أوّلا ـ اهتمام الرسول (ص) بأمر تدوين القرآن:
عندما هاجر الرسول (ص) إلى المدينة كان فيها من الاوس والخزرج أحد عشر رجلا يكتب بالاضافة إلى سبعة عشر رجلا من القرشيين الّذين كانوا يكتبون في مكّة وهاجروا متدرِّجا إلى المدينة، ومن النِّساء المهاجرات الشّفاء بنت عبداللّه القرشية العدوية وهي الّتي علّمت حفصة الكتابة(37).
وفي ترجمة الحكم عبداللّه بن سعيد بن العاص الاموي من أُسد الغابة والاصابة: أنّه قدم على النبيّ (ص) مهاجرا وكان اسمه الحكم فسمّـاه النبيّ (ص) عبداللّه وكان يكتب في الجاهلية فأمره رسول اللّه (ص) أن يعلم الكتاب بالمدينة وكان كاتبا محسنا.
وجعل فدية من يعرف الكتابة من أسرى قريش في غزوة بدر تعليم كل واحد منهم الكتابة لعشرة من صبيان المدينة.
وانتشرت القراءة والكتابة في المدينة بين الكبار والصغار والرجال والنِّساء، فقد كان في النِّساء ممّن تكتب : حفصة
زوجة الرسول (ص) وأُم كلثوم بنت عقبة وعائشة ابنة سعد وقاص وقد علّمها أبوها الكتابة وكريمة ابنة المقداد وزوجتا الرسول (ص) عائشة وأُم سلمة كانتا تقرآن ولا تكتبان.
ثانيا ـ كيفية تدوين القرآن:
كان تدوين القرآن بوحي من اللّه وتعليم الرسول (ص) مصداقا لقوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)، مرّ بنا عن الصحابي عثمان بن أبي العاص أنّه قال: كنت عند رسول اللّه (ص) إذ شخص ببصره... فقال: أتاني جبرائيل فأمرني أن أضع هذه الاية بهذا الموضع من هذه السورة: (إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالا ِ حْسَانِ...).
وكان رسول اللّه (ص) يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد ـالايات الكثيرةـ وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة الّتي تقول فيها كذا وكذا...
وكان الرسول (ص) يهتم بانتشار تعلّم الكتابة في المسلمين لتدوين القرآن إلى جنب جمعهم القرآن حفظا عن ظهر قلب، ولا يتيسر إحصاء من جمع القرآن حفظا عن ظهر قلب في عصر الرسول (ص) من الصحابة فقد مرّ بيان أنّه كان يسمع لمسجد رسول اللّه (ص) ضجّة بتلاوة القرآن فأمرهم رسول اللّه (ص) أن يخفضوا أصواتهم لئلاّ يتغالطوا وكان حفظهم للقرآن عن ظهر قلب حفظ نصّ كلام اللّه سبحانه.
وكذلك كان من تعلّم الكتابة يتسابق إلى تدوين القرآن على ما حضرهيكتب عليه كما تعلّمه من الرسول (ص)، أي أنّه كان يكتب النص القرآني مع بيان الرسول (ص) ممّا أُوحي إليه في تفسير الايات فإن ابن مسعود مثلا كان ممّن تعلّم من الرسول (ص) عشر آيات عشر آيات من القرآن مع ما أُوحي إلى الرسول (ص) حوله من العلم، وعندما قال: (أخذت من في رسول اللّه (ص) سبعين سورة وإنّ زيد بن ثابت له ذؤابتان)، أي أخذها من في رسول اللّه (ص) مع ما أُوحي إليه في بيانها وعندما كتب نسخته من المصحف كتب فيه ما أخذه من كلام اللّه الّذي أوحاه إلى رسوله (ص) مع بيانه الّذي ـ أيضا ـ أوحاه إلى رسوله (ص)، ولم ينحصر ما اخذه من في رسول اللّه (ص) بالسبعين سورة وانّما استمر أخذه من في رسوله اللّه (ص) بعد ذلك ـ أيضا ـ حتّى كتب المصحف كاملا على عهد الرسول (ص) كذلك، و ـ أيضا ـ لم ينحصر أمر أخذ القرآن وتفسيره من في رسول اللّه (ص) وكتابته كذلك بالصحابي ابن مسعود وإنّما قام بذلك كل من استطاعه والّذي مرّ بنا ذكره.
ومن هنا نعتقد أنّه لايمكن التكهن بعدد من جمع القرآن عن ظهر قلب من المسلمين في المدينة وخارجها قبيل وفاة الرسول (ص) بالمئات ولا بالاُلوف وكذلك لايمكن حصر من كتبه منهم بالمئات ولا الاُلوف.