دراسة الخبر
أمّا ما نسب إلى الحجاج الوالي الجائر من أنّه بدل من مصحف الخليفة عثمان أحد عشر حرفا فنقول بالاضافة إلى ما ذكرناه آنفا:
مرّ بنا في ذكر تاريخ الحجاج: انّه رمى الكعبة بالمنجنيق وأحرقها وقتل ابن الزُّبير ومن معه وبعث برؤوسهم إلى الشام واستخف ببقايا الصحابة في المدينة وختم أيديهم وأعناقهم وأساء السيرة في ولايته على الكوفة فخرج عليه 120 ألف راجل و33 ألف فارس من العلماء والفقهاء والقرّاء والصالحون بقيادة ابن الاشعث وقتل من الجانبين في أربع وثمانين معركة خلق كثير، ولما غلبهم الحجاج قتل منهم خلقا كثيرا ثمّ أسر منهم خلقا كثيرا ذبحهم جميعا كما يذبح الغنم، ذبح منهم بمسكن وحدة قريبا من خمسة آلاف أسير مسلم ونال من الصحابي أنس فشكاه إلى عبد الملك فكتب إليه: (... أما بعد فإنّك عبد طمت بك الاُمور،
فسموت فيها وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت داهية إدّا، وأردت أن تبدو لي فإن سوّغتُها مضيت قدما، وإن لم أُسوِّغها رجعت القهقرى فلعنك اللّه من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين. أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الابار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا ابن المستفرية بعجم الزبيب، واللّه لاغمرنك غمر الليث الثعلب، والصقر الارنب...).
وقالوا عنه: انّه قتل صبرا مائة وعشرين ألفا ومات وفي سجنه ثمانون ألفا منهم ثلاثون ألف امرأة ومات سنة 95ه بواسطوعفي قبره وأُجري عليه الماء لكيلا ينبش، ولمّا مات الوليد بن عبد الملك سنة 96 وولي بعده سليمان بن عبدالملك ولّى على العراق يزيد بن المهلب وأمره بمعاقبة آل الحجاج وأصحابه وأن يعذبهم حتى يستخرج منهم الاموال وتتبعهم سليمان بنفسه وسامهم سوء العذاب.
وقد قال سعيد بن جبير في حق الحجاج: واللّه ما خرجت عليه حتى كفر! وقالوا في حقّه ـ أيضا ـ:
أ ـ كان الحجاج ينقض عرى الاسلام!
ب ـ لم يبق للّه حرمة إلاّ ارتكبها!
ج ـ الشيخ الكافر!
أمثل هذا الخبيث اللحنة(11) يقبل منه المسلمون تبديل كلمات من القرآن في مصحف انتشر إلى أقاصي أفريقيا وبلاد الهند وجميع بلاد العالم.
إنّ كل ما أشرنا إليه من الاُمور المستحيلة عادة.
إذا فمن أين انتشرت تلك الروايات المختلقة في كتب الحديث والسيرة والتفسير بمدرسة الخلفاء؟
يتضح لنا بجلاء ووضوح أمرها ومصادرها بالتدبر في ما مرّ بنا من قيام الزنادقة بوضع الحديث، ودسّها في كتب الحديث.
فقد جاء في رواية أنّه كان في الزنادقة من يأخذ من شيخ مغفل كتابه فيدس فيه ما ليس من حديثه فيرويه ذلك الشيخ ظنا منه أنّه من حديثه.
وكان منهم الزنديق عبد الكريم بن أبي العوجاء ربيب حماد بن سلمة الّذي كان يدس الاحاديث في كتب حماد وكان يذهب في موسم الحج إلى مكة للاجتماع بالحجاج واضلالهم وكان في البصرة يفسد الاحداث فهدده عمرو بن عبيد فلحق بالكوفة ودل عليه والي الكوفة فقتله فلمّا أرادوا أن يقتلوه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال وأُحلّ فيها الحرام.
وقال المهدي العباسي: أقرّ عندي زنديق أنّه وضع أربعمائة حديث.
