رابعا ـ روايات نزول القرآن على سبعة أحرف

لقد برهنا في البحث الرابع أنّه من المحال عادة أن يقال في مجتمع في الجزيرة العربية قبل اختلاطهم بغير العرب مثل مجتمع الصحابة فيالمدينة: يجوز استعمال كلمات أقبل وتعال وحيّ هلاّ وهلمّ وأسرع وعجّل بعضها مكان بعض.

ويجوز استعمال تواب غفور وعزيز حليم وسميع عليم وقيّوم بعضها مكان بعض.

ومن الجائز أن يقال ذلك في مجتمع بعد زمانا ومكانا عن المجتمع العربي في وسط الجزيرة العربية واختلط فيه العربي بغير العربي وتزاوجا وتناسلا ولم تنتشر بينهم الثقافة الاسلامية لابعاد حكّامه الصحابة عنهم ومنعهم الصحابة عن نشر المعارف الاسلامية كما كان ذلك شأن مجتمع أهل الشام في أواسط الحكم الاموي فيه.

في مثل هذا المجتمع تستطيع الزنادقة أن تنشر بعيدا عن الصحابة زمانا ومكانا أمثال روايات المجموعات الاربع الماضية وتنتقل منه إلى سائر البلاد الاسلامية متدرِّجا ومنها تنتقل بعد عصر التدوين أو قبله بقليل إلى مهبط الوحي المدينة المنوّرة.

* * *

درسنا إلى هنا روايات البسملة وجمع القرآن واختلاف المصاحف والزيادة والنقصان في القرآن الكريم والاحرف السبعة ودرسنا أخبار القراءات والنسخ ذيل البحثين المذكورين، وفي ما يأتي نسجل نتائج البحوث بإذنه تعالى:

نتائج البحوث:

ثبت ممّا برهنا عليه ان عدد القرّاء من الصحابة الّذين جمعوا القرآن على عهد الرسول (ص) بلغ الاُلوف وكان لجلّهم مصاحف دونوا فيها القرآن.

وعلى عهد الخليفة عمر تجاوز عددهم مئات الاُلوف.

وعلى عهد الخليفة عثمان لايعلم أحد عددهم غير اللّه؛ ثمّ أن الخليفة عثمان استعار من أُمّ المؤمنين حفصة المصحف الّذي تمّ نسخه مجردا عن حديث الرسول (ص) على عهد الخليفة عمر وأودعه عندها ونسخ عليه سبعة مصاحف وزعت على أُمّهات البلاد الاسلامية وسميت بمصحف الامام فنسخ عليها المسلمون مصاحفهم حتى اليوم وكان فيها أخطاء في رسم الخط وهذا ما عناه الخليفة بقوله (فيه ـ أي في رسم خط المصحف ـ لحن ستقيمه العرب بألسنتها) وسمي رسم الخط ذلك بـ: رسم خط مصحف عثمان. وإلى يومنا هذا كتب المسلمون مصاحفهم وفق رسم خط مصحف عثمان الملحون غير انهم اتبعوا العرب في التلاوة وأقاموا لحن رسم الخط بألسنتهم مثل ما كتب في سورة آل عمران برسم خط مصحف عثمان لحنا:

أ ـ يعيسى، الاية: 55.

ب ـ يأهل الكتاب، الاية: 70.

ج ـ أيمنهم، ويوم القيمة، الاية: 77.

وأقامها المسلمون بألسنتهم واتبعوا العرب وقرأوها: يا عيسى ويا أهل الكتاب وأيمانهم ويوم القيامة. كما درسنا هذا الامر في بحث القراءات المختلفة.

وبناء على ما ذكرناه من المحال أن يقول صحابي على عهد الخلفأ الثلاثة بنقصان سورة أو آية من القرآن الكريم ممّا كان على عهد رسول اللّه (ص) أو يقول أحد من الصحابة أن سورة أو آية نسيت من القرآن الكريم، أو يحذف أحدهم آية أو سورة من مصحفه أو يزيد سورة أو آية في مصحفه، وكل رواية جاءت في مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء تدل على وقوع شيء ممّا نفينا وقوعه فهي امّا أن تكون:

أ ـ مفتراة من قبل الزنادقة على اللّه وكتابه ورسوله (ص) وأصحاب رسوله(ص).

ب ـ ممّا بدل الرواة ألفاظ الصحابة في الروايات نسيانا أو تعمدا.

ج ـ ممّا لم يفهم معنى الرواية لتبدل معنى المصطلح القرآني بعد عصر الصحابة عما كان عليه في عصرهم وكذلك الشأن في الروايات الّتي رويت في مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة أهل البيت، غير أن المفترين هنا على اللّه وكتابه ورسوله (ص) وأصحاب رسوله (ص) والائمة من أهل البيت (ع) هم الغلاة بمدرسة أهل البيت وليسوا الزنادقة كما سنبين ذلك إن شاء اللّه تعالى عند دراسة تلك الروايات في الجزء الثالث من هذا الكتاب.

وأنتج قبول تلك الروايات بمدرسة الخلفاء والتصديق بها أن يرويها المحدثون بعد عصر الصحابة والتابعين في المجاميع الحديثية وأنتج كل ذلك أمرين:

أ ـ الاعتقاد بوجود القراءات المختلفة للقرآن الواحد.

ب ـ الاعتقاد بوقوع النسخ والانساء للقرآن الكريم ـ والعياذ باللّه ـ من القول بهما.

وأنتج قبولها بمدرسة أهل البيت من قبل المحدِّثين أمثال السيِّد الجزائري والشيخ النوري أن يقولوا ما قالوا ويكتبوا ما كتبوا وقابلهم العلماء والمحققون منهم مثل الشيخ المفيد (ت: 413ه) والشيخ جواد البلاغي (ت: 1352ه) وأُستاذ الفقهاء الخوئي (ت: 1413ه) وردوا أقوالهم وقالوا ان اللّه حفظ كتابه الكريم وصانه عن كل زيادة ونقيصة وتحريف إلى يومنا هذا وسيحفظه كذلك أبد الدهر.

* * *

بعد انتهائنا من دراسة روايات مدرسة الخلفاء حول القرآن الكريم، نورد في ما يأتي بإذنه تعالى استناد المستشرقين إلى بعضها في ما تقولوه حول القرآن الكريم.