وبأنّ السكوت يُغري بنا السفهاء ويُفسّر بالضعف والعجز
عن الجواب، وعلى أيّة حال فكنت أُجيب كما أجاب غيري على أساس الاعتراف بابن سبأ، ثم
الانكار والتبرّؤ منه ومن أقواله، أمّا صاحب كتاب ((ابن سبأ)) فقد هدّم البناء من
الاساس، وأثبت بأن ابن سبأ أُسطورة لا وجود له، وهذا هو الجديد في الكتاب.
ولا أُغالي إذا قلت: إنّه الكتاب
العربي الوحيد الذي بحث التاريخ على أساس العلم، وتعمّق فيه هذا التعمّق.
وأيضاً لست مبالغاً إذا قلت: إنّ
المؤلف قد أدّى إلى الدين والعلم ـ وبخاصة إلى مبدأ التشيّع ـ خدمة لا يعادلها أيّ
عمل في هذا العصر الّذي كثرت فيه التهجمات والافتراءات على الشيعة والتشيّع، بل قد
أدّى خدمة جُلّى للاسلام وجميع المسلمين، لانّه أقفل الباب في وجوه السماسرة
والدسّاسين الذي يتشبثون بالطُّحلُب لتمزيق وحدة المسلمين، وإضعاف قوّتهم.
لقد ذقنا من العملاء الادهى
والامرَّ، وتحمّلنا منهم الكثير رغبة في الوئام، وتجنّب الخصام، وما زادهم ذلك إلاّ
إغراء بالكذب، ومصدرهم الاوّل والاخير اسطورة ((ابن سبأ)) وخرافة (ابن السوداء)
التي ابتدعها سيف هذا الوضّاع الّذي لا يشعر بأيّة مسؤولية أمام اللّه والضمير.
أمّا اليوم وبعد كتاب ((عبداللّه بن سبأ)) فماذا يقول هؤلاء الانتهازيّون المرتزقة
!
وبالتالي، فإنّي أرى أن يتفضّل
السادة العلماء والمراجع الكبار في النجف الاشرف بتخصيص مبلغ من الحقوق، أو يأمروا
من يمتثل أوامرهم من أصحاب الثراء بإعادة طبع هذا الكتاب طبعاً حديثاً وأنيقاً على
أجود ورق، ثم يُعرَض للبيع في البلاد الاسلامية والعربية بواسطة شركات التوزيع بثمن
يقلّ عن نصف تكاليفه، كي يصبح في متناول الجميع، كما هي الحال في سائر كتب الدعايات
التي يراد بها انتشار مبدأ وتشجيع فكرة، بل اقترح أن يأمروا بترجمته إلى عدّة لغات،
ويُنشر على هذا النحو، وبذلك يقدّمون خدمة للدين دونها جميع الاعمال والخدمات. هذا
هو واللّه الغرض الاكمل لمصرف الحق الالهي، وسهم الامام ((منه وإليه)).
واللّه سبحانه المسؤول أن يحفظهم
جميعاً، ويُلهم أحد المقرّبين منهم إلى نقل اقتراحي هذا إلى مقامهم، وأن يستجيبوا
له، أو يضعوه في موضع الدراسة على الاقل.
محمّد جواد مغنية