دراسة الروايات الانفة:
قولنا في هذه الروايات كقولنا في الروايات السابقة أنّه من المحال عادة أن يقال مثل هذه الاقوال في عصر الصحابة في مكة والمدينة وبمحضر من الصحابة ونضيف إلى ذلك هنا أنّه سبق ذكر مصحف أُمّ المؤمنين عائشة وأنّها أمرت بأن يكتب فيه بعد الصلاة الوسطى وصلاة العصر بيانا للصلاة الوسطى وأنّه فعلت مثل ذلك غيرها من أُمّهات المؤمنين، هذا ما رأينا في كل هذه الروايات والصحيح في الامر ما يأتي بإذنه تعالى:
1 ـ الصحيح في روايات المجموعة الاُولى:
نرى في بعض الروايات انّه لم يفهم فيه كلام الصحابي وفي بعض الاخر أن ألفاظ الرواية حرفت فيه نسيانا أو تعمدا ونستند في قولنا: نسيانا إلى أنّ الرواية كانت تنقل من فم إلى أُذن أكثر من نيف ومائة سنة لمنعهم من كتابة الحديث منذ عهد الخليفة عمر وإلى سنة 143 هجرية وعلى عهد الخليفة العباسي المنصور ما عدا سنتين من خلافة عمر بن عبدالعزيز، وقد مرّ بنا ما ذكروا من خلط بعض الصحابة حديث الرسول (ص) بحديث كعب الاحبار خطأً. وفي قولنا تعمدا نستند إلى ما مرّ بنا من عمل الزنادقة أنّهم يأخذون كتاب المحدِّث ويدسون في الاحاديث ما لم يكن فيها ولا ينتبه الشيخ المحدِّث إلى الدس فيرويها كذلك. وفي اختلاف الاحاديث الّتي نوردها في ما يأتي أقوى دليل على قولنا هذا:
جاء في باب لو أنّ لابن آدم واديين لابتغى واديا ثالثا من كتاب الزكاة بصحيح مسلم عن الصحابي أنس أنّه قال: قال رسول اللّه لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب اللّه على من تاب. إذا فهذا الكلام قول رسول اللّه (ص) وليس من القرآن.
وجاء في تفسير السيوطي:
أ ـ بينما رسول اللّه (ص) يدعو على مضر إذ جاء جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت فقال يا محمّد إنّ اللّه لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنّما بعثك رحمة للعالمين ولم يبعثك عذابا ليس لك من الامر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنّهم ظالمون، ثمّ علّمه هذا القنوت اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك الجد بالكفار ملحق.
ب ـ عن عبداللّه بن عبدالرّحمن عن أبيه قال: صلّيت خلف عمر بن الخطاب فلمّا فرغ من السورة الثانية قال: اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك بالكفار ملحق.
ج ـ إنّ عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد ولك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك بالكفار ملحق، وزعم عبيد أنّه بلغه أنّهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود.
د ـ ان عليّا قنت في الفجر بهاتين السورتين اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.
في هذه الروايات:
في الاُولى: إنّ جبرائيل (ع) علّم الرسول (ص) أن يدعو بهذا الدعاء بدلا من اللعن على مضر وجاء في أخبار أُخرى أنّه كان يذكر في لعنه الّذين قتلوا القرّاء السبعين الذين مضت أخبارهم.
في الثانية: وجدنا أنّ الخليفة الثاني كان يدعو بعد السورة الثانية بهذا الدعاء ومعنى ذلك أنّه كان يدعو بذلك في قنوته.
في الثالثة: إنّه قنت بعد الركوع وقرأ الدعاء بعد البسملة وفي آخرها زعم عبيد أنّه بلغه أنّهما سورتان من مصحف ابن مسعود.
وفي الرابعة: إنّ عليا قنت بهاتين السورتين.
