ثانيا ـ دراسة روايات جمع القرآن وزمان روايتها ومكانها

جاء في روايات صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنن والمسانيد والمعاجم الحديثية ما خلاصته:

أ ـ أن الرسول (ص) وجميع الصحابة أهملوا تدوين القرآن وعندما استحر القتل بالقرّاء يوم اليمامة خشي الخليفة أبو بكر أو الصحابيان زيد وعمر أن يذهب كثير من القرآن فعزموا على جمع القرآن، ولست أدري كيف استحر القتل بالقرّاء وكان عددهم قريبا من ثلاثة آلاف قارئ فقتل منهم على أكثر تقدير خمسون قارئا!؟

لست أدري كيف رووا أن القرآن لم يجمع قبل ذلك ومرّ بنا أن ختن الخليفة عمر بن الخطاب وأُخته كان في بيتهما بمكّة القرآن مكتوبا يتدارسونه، وفي المدينة كان رسول اللّه (ص) كلما نزل عليه شيء من القرآن أمر من حضر من كتّابه أن يكتبها في محلّها

من السورة كما عيّنه جبرائيل بوحي من اللّه.

وقد مرّ بنا في بحث المصطلحات ان الكتاب مصدر سُمي به المكتوب وبناء على ذلك فان القرآن الكريم كان مجموعا في كتاب في زمن الرسول (ص) وإلى هذا أشار استاذ الفقهاء السيِّد الخوئي وقال:

(وقد أُطلق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من آياته الكريمة، وفي قول النبيّ (ص): ((إنِّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي)) وفي هذا دلالة على انّه كان مكتوبا مجموعا، لانّه لايصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور، بل ولا على ما كتب في اللخاف، والعسب، والاكتاف، إلاّ على نحو المجاز والعناية، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فان لفظ الكتاب ظاهر في ما كان له وجود واحد جمعي، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مُجزّأً غير مجتمع، فضلا عما إذا لم يكتب، وكان محفوظا في الصدور فقط)(3).

وأمر رسول اللّه (ص) عليّا من بعده أن لايرتدي رداءه حتى يجمعه ففعل كما مرّ بنا خبره، وإنّما اهتم الرسول (ص) بنشر الكتابة في المدينة ليكتب المسلمون القرآن وحث أصحابه على جمع القرآن حفظا وتدوينا وحرّضهم على تلاوة القرآن في المصحف وإن كانوا قد جمعوه حفظا عن ظهر قلب.

فتسابقوا على تدارسه وحفظه وتدوينه في المصحف وذكروا أن عبداللّه بن مسعود كان له مصحفٌ ومع ذلك كان يملي القرآن عن ظهر قلب وكان لكلّ من أُمّهات المؤمنين عائشة وحفصة وأُم سلمة مصحفٌ وكذلك كان لغيرهم من الصحابة مصاحف ولا يمكن إحصاء من كان عنده مصحفٌ من الصحابة، وإنّما ذكر أسماء بعض من كان عنده مصحفٌ منهم لمناسبة في بعض أخباره وقد مرّ بنا أن جيش معاوية رفعوا يوم صفين خمسمائة مصحف على الرماح فكم كان عدد المصاحف الّتي كانت في بلاد الشام وعند غير من حضر منهم في جيش معاوية وكم كان عدد المصاحف في جيش الامام علي وكم عدد المصاحف في الكوفة والبصرة والمدينة ومكّة وبلاد اليمن والاسكندرية وفي آلاف البلاد الاسلامية الاُخرى ومتى كتبت تلك المصاحف؟

ب ـ جاء في الروايات أنّهم عندما قاموا بجمع القرآن كانوا لايقبلون شيئا إلاّبشهادة اثنين ووجدوا (لقد جاءكم رسول ...) في آخر سورة براءة عند خزيمة ولم يجدوها عند غيره فكتبوها لان الرسول (ص) جعل شهادته بشهادة رجلين.

