أخبار الكتاب والسنّة على عهد الخليفة القرشيّ عمر

ذكرنا أن الخليفة عمر هو الصحابي الّذي رفع ـ حسب اجتهاده ـ بكل صلابة شعار حسبنا كتاب اللّه في وجه رسول اللّه (ص) وفي آخر ساعة من حياته وعلى أثر ذلك وقع ما وصفه ابن عم الرسول (ص) عبداللّه بن عباس بقوله: (الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب) و(بكى حتّى خضّب دمعه الحصباء) (فلمّا أكثروا اللغط قال رسول اللّه (ص): قوموا عنّي لا ينبغي عند نبي تنازع)(40).

وعمل باجتهاده في عصر خلافته بكل شدة وقوة ورفع شعار: جردوا القرآن عن حديث الرسول، كما مرّ بنا نقلا عن تاريخ الطبري في ذكر بعض سيرة الخليفة عمر أنّه كان إذا استعمل العمال خرج يشيعهم ويقول لهم: (جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن

محمّد وأنا شريككم). وكان من الولاة الّذين أوصاهم بذلك:

أ ـ أبو موسى الاشعري، كما رواه ابن كثير في تاريخه وقال: لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي بالقرآن كدوي النحل فدعهم على ما هم عليه ولا تشغلهم بالاحاديث وأنا شريكك في ذلك، قال ابن كثير: (وهذا معروف عن عمر)(41).

ب ـ قرضة بن كعب الّذي قال ما موجزه: لما سيرنا عمر إلى العراق خرج يشيعنا وقال لنا ـ خارج المدينة ـ إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالاحاديث عن رسول اللّه (ص) وأنا شريككم! قال قرضة: فما حدثت بعده حديثا عن رسول اللّه (ص) وكان إذا قالوا له: حدثنا، يقول: نهانا عمر.

ونكل بصبيغ بن عسل من أشراف قبيلة تميم حيث كان يدور في الاجناد، الكوفة والبصرة يسأل عن تفسير آيات القرآن حتى بلغ جند الاسكندرية فأخبر والي الاسكندرية عمرو بن العاص الخليفة بذلك فطلب منه إرساله إلى المدينة فلمّا أُخبر الخليفة بوصوله أحضر رطائب من جريد نخل وضربه حتى دمي رأسه فقال: يا أمير المؤمنين! حسبك قد ذهب الّذي كنت أجده، ثمّ تركه حتى برئ ثمّ عاد حتى اضطربت الدماء في ظهره ثمّ تركه حتّى برئ.

وفي الثالثة قال له صبيغ: ان كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا وإن كنت تريد أن تداويني فقد واللّه برئت(42). أرسله على قتب إلى أبي موسى الاشعري وكتب ألاّيجالس صبيغا وأن يحرم عطاءه ورزقه. قال الراوي: فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه.

وفي رواية أُخرى: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنّه بعير أجرب يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لايعرفونه فتناديهم الحلقة الاُخرى عزمة أمير المؤمنين عمر فيقومون ويدعونه فلم يزل كذلك حتّى أتى أبا موسى فحلف له بالايمان المغلظة ما يجد في نفسه ممّا كان شيئا فكتب في ذلك إلى الخليفة فكتب إليه ما أخاله إلاّ قد صدق فخل بينه وبين مجالسة الناس فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم(43).

كان ذلكم عمله مع من يسأل عن تفسير القرآن وفي الخبر الاتي عن عمله في من كان معه مصحف فيه تفسير:

في كنز العمال عن عامر الشعبي قال: كتب رجل مصحفا وكتب عند كل آية تفسيرها فدعا به عمر فقرضه بالمقراضين(44).

كل ما ذكرناه كان يخص أمر تفسير القرآن وكان مهتما بأمر تعليم تلاوة القرآن، وكان ممّن يعلم تلاوة القرآن من عماله أبو موسى الاشعري كما جاء بترجمته من حلية الاولياء (1 / 256) بسنده عن أبي رجاء العطاردي أنّه قال: كان أبو موسى الاشعري يطوف علينا في هذا المسجد، مسجد البصرة يقعد حلقا، فكأني أنظر إليه بين بردين أبيضين يقرئني القرآن ومنه أخذت هذه السورة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) قال أبو رجاء: فكانت أوّل سورة أُنزلت على محمّد رسول اللّه (ص).

