ب ـ ما افتري بها على اللّه وكتابه ورسوله (ص) وأصحاب رسوله أو زيد في الرواية الصحيحة وحرّفت

1) جاء في صحيح مسلم وغيره: إنّ أبا موسى الاشعري بعث إلى قرّاء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل فقال لهم:...

وإنّا كنّا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فانسيتها غير أنِّي حفظت منها (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلاّ التراب).

2) وكنا نقرأ سورة نشبهها باحدى المسبحات فأُنسيتها غير أنِّي حفظت منها: (يا أيُّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم).

3) و4) وفي الباب عن أنس وابن عباس: (لو كان لابن آدم واديان...).

وفي سنن الترمذي عن أُبيّ بلفظ آخر وفي مسند أحمد بلفظ آخر.

5) وقال أُبيّ: هكذا أقرأنيها رسول اللّه (ص).

6) وانّه كان في مصحف ابن عباس قراءة أُبيّ وأبي موسى سورتي الحفد والخلع.

وأنّه أمّهم الوالي الاموي بخراسان فقرأ السورتين.

وان الامام عليّا علّم الراوي تلك السورتين وقال علمنيها رسول اللّه (ص) وهما (اللّهمّ إنّا نستعينك...).

وان جبرائيل نزل بذلك على رسول اللّه (ص).

وأنّهما كانتا مكتوبتين في مصحف أُبيّ.

وقال الحافظ ابن المنادي(10) في كتابه ناسخ القرآن ومنسوخه: لا خلاف بين الماضين والغابرين أنهما مكتوبتان في مصحف اُبيّ.

وقد أوردهما السيوطي في آخر تفسيره الدر المنثور على صورة سورة قرآنية!!!

7) وانّ ابن مسعود كان يحكّ المعوذتين من المصحف ويقول: لاتخلطوا القرآن بما ليس فيه انّهما ليستا من كتاب اللّه ولم يكتب في مصحفه سورة الحمد!!!

8) وانّ حذيفة قال: قرأت سورة الاحزاب على النبيّ (ص) فنسيت منها سبعين آية.

9) وانّ عائشة قالت: كانت تقرأ في زمان النبيّ (ص) مائتي آية فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر على أكثر ما هو الان.

وان الخليفة عمر والصحابي أُبيّا قالا: كانت تعدل سورة البقرة وكان فيها آية الرجم.

وان مالكا قال لما سقط أوّله سقط معه البسملة وانها كانت تعدل سورة البقرة.

دراسة روايات الزيادة والنقصان:

إنّ روايات الزيادة والنقيصة هنا مثل روايات جمع القرآن الانفة في ما افتري بها على اللّه وكتابه ورسوله (ص) وأصحابه وما أوردناه في نقضها هناك يصدق على روايات الزيادة والنقيصة هنا، وبالاضافة إليها نُذَكِّر هنا مرّة أُخرى بأخبار جمع القرآن وتدوينه ونقول: كان الرسول (ص) قد جعل من مسجده معهدا لاقراء القرآن يقرئ فيه الصحابة ويقرئ الصحابة فيه الوافدين إلى المدينة واهل الصفة وكان يسمع من مسجده (ص) ضجتهم بتلاوة القرآن.

وكان الصحابة يقرئون نساءهم وأولادهم في بيوتهم حتّى أصبحت بيوت المدينة ما عدا بيوت المنافقين كلّها مدارس لاقراء القرآن، وأرسل الرسول (ص) إلى كل بقعة من الارض خارج المدينة يسكنها المسلمون من يقرئهم القرآن وتسابق المسلمون على عهده في كل مكان في حفظ القرآن عن ظهر قلب، ونتيجة لكلّ ذلك بلغ القرّاء عددا اشترك منهم في السنة الثانية من وفاة الرسول (ص) في جيش واحد ثلاثة آلاف قارئ وكان الاقراء في عصر الرسول (ص) بتعليم اللفظ والمعنى وبعد عصر الرسول (ص) أمر الخليفة أبو بكر بالاقتصار باقراء لفظ القرآن دون تعليم حديث الرسول (ص) في تفسير آياته.