وأن زيدا قال: فقدنا آية من الاحزاب حتى نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول اللّه (ص) يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهِ) الاية / 23 فألحقناها بها.

أو أنّهم على عهد عثمان ربّما اختلفوا في كتابة آية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه (ص) ولعلّه يكون غائبا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ويدعون موضعها حتى يجيء أو يرسل إليه فيأخذونها منه.

لست أدري كيف رووا في ما وصفوه بالصحيح كلّ ذلك! أَوَلم يكن في المدينة من الصحابة أمثال عبداللّه بن عمرو الّذي أراد أن يقرأ القرآن بصلاة الليل ليلة واحدة فنهاه الرسول (ص) عن ذلك، وأين كان عنهم الا مام علي ومصحفه الّذي جمعه من بيت الرسول (ص)؟ وعبداللّه بن مسعود الّذي كان يملي القرآن عن ظهر قلب وله مصحف لم يسلّمه لوزعة الخليفه عندما أرادوا حرق المصاحف وأين كان عنهم آلاف القرّاء الذين كانوا قد جمعوا القرآن على عهد الرسول (ص) ممّن ذكرنا أسماء بعضهم في ما سبق؟ وألم يكن زيد بن ثابت نفسه ممّن جمع القرآن على عهد الرسول (ص) وكان قد حفظ من القرآن قبل هجرة الرسول (ص) إلى المدينة سبعا وثلاثين سورة!

لست أدري كيف يروون ما رووا وقد كان في البصرة وحدها على عهد الخليفة عمر ثلاثمائة قارئ ممّن جمع القرآن وكان في الشام من الصحابة من يملي القرآن على ألف وستمائة متعلم.

وأخيرا كيف يروون أنّ بعض آيات القرآن لم يجدوها عند غير خزيمة وأخذوها منه وحده وبعضها كان عند من كان خارج المدينة فيكتبون ما قبلها وما بعدها ويتركون كتابتها حتّى يأتي الرجل ويملي عليهم الاية.

وان الخليفة عمر سأل عن آية فقيل له: كانت مع فلان واستشهد يوم اليمامة وأين كان منهم ثلاثة آلاف من القرّاء الذين اشتركوا في قتال اليمامة ولم يقتل منهم أكثر من خمسين.

ليس من المعقول أن تجري تلك المحاورات بين الصحابة ومنهم زيد جامع القرآن على عهد الرسول ومعهم في المدينة آلاف القرّاء وما لانعرف عدده من المصاحف، فلابدّ إذا أن تلكم الروايات رويت بادئ بدء خارج المدينة وانتشرت في غيرها من البلاد ثمّ انتقلت متدرجا إلى المدينة بعد عصر الصحابة والتابعين ودوّنت في عصر التدوين في كتب الحديث، ولعلّ سبب التناقض في روايات جمع القرآن أن بعض الرواة أسند جمع القرآن إلى الخليفة عثمان عملا بأمر الخليفة معاوية في رواية الحديث في فضائله وبعد أمره الثاني أن يرووا من فضائل الخليفتين الاوّلين أسند بعضهم ذلك إلى الخليفة أبي بكر وآخرون إلى الخليفة عمر وهكذا وجدت الروايات المتناقضة في شأن القرآن.

لست أدري كيف يفترى على اللّه أنّه أهمل التوصية بجمع القرآن وتدوينه وعلى رسوله (ص) وأصحابه أنّهم أهملوا جمع القرآن وتدوينه وأضافوا إلى ذلك ما رووه عنهم في ضياع آيات من القرآن وقد قال اللّه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)

والانكى من كل ذلك أنّهم يسمون هذه الروايات بالصحيحة لانّهم يرون عصمة صحيحي البخاري ومسلم عن إيراد غير الصحيح فيهما ولا يرون ذلك لكتاب اللّه العظيم ولرسوله الكريم وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.


3 تفسير البيان للسيِّد الخوئي، ص 271.