ثالثا ـ دراسة روايات اختلاف المصاحف والزيادة والنقيصة في القرآن ـ معاذ اللّه

تنقسم روايات اختلاف مصاحف الصحابة إلى أربعة أنواع

أ ـ ما لم يفهم معنى الرواية فيه لتغيير معنى المصطلح الاسلامي الّذي جاء فيه في عصرنا عن معناه في عصر الصحابة.

ب ـ ما افتري بها على اللّه وكتابه ورسوله (ص) وأصحابه أو زيد في الرواية الصحيحة وحرّفت.

ج ـ ما لم يفهم منها معنى كلام الصحابي وفي بعض منها لم ترو الرواية بلفظ الصحابي نسيانا أو تعمدا.

د ـ ما افتري بها على كتاب اللّه وأحد ولاة الجور.

أ ـ ما لم يفهم فيه معنى الرواية لتغيير معنى المصطلح الّذي جاء فيه في عصرنا

أ ـ في صحيح مسلم وغيره: ان أُمّ المؤمنين عائشة أمرت أن يكتب مولاها لها مصحفا وقالت له إذا بلغت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطى) آذني فلمّا بلغها وآذنها أمرته أن يكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر).

وجاء نظيره عن أُمّ المؤمنين حفصة وعن أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة وابن عباس.

وجاء في رواية ان أُمّ المؤمنين حفصة قالت: (لاتكتبها حتّى أُمليها عليك كما سمعت رسول اللّه (ص) يقرأها...).

ب ـ ما جاء في تفسير الطبري: إنّ ابن عباس أعطى الراوي مصحفا وقال: هذا على قراءة أُبيّ وفيه (فما استمتعم به منهنَّ ـ إلى أجل مسمّىً ـ ).

ج ـ ما جاء في تفسير السيوطي عن ابن مسعود: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص): (يا أيُّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك ـإن عليّا مولى المؤمنينـ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته).

دراسة الروايات الانفة:

جاء في روايات مصاحف أُمّهات المؤمنين: إنّ كل واحدة منهن قالت لمن يكتب لها المصحف: إذا بلغت (والصلاة الوسطى) آذني فلمّا بلغها وآذنها أمرته أن يكتب بعدها: (وصلاة العصر).

وفي رواية قالت أُمّ المؤمنين حفصة: (ولا تكتبها حتّى أُمليها عليك كما سمعت رسول اللّه (ص) يقرأها...).

يظهر من هذه الروايات أن كلّ واحدة من أُمّهات المؤمنين كان لديها مصحف ليس فيه (وصلاة العصر) المبيّنة للصلاة الوسطى وأمرت الكاتب أن يكتبها في مصحفها.

وأبانت أُمّ المؤمنين حفصة أنّها سمعته من رسول اللّه (ص).

إذا فقد كان القرآن مدوّنا في مصاحف يكتب فيها أصحابها ما سمعوه من رسول اللّه (ص) في بيان الايات. وبهذا المعنى جاء في رواية ابن عباس أنّه أعطى الراوي مصحفا وقال هذا على قراءة أُبيّ وفيه: (فما استمتعتم به منهن ـإلى أجل مسمّىًـ فآتوهنّ أُجورهنّ) في قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). (النِّساء / 24)

وما جاء عن ابن مسعود أنّه قال:

كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص): (يا أيُّها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربّك ـ إنّ عليا مولى المؤمنين ـ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) بزيادة إنّ عليا مولى المؤمنين في الاية 67 من سورة المائدة.

فإنّ كلا من (أجل مسمىً) في الاية الاُولى و(إنّ عليا مولى المؤمنين) في الاية الثانية كان بيانا للاية ممّا سمعه صاحب المصحف عن رسول اللّه (ص).

وبناء على ذلك لم يكن اختلاف مصاحف الصحابة بمعنى اختلافها في النصّ القرآني بل كان اختلافا في تدوين بعضهم في مصحفه ما تلقاه عن رسول اللّه (ص) في بيان الايات وعدم تسجيل الاخر في مصحفه ذلك البيان لعدم سماعه من رسول اللّه (ص) ذلك البيان أو لعدم رغبته في تسجيل ذلك النصّ في مصحفه.

ونرى أنّ ما جاء في رواية: أنّه كان في مصحف ابن عباس على قراءة أُبيّ (إلى أجل مسمّىً) بعد قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ).

وما جاء في رواية أُخرى ان ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص) إنّ عليا مولى المؤمنين بعد قوله تعالى:

(بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ) هما نظيرا ما جاء ان أُمّهات المؤمنين كتبن في مصاحفهن بعد (والصلاة الوسطى): وصلاة العصر وإن ذلك كان ممّا سمعنها من رسول اللّه (ص).

ونستنتج من ذلك ان قولهم: جاء في قراءة أُبيّ أو ابن مسعود أو غيرهما هو مثل قولهم: جاء في مصحف الصحابي فلان وكلاهما بمعنى واحد سواء أكان في الرواية: (في قراءة أُبيّ كذا) أو جاء (في مصحف أُبي كذا).