ومرّ بنا ان ابن مسعود كان يملي القرآن على الناس في الكوفة عن ظهر قلبه.

وان الخليفة كتب إلى امراء الاجناد أن ارفعوا إلي كل من حمل القرآن (أي حفظه عن ظهر قلب) حتّى أُلحقهم في الشرف من العطاء وأُرسلهم في الافاق يعلِّمون الناس فجمع أبو موسى الاشعري القرّاء وقال: لاتدخلوا عليَّ إلاّ من جمع القرآن فدخلوا عليه زهاء ثلاثمائة قارئ جمع القرآن.

وان عبدالرّحمن بن ملجم كان من قرّاء القرآن فكتب عمر إلى عمرو بن العاص قرِّب داره من المسجد ليعلّم الناس القرآن والفقه(45).

وأنّه أرسل إلى مدن الشام للاقراء معاذ بن جبل وأبا الدرداء وعبادة بن الصامت، وأن أبا الدرداء كان إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه فكان يجعلهم عشرة عشرة وعلى كل عشرة عريفا ويقف وهو في المحراب يرمقهم ببصره فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله وأنّه ناف عددهم على ألف وستمائة، ويظهر من الرواية الاتية انّ بعضهم كان يسافر إلى المدينة لاخذ القرآن من منبعه مباشرة.

جاء في مصاحف ابن أبي داود السجستاني:

عن عطية بن قيس قال: انطلق ركب من أهل الشام إلى المدينة يكتبون مصحفا لهم فانطلقوا معهم بطعام وادام فكانوا يطعمون الذين يكتبون لهم، قال وكان أُبيّ بن كعب يمر عليهم يقرأ عليهم القرآن. قال: فقال له عمر: يا أُبيّ بن كعب كيف وجدت طعام الشامي؟ قال: لاوشك إذا ما نشبت في أمر القوس ما أصبت لهم طعاما ولا إداما(46).


40 راجع صحيح البخاري كتاب العلم، باب كتابة العلم، 1 / 22، وكتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، 2 / 136، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب كراهة الخلاف، 4 / 180، وكتاب المرضى، باب قول المريض: قوموا عنّي، 4 / 5، وكتاب المغازي، باب مرض النبي (ص)، 3 / 62، وكتاب الجهاد والسير، باب: هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم، 2 / 120؛ وصحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية بآخر الباب، 5 / 75 وراجع سائر مصادره في أول بحث السقيفة من (عبداللّه بن سبأ ج 1). وينبغي لي أن أُسجل هنا وأقول: يحز في نفسي أن أذكر أمثال هذه الحوادث من تاريخنا الاسلامي وأنا أعلم ان بسبب ذكرها تنقبض عني نفوس كريمة علي ولكن لابدّ ممّا لابدّ منه فانّه لن يتيسر لنا دراسة الروايات الّتي تبعث الشك في ثبوت النصّ القرآني كما أُوحي إلى الرسول (ص) دون دارسة أسباب انتشار تلكم الروايات كما قمنا به في هذه البحوث بمنه تعالى.

41 تاريخ ابن كثير 8 / 107.

42 سنن الدارمي 1 / 54 ـ 55؛ وتفسير آية (الذاريات) بتفسير القرطبي والاتقان للسيوطي. وقد مرت مصادره مفصلا.

43 تاريخ ابن عساكر مخطوطة الظاهرية بدمشق، مصورة المجمع العلمي الاسلامي (8 / ق 1 / ورقة 117 ـ 118).

44 كنز العمال ط. دائرة المعارف العثمانية حيدرآباد سنة 1364ه، 2 / 204، ح: 3023.

45 راجع أخبار القراءة والاقراء في عصر عمر في هذا الكتاب.

46 مصاحف ابن أبي داود ط. مصر سنة 1355ه، ص 157. وعطية بن قيس الكلابي أبو يحيى الحمصي ويقال الدمشقي، وقال عبدالواحد بن قيس كان الناس يصلحون مصاحفهم على قراءة عطية بن قيس وتوفي سنة 110ه. تهذيب التهذيب 7 / 228.