وعلى عهد الخليفة عمر أمر بتجريد القرآن عن حديث الرسول (ص) وأرسل للبلاد المفتوحة القرّاء لتعليم القرآن كذلك وكان من جملتهم الصحابي عبادة بن الصامت الّذي بعثه في السنة الثامنة عشرة أو قبلها إلى الشام تلبية لطلب واليها يزيد بن أبي سفيان والّذي توفي في طاعون عمواس في السنة الثامنة عشر وبقي يقرئ فيها القرآن إلى أن توفّي سنة أربع وثلاثين وجاء في خبر إقرائه أنّه كان يقرئ في جامع دمشق ألف وستمائة شخص على كل مائة منهم عريف.

وفي السنة السابعة عشرة بعث أبا موسى الاشعري إلى البصرة مقرئا لهم وواليا وبقي فيها إلى السنة السابعة والعشرين يقرئ أهلها في مسجدهم القرآن وعندما طلب منه الخليفة أن يعرف القرّاء ممّن تعلموا منه ليبعثهم قرّاء في الافاق طلب أبو موسى ألاّ يأتيه منهم إلاّ من جمع القرآن أي من حفظ القرآن عن ظهر قلب فدخل عليه منهم ثلاثمائة ممّن حفظ القرآن عن ظهر قلب.

وكذلك بعث الخليفة ابن مسعود بعد تمصير الكوفة مقرئا لاهلها وبقي فيهم يقرئهم ويفقههم في الدين إلى سنة حرق الخليفة عثمان المصاحف حيث لم يسلمهم مصحفه وكان يملي القرآن من حفظه وتخرّج عليه القرّاء الذين نفاهم الوالي الاموي سعيد إلى الشام والقرّاء الذين حضروا صفين في جيش الامام علي وخرج منهم على الامام ثمانية آلاف في حروراء وكان لهم على عهد الخليفة عمر دوي في قراءة القرآن بمساجد البلاد وفي عهد الامام علي كانت لهم ضجّة بمساجدهم في قراءة القرآن كما كان ذلك على عهد رسول اللّه (ص).

ولم يقتصر الاقراء بالصحابة بل قام بالاقراء في عصر الصحابة وبعدهم من قرأ القرآن عليهم كما عرفنا ذلك من خبر الثلاثمائة قارئ ممّن تخرج على أبي موسى وطلبهم الخليفة للاقراء في الافاق، ويقال لمن أخذ من الصحابة ولم ير الرسول (ص) في علم الدراية التابعين، ولدراسة كيفية إقراء التابعين نذكر خبر إقراء مقرئ أهل الكوفة التابعي أبي عبدالرّحمن السلمي الّذي ولد في حياة النبيّ (ص) وقرأ القرآن على عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأُبيّ بن كعب وجوّد القرآن وبرع فيه وكان يقرئ الناس في مسجد الكوفة الاعظم أربعين سنة منذ خلافة عثمان إلى أن توفي في زمن الحجاج سنة ثلاث أو أربع وسبعين وكان يعلّمهم خمس آيات خمس آيات.

دراسة الخبر:

أ ـ يظهر أنّ هذا التابعي أقرأ أهل الكوفة القرآن بعد مغادرة ابن مسعود منها على أثر امتناعه من تسليم مصحفه لوزعة الخليفة ليحرق واستمر على إقرائهم إلى عهد استاذه الامام عليّ وبعده كذلك إلى عهد الحجاج.

ب ـ كان يعلّمهم خمس آيات خمس آيات أي يعلّمهم تلاوة لفظ القرآن مع أنّه كان ممّن روى أنّ رسول اللّه (ص) كان يقرئ أصحابه عشر آيات عشر آيات لايتعدونها حتّى يعلموا ما فيها من العلم والعمل والسبب في ذلك أنّ الخلفاء منعوا من تعليم القرآن مع بيان الرسول (ص) في تفسيره. وبما ان أهل الكوفة كانوا خليطا من الموالي والعرب الّذين ابتعدوا عن موطنهم الاصلي واحتاجوا لتصحيح كلامهم أن يضع لهم الامام علي (ص) علم النحو لهذا السبب كان لابدّ له أن يعلمهم تلاوة خمس آيات خمس آيات ولا يتعدونها حتّى يتقنوا تلاوتها.

