ثانيا ـ المستشرق هنري ماسيه

قال في كتابه الاسلام(28):

تثبيت نص القرآن ـ عند وفاة محمّد لم يكن هناك أيّة مجموعة للنصوص القرآنية قررت بشكل نهائي. وما من شك في ان عددا من مجموعة الوحي الاوّل لم تكن قد حفظت؛ ولكن شذرات هامة كانت قد سجلت كتابة على عظام مسطحة، وأوراق نخيل أو حجارة. وبسبب الاهمية التجارية للمدن المقدسة كان عدد من سكانها يعرفون القراءة والكتابة دون شك، وتسرد التقاليد أسماء الاشخاص الذين قاموا بوظيفة الكتابة للنبي: أُبيّ بن كعب، وعبداللّه بن أبي سرح، وزيد بن ثابت بشكل خاص.

ويعود فضل جمع هذه الشذرات المبعثرة للمرة الاُولى إلى أبي بكر خليفة محمّد، أو إلى عمر الّذي أشار عليه بذلك. وفي السنة الحادية عشرة والثانية عشرة للهجرة فان عددا من الناس الذين كانوا يعرفون الايات القرآنية غيبا قد ماتوا في الحرب ضد النبي الكاذب مسيلمة. وقد خاف عمر حينذاك أن يختفي النص المقدس بكامله فحمل أبا بكر على جمع الوحي. وتردد أبو بكر أوّلا في أن يقوم بعمل لم يحدثه النبي عنه، ولكنه امتثل ودعا الفتى زيد بن ثابت، وهذا جمع بدوره كل ما وجده مكتوبا على مختلف المواد وكل ما احتفظ به رفاق النبي في ذاكراتهم، ثم صنف هذه الشذرات ونسخها في صحف وأعطاها لابي بكر.

وهذا الجمع الاوّل لمخطوط القرآن لم يكن ذا صفة رسمية بل كان فقط مشروعا خاصا من أبي بكر وعمر، ولكنه اكتسب أهمية كبرى بعد بضع سنوات وذلك عند تثبيت النص القانوني للقرآن في أيام الخليفة عثمان.

وبعد وفاة أبي بكر أصبحت هذه المخطوطات الاُولى الّتي قام بها زيد في حوزة الخليفة عمر الّذي عهد بها إلى ابنته حفصة، أرملة النبي؛ وهذا العمل سيؤكد عند الحاجة الصفة النافعة لهذا الجمع الاوّل للقرآن. ولكن من المقبول به ان هناك مجالا للتمييز بين جمع المواد الّتي تؤلف الصحف وبين الكتابة الحقيقية المنسوبة إلى زيد ـ الكتابة المرتكزة على الصحف ـ. وفي هذه الحالة فان هذه الصحف، وقد انتفع بها، فقدت أهميتها وأُودعت لدى حفصة أرملة النبي كتذكار بسيط.

وفضلا عن ذلك فان كتابة زيد هذه لم تكن وحيدة؛ فقد عزيت بعض الكتابات الخاصّة إلى أربعة من رفاق محمّد هم: أُبيّ بن كعب، وعبداللّه بن مسعود، وأبو موسى الاشعري، والمقداد بن عمرو. وهذه الكتابات كانت تمثل اختلافات في التفصيل لا نرى من لزوم لذكرها. أما ما يهمنا فهو ان هذه الاختلافات تولد منها انقسامات بين المؤمنين. فقد تبنى أهالي دمشق أُولى هذه الكتابات، وتبنى الثانية أهالي الكوفة، والثالثة أهالي البصرة، والرابعة أهالي حمص. وهكذا أصبحت المنازعات الخطرة تهدد الاسلام. وقول التقاليد ان القائد حذيفة أشار على الخليفة عثمان (نحو عام 650م) أن يقرر نصا نهائيا للقرآن. وهكذا دعا عثمان زيد بن ثابت كاتب المخطوط الاوّل وضم إليه بعض القرشيين كمساعدين.

ويمكن الافتراض انّه كان لعثمان هدف سياسي بعمله هذا يعادل الهدف الديني. فقد وصل إلى الخلافة بجهد، وكان ان عزز مركزه باقراره نصا لايتغير للكتاب المقدس. وقد صنع منه عدة نسخ حفظت واحدة منها في المدينة وأصبحت النسخة النموذجية ((الامام))، وأُرسلت النسخ الاُخرى إلى الكوفة والبصرة ودمشق ـ إلى المدن الّتي توجد فيها حاميات أو الّتي يتمسك أهلها بواحدة من النسخ المتباينة الّتي أُتلفت على الاثر. وتؤكد التقاليد ان عثمان كتب بيده إحدى هذه النسخ ـ وفي هذه الحالة تكون هذه النسخة هي نسخة المدينة، ولكن الراجح هو انّه ترك هذا الامر لزيد.

وهذا القرآن الرسمي يضم، وفقا للتقليد، سورتين أقل من مخطوط أُبيّ، وسورتين أكثر من مخطوط ابن مسعود. وعدا ذلك فهناك بعض الفروق في الاملاء والكلمات تفصل بين النسخ.

ولكن سؤالا أكثر أهمية يفرض نفسه: هل تحتوي نسخة عثمان على مقاطع مختلقة؟

لقد رفض الخوارج مثلا السورة الثانية عشرة، معلنين ان اللهجة الغرامية لقصّة يوسف والمرأة المصرية تجعلها متنافرة مع كتاب مقدس! ويعتقدون بالتأكيد ان وحيا من هذا النوع لا يأتي من اللّه. ولكن مع ان قسما من السورة فقط قد خصص لهذه القصة فان التقليد يؤكد انّها موجودة في أقدم النسخ الخاصة؟ يضاف إلى ذلك ان نولدكه يلاحظ بحق انها تتلاءم مع بقية القرآن من ناحية اللغة والنسق الانشائي.