إذا فإنّ أصل الروايات: إنّ جبرائيل علّم الرسول (ص) هذا القنوت واتبعه في ذلك الخليفة عمر والامام علي والوالي الاموي في خراسان كما مرّ بنا خبره وأنّهم جميعا قنتوا بهذا الدعاء ومن الجائز أن يكون ابن مسعود كتب القنوت في مصحفه في تفسير بعض الايات. وإنّ أبا موسى أخبر القرّاء أنّ هذا الدعاء كان مكتوبا في المصاحف قبل أن تجرد المصاحف من حديث الرسول (ص) غير أنّه أضيف إليه في بعض الروايات: البسملة وفي بعضها التسمية باسم السورة. فشوش ذلك على المتأخرين وظنوا أنّهما كانتا سورتين في مصاحف بعض الصحابة دون بعض والسبب في هذه الاضافة أما أن يكون نسيان ألفاظ الحديث لرواية الخبر شفها في أكثر من مائة عام أو بدس الزنادقة البسملة ولفظ السورة في بعض الروايات للتشكيك بالنصّ القرآني وكذلك الشأن في الخبرين الاتيين:
2 ـ ما جاء في كلام الخليفة عمر كان ممّا أنزل اللّه آية الرجم فقرأناها و... ورجم رسول اللّه (ص) ورجمنا بعده... وكنّا نقرأ
من كتاب اللّه أن لاترغبوا عن آبائكم...
في هذا الخبر: (ممّا أنزل اللّه آية الرجم) ومن الجائز أن يكون حكم الرجم قد نزل بوحي غير قرآني وأمر الرسول بتدوينه في المصاحف في تفسير الاية الثانية من سورة النور (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا...) وان الخليفة أخبر أن الحكم كان موجودا في المصاحف قبل تجريدها من حديث الرسول (ص) غير أنّه حرف لفظ (حكم الرجم) بلفظ (آية الرجم) نسيانا أو تعمدا كما ذكرنا ذلك آنفا ولفظ (نقرأ في المصحف) بلفظ نقرأ من كتاب اللّه ـأيضاـ تعمدا أو نسيانا.
أمّا قوله (فقرأناها) و(نقرأ) فقد مرّ بنا في أوّل البحث ان مادّة الاقراء مصطلح قرآني بمعنى تعليم اللفظ مع تعليم المعنى وانّه يجوز استعمال اللفظ في جزء معناه، وبناء على ذلك يكون قصد الخليفة في المورد الاوّل إنّنا تعلمنا ذلك من الرسول (ص) في تفسيره للاية الثانية من سورة النور، وفي المورد الثاني قصد تعلمناه من الرسول (ص) وكان مكتوبا في المصاحف ولما كانت المصطلحات القرآنية لديهم تستعمل في معناها الاصطلاحي فهو معنى كلام الخليفة، وبعد تغير معنى المصطلحات القرآنية عما كان
عليها في عصرهم لم يفهم معنى كلام الخليفة على حقيقته.
3 ـ ما جاء في كلام أُمّ المؤمنين عائشة
نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول اللّه (ص) وهن في ما يقرأ من القرآن... ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلمّا توفي رسول اللّه (ص) تشاغلنا بموته فدخل داجل فأكلها.
من الجائر أنّها قالت: (نزل عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بخمس معلومات) أي نزل الحكم بوحي غير قرآني وأُضيف بعد قولها (نزل): (من القرآن) سهوا أو تعمدا وقالت: (وهنّ في ما يقرأ من المصحف...) فأُبدل المصحف بالقرآن سهوا أو تعمدا وحصلت بذلك الشبهة بأنّها قالت سقط من القرآن بعضه والعياذ باللّه.
وقد ناقشنا روايتها لحكم رضاع الكبير في بحث (فتواها في رضاع الكبير) من المجلد الاوّل من كتاب أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة وانها تناقض الروايات المتواترة في حكم الرضاع، غير أنّه من الجائز أن تقول: إنّ الرسول (ص) قال: عشر رضعات يحرمن ثمّ نسخ بوحي غير قرآني بخمس رضعات في بيان آية الرضاع وان الصحيفة كانت تحت سريرها إلى آخر الحديث ويكون قولها ذلك نظير أمرها بكتابة (وصلاة العصر) بعد (والصلاة الوسطى) في مصحفها بيانا لصلاة العصر ولم تقصد بأنّه جزء من الاية.