هكذا استمرّ إقراء القرآن منذ عصر الرسول (ص) باقرائه الصحابة وإقراء من قرأ على الرسول (ص) لغيره تحت إشراف الرسول (ص) وإقراء آلاف الصحابة للتابعين بعد عصر الرسول (ص) وإقراء عشرات الاُلوف من التابعين في عصر الصحابة لمئات الاُلوف بل للملايين من المسلمين تحت إشراف الصحابة، وهكذا استمرّ إقراء الاجيال المتعاقبة بلا انقطاع إلى عصرنا الحاضر ويدلّ على ما ذكرنا في عدد القرّاء في عصر الصحابة وما بعدهم ما جاء في خبر إقراء الصحابي أبي الدرداء أنّه كان يقرئ ستمائة وألف شخص وعليهم ستون ومائة عريف وأنّه بقي على ذلك زهاء سبعة عشر عاما منذ العام الثامن عشر هجرية قبل طاعون عمواس وإلى سنة وفاته عام أربعة وثلاثين بعد الهجرة فكم كان عدد التابعين الذين تخرّجوا عليه في إقراء القرآن وإذا قسنا عليه أمر آلاف الصحابة الذين بعثهم الخليفة لاقراء القرآن في أنحاء البلاد، علمنا أن عدد القرّاء كان يتجاوز ما ذكرناه.

هكذا كان شأن إقراء القرّاء مدى القرون وكان أمر التدوين كالاتي:

أمر تدوين القرآن في عصر الرسول (ص) وما بعده

بسبب أنّ الرسول (ص) نشر تعليم الكتابة في المدينة وحثّ عليها لم نعلم صحابيا بقي أُميّا ما عدا الصحابي أبي هريرة وبما أنّه حرّض وأكد على قراءة القرآن على المصحف انتشر بين الصحابة كتابة المصحف كما ذكروا ذلك لابن مسعود وغيره وكانوا قد كتبوا في مصاحفهم القرآن مع حديث الرسول (ص) في بيانه، ويؤيد ذلك ما مرّ بنا من أخبار اختلاف مصاحف الصحابة وأُمّهات المؤمنين بعضها مع بعض الاخر، ولذلك انتشر بين المسلمين كتابة المصاحف حتّى بلغ في جيش واحد جيش معاوية في صفين وعلى عهد الصحابة خمسمائة مصحف غير ان المصاحف بعد حرق عثمان المصاحف كتب فيها القرآن مجرّدا عن حديث الرسول (ص) وأصبح تعليم القرآن ـ أيضا ـ تعليم تلاوة لفظ القرآن وحده.

وإذا قارنا بين الحقائق الدامغة المذكورة وبين ما جاء في ما افتري بها على اللّه وكتابه ورسوله (ص) وأصحابه مثل قولهم:

(1) و(2) إنّ أبا موسى الاشعري قال لثلاثمائة من قرّاء البصرة: وإنّا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فأُنسيتها غير أنِّي حفظت منها: (لو كان...).

وكنّا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأُنسيتها غير أنِّي حفظت منها: (يا أيُّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون...).

(3) و(4) عن الصحابيين أنس وابن عباس مثل البهتان رقم (1).

(5) عن الصحابي أُبيّ أنّه قال: هكذا أقرأنيها رسول اللّه (ص).

(6) ان رسم السورتين الحفد والخلع كانتا في مصحف ابن عباس بقراءة الصحابيين أُبيّ وأبي موسى.

وبلغ من الشهرة مبلغا قال فيه الحافظ المقرئ ابن المنادي في كتابه ناسخ القرآن ومنسوخه: (لا خلاف بين الماضين والغابرين أنّهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى أُبيّ بن كعب) كما مرّ بنا قوله.

(7) وكذلك ما افتري بها على أحد الصحابة مثل قولهم: إنّ الصحابي ابن مسعود كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول: لا

تخلطوا القرآن بما ليس فيه و ـ أيضا ـ ما افتري بها على كتاب اللّه وأحد ولاة الجور مثل قولهم: إنّ الحجاج بدّل من المصحف أحد عشر حرفا.