وكان في الزنادقة من يستغل رغبة أتباع مدرسة الخلفاء في استماع فضائل ذوي السلطة والدفاع عنهم في ما انتقدوا عليه.
وقد مرّ بنا كيف وضع الزنديق مطيع بن اياس في سبيل رضا الخليفة المنصور رواية يصدق على ابنه المهدي أنّه المهدي الموعود وأشهد على صدق قوله واحدا من أُسرة الخليفة فصدقه ولم يجرأ على تكذيبه.
وقد كشفنا في المجلّدات الاربعة من كتاب (عبداللّه بن سبأ والاسطورة السبئية) وكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) عن آلاف المختلقات الّتي اختلقها الزنديق سيف بن عمر تحت غطاء نشر فضائل ذوي السلطة من الصحابة والدفاع عنهم، من جملة ما ذكرنا من مختلقاته ترجمة:
أ ـ ثلاثة وتسعين صحابيا مع ما اختلق لهم من فتوحات ومعارك حربية ومعجزات و... و... و...
ب ـ اثنين وسبعين راويا مع ذكر بعض رواياتهم.
ج ـ خمسة من قادة الكفار في الحروب مع بعض ما اختلق لهم من أخبار في الحروب.
د ـ شاعرين مع ذكر بعض ما اختلق لهما من شعر.
هـ سبعة من التابعين مع ذكر بعض ما اختلق لهم من أخبار.
اختلق هذا الزنديق كل ذلك ونشرها تحت غطاء الدفاع عن ذوي السلطة من بني أُميّة أمثال سعيد والوليد وابن أبي سرح واتهم فيها أبرار الصحابة والتابعين أمثال عمار بن ياسر وأبيذر ومحمّد بن أبي بكر ومحمّد بن أبي حذيفة و... و...
إذا فإن وضع الحديث تحت غطاء فضفاض من نشر فضائل ذوي السلطة والدفاع عنهم (شنشنة أعرفها من أخزم) ـالزنادقة ـ
(12).
وفي ما افتري على ابن مسعود تحقيق ثلاث غايات للزنادقة:
1 ـ تهديم شخصية صحابي من خواص أصحاب الرسول (ص).
2 ـ الدفاع عن ولاة أمثال الوليد الفاسق السكير.
3 ـ والاهم من كل ذلك نشر التشكيك بثبوت النصّ القرآني.
واتقنوا عملهم التخريبي بنشر نسخ باسم مصحف ابن مسعود كما أخبر عن ذلك النديم في فهرسته وقال:
قال محمّد بن إسحاق (ت: 385ه) رأيت عدّة مصاحف ذكر نساخها أنّها مصحف ابن مسعود، ليس فيها مصحفان متفقان وأكثرها في رقٍّ كثير النسخ وقد رأيت مصحفا قد كتب منذ مائتي سنة فيه فاتحة الكتاب
(13).
يا ترى من نسخ تلك المصاحف المختلقة ونسبها إلى ابن مسعود غير الزنادقة الّذين كانوا يحاربون الاسلام ويشككون المسلمين في عقائدهم، ولم يقتصر عملهم في التهديم بما افتروا به على الصحابة بل افتروا على وال جائر مثل الحجاج وقالوا انّه بدّل أحد عشر حرفا من مصحف عثمان.
وهكذا لم يبقوا نوعا من أنواع التحريف يتصور إلاّ ورووا أنه جرى على القرآن الكريم وأخرجها في كتبهم أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وسائر المجاميع الحديثية وكتب التفسير وغيرها من مصادر الدراسات الاسلامية، ومع كل تلكم الافتراءات والزور والبهتان على اللّه وكتابه ورسوله وأصحاب رسوله كيف لايقول محدّث كالشيخ النوري بتحريف كتاب رب الارباب والعياذ باللّه ولسنا في صدد الدفاع عنه فانّه أساء بجمعه تلك الروايات في كتاب واحد غير أنّا نقول: البادئ أظلم!