ومن ناحية أُخرى فان الشيعيين يؤكدون ان المقاطع الّتي تتعلق بعلي وعائلته قد حذفت بأمر عثمان. ويستندون في ذلك إلى عدم تلاحم بعض المقاطع، ويعتبرون ان النص الاصلي قد انتقل سرا من كل إمام إلى خلفه، وسيظهر في النهاية عند ظهور الامام المختفي.

وما من شك ـ ويجب تكرار ذلك ـ في ان القرآن كما وصل إلينا لايتضمن الوحي كلّه؛ ومقابل ذلك فقد ظهرت له بعض الاضافات التفسيرية والتذييلات (الّتي لايستنتج منها شيء)، وكذلك تغيير مكان بعض الجمل. ولكن الامر لا يتعلق أبدا بتحريفات يعترض عليها المؤمنون. والخلاصة ان أقدم المؤرخين قد صمتوا حول هذه النقطة.

وهناك تسع وعشرون سورة تنتمي كلها تقريبا إلى العصر الّذي سبق الهجرة مباشرة، وتبتدئ بحروف مفردة لا تزال تحير مفسري القرآن مسلمين وغيرهم. فالعلماء المسلمون بعد ان بحثوا لها عن إيجازات وجدوا فيها لغزا لايعرفه إلاّ اللّه وحده.

وعاد بعض المستشرقين إلى فكرة الايجازات هذه. وأراد آخرون أن يجدوا فيها الحروف الاُولى لاسماء المالكين الاُول للنسخ الّتي كتبها زيد. أما عناوين السور فقد أعطيت لها في ما بعد، وكذلك التقسيم إلى آيات فانّه تقرر بعد ذلك.

ولا يجب الاعتقاد ان كتابة القرآن الّتي تمت بأمر الخليفة عثمان قد ظلت دون تغيير. وهذه التغييرات تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية: الاخطاء الّتي ارتكبها الناسخون، ودروس النص المقدس القديمة الّتي احتفظ بها القرّاء والمرتلون المحترفون في ذاكرتهم رغم كل شيء، وعدم كفاية ووضوح الكتابة العربية الّتي تختلط فيها بعض الحروف بسهولة، والّتي تخلو من أي حرف صوتي موجز (الامر الّذي يمنع معرفة الفعل مثلا إذا كان للمعلوم أم للمجهول). وزيادة على ذلك فان الامويين القليلي الاهتمام بهذه القضايا الدينية لم يعملوا على حذف مصادر الاختلاف هذه. وقد أصبحت هذه الاختلافات بالتدريج مصدر قلق، وانتهوا في القرن العاشر الميلادي، وبعد شيء من التردد، إلى أن يضعوا نهائيا أساس النص الرسمي مستندا إلى حكم سبعة علماء مشهورين أُضيف إلى كل منهم اثنان من القرّاء المجربين. وهذا اختيار تحكمي إلاّ انّه أوقف المجادلات. وفي القرن الحادي عشر اعترف بحكمهم هذا تدريجيا. وقد بقي اثنتان قيد الاستعمال من هذه القراءات السبع، واحدة خاصّة بمصر والاُخرى بأفريقية الشمالية.

ومن ناحية أُخرى فان الكتابة قد تحسنت في النصف الثاني من القرن الثامن وذلك بادخال اشارات صوتية كانت في أول أمرها نقاطا ثمّ خطوطا تمنع كل خطأ في القراءة.

محتوى وتاريخ القرآن:

من المعلوم ان ترتيب السور مؤسس بكل بساطة وفقا لطول كل سورة. والسور الاكثر قصرا (وهي الاقدم) موجودة في نهاية القرآن. ولم يستطع زيد ورفاقه أن يرتبوا القرآن على أساس معنى الايات لان صفة الوحي المتقطعة تعترض ذلك. ولم يستطيعوا التفكير بالترتيب التاريخي لان الوقت كان متأخرا لاثبات هذا الترتيب. وعلى كل حال فإنّ الترتيب النازل وفقا لطول السور فيه أمران شاذان: فمن ناحية أُولى نرى السورتين الاخيرتين (رقم 113 و114 الناقصتين بالتأكيد من قرآن ابن مسعود) ليستا هما الاكثر قصرا ـ ومع ذلك فهما تمثلان صفة خاصة جدا لانهما، والحق يقال، قواعد ضد الرقى المؤذية. ومن ناحية أُخرى فان السورة الاُولى (الفاتحة) قد وضعت على رأس الكتاب مع انّها لا تعد سوى سبع آيات، وقد كان ذلك دون شك لان لها شكل الصلاة.

وفضلا عن ذلك فانها تنتهي عادة بعد أن ترتل بكلمة ((آمين))، الامر الّذي لايحدث في السور الاُخرى؛ وقد أوحي أيضا بوجوب تلاوتها في أغلب الاحيان (القرآن 15، 87).

ولكن هذا الترتيب الاصطناعي، الّذي تبناه زيد ورفاقه لايستطيع أن يرض النفوس المفكرة.


28 ترجمه بيهج شعبان إلى العربية ونشره عويدات. بيروت وعليه ترخيص ماكس لوكير الفرنسي بترجمته لجميع الناطقين باللّغة العربية.