* * *

في ضوء ما تقدم بيانه ندرس روايات اختلاف المصاحف بإذنه تعالى.

نتيجة البحث:

مرّ بنا في بحث المصطلحات من المجلّد الاوّل: أنّ القرآن اسمه في المصطلح القرآني (القرآن) وليس غيره وان الاسماء الّتي استخرجها العلماء للقرآن من الايات الكريمة مثل الكتاب والنور والموعظة وغيرها إنّما هي صفات للقرآن.

وأن المصحف في اللّغة اسم للصحف الّتي تجمع بين الدفتين مثل مصحف خالد بن معدان الّذي كان علمه في مصحف له أزرار وعرى وبهذا المعنى استعمل في عصر الصحابة، وبناء على ذلك كان المصحف في عصر الصحابة يستعمل في كل صحف جمعت بين الدفتين قرآنا كان أو غير قرآن وفي عصرنا أصبح المصحف اسما علما للقرآن وحده.

وأن الاقراء كان في المصطلح القرآني بمعنى تعليم لفظ القرآن مع تعليم معناه والمقرئ من يقوم بتعليم القرآن كذلك والقارئ وجمعه القرّاء من تعلّم القرآن كذلك. وبناء عليه فإنّ جزا من معنى الاقرأ تعليم لفظ القرآن وجزا آخر منه تعليم تفسير القرآن، ونقلنا عن مفردات القرآن للراغب انّه إذا كان لمعنى اللفظ جزءان جاز استعماله في كليهما معا وجاز استعماله في أحد المعنيين منفردا مثل المائدة الّتي هي اسم للخوان مع الطعام ويجوز استعماله فيهما معا وفي أحدهما بالانفراد.

وأنّ في أُخريات عهد الخليفة عمر استُعمِل الاقراء في تعليم معنى القرآن وبهذا المعنى ـ أيضا ـ استعمل في حديث جاء في صحيح البخاري وغيره من أنّ ابن عباس كان يقرئ عبدالرّحمن بن عوف وأمثاله من الصحابة في آخر سنة حج فيها عمر بن الخطاب القرآن في منى أي في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة ولم يكن صحابة مهاجرون أسلموا قريبا من السنة الخامسة بعد البعثة مثل عبدالرّحمن بن عوف يتعلمون تلاوة ألفاظ القرآن يومذاك بعد أن مضى على إسلامهم بمكة ثماني سنوات وفي المدينة ثلاث وعشرون سنة بل كانوا يتعلمون منه تفسير القرآن، وقد مرّ بنا انّ الخليفة عمر كان يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن وكان ممّن رشّحه الخليفة لتفسير القرآن على عهد خلافته ونجد كثيرا من تفسير معنى اللفظ من ابن عباس في الدر المنثور للسيوطي مثل قوله في ( 1 / 25) منه:

(الَّذِين يُؤمنون بالغَيب) البقرة / 3: ما غاب عنهم من أمر الجنّة والنار.

وفي (1 / 29) منه:

(ختم اللّه على قلوبهم) البقرة / 7: طبع اللّه عليها.

وفي (1 / 30) منه:

(في قلوبهم مرض) البقرة / 10: النفاق، إلى ثلاثين موردا آخر.

وثلاثين موردا في الجزء الثاني وأربعة وأربعين موردا في الجزء الثالث وفي الجزء الخامس ستا وخمسين موردا وفي الجزء السادس أربعة وسبعين موردا.

هكذا كان يقرئ ابن عباس القرآن وإن شئت فقل في كل مورد منه هكذا كانت قراءة ابن عباس فتقول مثلاً:

((يؤمنون بالغيب)) في قراءة ابن عباس: (ما غاب عنهم) من أمر الجنّة والنار.

((ختم اللّه على قلوبهم)) في قراءة ابن عباس: (النفاق).

ومن هذا القبيل ما رواه الطبري: كان ابن مسعود يقول: الياس هو ادريس، فقرأ: وان ادريس لمن المرسلين. وقرأ: سلام على ادراسين(4).

قال مجاهد: كنا لاندري ما الزخرف، حتى رأيناه في قراءة ابن مسعود: أو يكون لك بيت من ذهب(5).

وفسر الزمخشري اليدين في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) باليمينين، لان ابن مسعود قرأ: فاقطعوا أيمانهما(6).

وقرأ: (إنِّي نذرت للرحمن صمتا فلن أُكلم اليوم انسيا)(7) بدل ((صوما)) لانّ الصوم المنذور كان صوم صمت.

وقرأ: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أمهلونا نقتبس من نوركم) (8) بدل ((انظرونا)) لان المقصود هو الامهال.

وقرأ: (ان كانت إلاّ زقية واحدة)(9) بدل ((صيحة واحدة ))


4 تفسير الطبري 23 / 96. والاية في سورة الصافات / 123 و 130.

5 تفسير الطبري 15 / 163. والاية في سورة الاسراء / 93.

6 الكشاف 1 / 459. والاية في سورة المائدة / 38.

7 تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 340 والاية في سورة مريم / 26.

8 الاتقان 1 / 47 . والاية في سورة الحديد / 13 .

9 سورة يس / 29 و 53.