(8) وإنّ الصحابي حذيفة قال: قرأت سورة الاحزاب على النبيّ (ص) فنسيت منها سبعين آية.

(9) إنّ أُمّ المؤمنين عائشة قالت: كانت سورة الاحزاب تقرأ في زمان النبي (ص) مائتي آية فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر

على أكثر ما هو الان.

إذا قارنا بين تلكم الحقائق من أخبار القرآن وهذه المفتريات علمنا أنّه يستحيل أن يصدر مثل هذه الاقوال من الصحابة ويستحيل أن يفعل الصحابي ابن مسعود ما نسب إليه والوالي الجائر الحجاج ما نسب إليه، فإنّ ما نسب إلى ابن مسعود من أنّه (كان لايكتب فاتحة الكتاب في مصحفه ويحك المعوذتين من المصحف ويقول: لاتخلطوا القرآن بما ليس منه انهما ليستا من كتاب اللّه) يدل على أنّه لم يكن يخص بفعله هذا مصحفه بل كان يفعل ذلك مع مصاحف الاخرين وإلاّ لقال: (كان يحك المعوذتين من مصحفه) ويؤيد ذلك ما جاء بعده: (لاتخلطوا القرآن) فإنّه خطاب للاخرين، وإذا علمنا من أنّ الخليفة عمر بعثه معلما للقرآن لاهل الكوفة بعد تمصيرها وبقي معلما لاهلها إلى عام حرق المصاحف على عهد الخليفة عثمان وبناء على هذا كان يقتضي أن ينتشر هذا الحذف في مصاحف أهل الكوفة ولا يقتصر على مصحف ابن مسعود.

لست أدري كيف يُفترى ذلك على الصحابي ابن مسعود والّذي قالوا في ترجمته: كان من السابقين الاولين إلى الاسلام وسادس من أسلم وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول اللّه (ص) وأنّه كان يلزم رسول اللّه (ص) ويحمل نعليه وأنّ رسول اللّه (ص) قال: من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أُنزل فليقرأ على قراءة ابن أُم عبد.

كيف يفترى على ابن مسعود ذلك؟ ألم يكن أخذ من في رسول اللّه (ص) سبعين سورة؟ ألم يكن فيها سورة الحمد؟ ألم يصل خلف رسول اللّه (ص) ويسمعه يقرأها في صلاته؟ وكيف قال الرسول (ص) في شأنه من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أُنزل فليقرأ على قراءته وهو لا يقرأ أُمّ الكتاب في صلاته ولا يكتبها في المصاحف (القرآن) ويمحو المعوذتين من المصاحف.

ولست أدري هل خفي ما نسبوه إلى الصحابي ابن مسعود على الخليفتين عمر وعثمان وسائر الصحابة ولم يعلموا به وقد مرّ بنا أنهم أخبروا الخليفة عمر باملائه القرآن من حفظه. إذ لم يكن يخفى عليه مثل هذا العمل الشنيع أم أُخبروا ولم ينكروا عليه ذلك.

لانّه لم يرد خبر بأنّهم أنكروا عليه حذفه سور الحمد والمعوذتين من المصاحف في حين إنّ الصحابة أنكروا على الخليفة معاوية عدم قراءته البسملة مع الحمد والسورة في الصلاة، وـ أيضا ـ مرّ بنا كيف أنكر الصحابي عبداللّه بن عمر بن الخطاب على الوالي الجائر الحجاج عندما صعد المنبر بمكّة بعد قتله ابن الزبير وقال في خطبته: (ان ابن الزُّبير غيّر كتاب اللّه) فجابهه ابن عمر في الملا الحاشد وقال له: (ما سلطه اللّه على ذلك ولا أنت معه ولو شئت أن أقول كذبت فعلت) ومعنى قول الصحابي ابن عمر ما سلطه اللّه على ذلك ولا أنت: أنّ الصحابي ابن الزُّبير الّذي بويع بالخلافة والوالي الجبار الحجاج ليست لهما قدرة على تبديل شيء من القرآن، وقوله هذا مصداق لقوله تعالى: (إِنَّا نحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).


10 مرت ترجمته في هذا الكتاب.