ثانيا ـ نظام المفاضلة:

جعل أقرأهم للقرآن إماما للجمعة والجماعة وواليا عليهم في المدينة وان كان أصغرهم سنّا، ونشر الاهتمام بحفظ السور الطوال وخاصّة سورة البقرة وجعلها شعارا في غزوة حنين وأمر العباس أن ينادي عند فرارهم: يا أصحاب سورة البقرة. وكذلك تنادوا بها بعد وفاة الرسول (ص) في حرب مسيلمة فتجمهروا في المعركتين وكرّوا وانتصروا، ولم يجر هذا النظام في تعيين قوّاد الجيوش بل اتخذ من أكثرهم دراية لادارة دفة الحرب لامارة الجيوش في الحروب.

وسمّى الرسول (ص) البقرة وآل عمران بالزهراوين وكان يقرأهما في صلاة الليل وأحيانا يقرأهما مع سورة النِّساء.

وكذلك اهتمّ الصحابة بحفظ سورة البقرة عن ظهر قلب مثل الصحابي عمر ابن الخطاب.

وممّا عمله الرسول (ص) في المفاضلة أن جعل أكثر الشهداء في أُحد حفظا للقرآن أمام أصحابه في القبر.

وقال (ص) في فضل من حفظ القرآن عن ظهر قلب يوم القيامة عدّة أحاديث مثل قوله (ص): من تعلّم القرآن فاستظهره وحفظه أدخله اللّه الجنّة وشفّعه في عشرة من أهل بيته.

وقال في فضل تعليم القرآن: يا عليّ تعلّم القرآن وعلّمه الناس فلك بكل حرف عشر حسنات فإن متّ متّ شَهيدا... حجّت الملائكة إلى قبرك كما تحجّ الناس إلى بيت اللّه العتيق.

وقوله (ص): ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفظتهم الملائكة وذكرهم اللّه في من عنده.

وفي نتيجة كلّ ذلك كان يسمع لمسجد رسول اللّه (ص) ضجّة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول اللّه (ص) أن يخفضوا أصواتهم لئلاّ يتغالطوا وأصبحت دور المهاجرين والانصار أماكن لاقراء القرآن، وعلى أثر ذلك كثر في الصحابة من حفظ القرآن عن ظهر قلب وبلغ عدد القرّاء منهم درجة لا يمكن حصرهم وعدّهم إلاّ من ذكر اسمهم لمناسبه مثل خبر القرّاء السبعين من شببة الانصار يقال لهم القرّاء يتدارسون القرآن ليلا فأرسلهم الرسول (ص) ليقرئوا بعض القبائل العربية خارج المدينة فاستشهدوا جميعا غير واحد منهم، ووجدنا ذكر قرابة أربعين صحابيا ذكرت أسماؤهم في مناسبات في عداد القرّاء وجامعي القرآن وكان فيهم مثل عبداللّه بن عمرو بن العاص الّذي أراد أن يختم القرآن في ليلة فنهاه الرسول (ص) عن ذلك وأرشده إلى أن يقرأه في سبع ليال، وكل ذلك يناقض ما رواه أنس من أنّه حصر من جمع القرآن على عهد الرسول (ص) في الانصار دون المهاجرين وـ أيضا ـ جعل هذه الميزة لقبيلته من الخزرج دون قبيلة الاوس من الانصار.

اهتمام الرسول (ص) بسور خاصّة:

اهتمّ الرسول (ص) بذكر سورة هود وأخواتها الواقعة والحاقة وإذا الشمس كورت والمرسلات وعمّ يتساءلون والقارعة وسأل سائل لما جاء فيها من تخويف وأمثلة ممّا جرى على الاُمم السالفة من العذاب.

وقال ـ أيضا ـ : أُعطيت مكان التوراة السبع الطوال وأُعطيت مكان الزبور المئين وأُعطيت مكان الانجيل المثاني وفضلت بالمفصل.

والسبع الطوال البقرة وآل عمران والنِّساء والمائدة والانعام والاعراف والكهف. والمئون ما وليها سميت بذلك لانّ كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها، والمثاني ما ولي المئين والمفصل ما ولي المثاني في قصار السور آخر سورة الناس بلا نزاع(36).

وسنّ نظاما للمفاضلة بحفظ القرآن وخاصّة السور الطوال وعيّن ممّن حفظ السور الطوال الولاة وكذلك كان شأنه وشأن سائر المسلمين في مجتمعاتهم خارج المدينة حيث أرسل لكل مجتمع إسلامي مقرئا يقرئهم القرآن ويحذون حذوه في أمر نشر تعليم القرآن في تلكم المجتمعات، ولا يتيسر إحصاء من حفظ القرآن عن ظهر قلب من المسلمين في عصر الرسول (ص) وكذلك من كتبه مع بيان الرسول حوله والّذي تلقاه بواسطة الوحي. وما روي عن أنس في حصر من جمع القرآن من أقربائه عن ظهر قلب بأربعة أو خمسة فإنّه مردود بما تواتر من أخبار من جمع القرآن وكتبه من غير أفراد قبيلته، وما بلغنا من أخبار من جمع القرآن أو كتبه أو حفظ منه ما حفظ إنّما ذكر لمناسبة استدعت ذكر من حفظه عن ظهر قلب أو حفظه مثل خبر عبداللّه بن عمرو الّذي كان قد جمع القرآن وكان يريد أن يتلوه في أقل من سبعة ليال فنهاه الرسول (ص) عن ذلك؛ ومثل خبر المصحف الّذي كان في بيت الرسول (ص) وجمعه الامام علي وعرضه عليهم في مسجد الرسول (ص) فأبوا أن يقبلوه؛ وخبر إملاء ابن مسعود القرآن في الكوفة عن ظهر قلب وعدم تسليمه مصحفه لوزعة الخليفة عندما أحرقوا نسخ القرآن عند الصحابة، أو خبر الشهيدة أُم ورقة من النِّساء، أو خبر من كان كتب في مصحفه مع كل آية تفسيرها ـ أي ما بين الرسول (ص) في حديثه حولها ـ فقرض الخليفة عمر تفسير الايات بالمقراضين، أو خبر حفظ زيد بن ثابت سبع عشرة سورة من القرآن قبل أن يهاجر الرسول (ص) إلى المدينة، أو قول ابن مسعود أخذت من في رسول اللّه (ص) نيفا وسبعين سورة وزيد له ذؤابتان، أو نحر الصحابي جزورا عند إتمامه حفظسورة البقرة عن ظهر قلب، أو مثل خبر اشتراك ثلاثة آلاف قارئ في معركة اليمامة قرابة سنة بعد وفاة الرسول (ص) في جيش بلغ عدد أفراده ثلاثة عشر ألف مقاتل أكثرهم من أعراب البوادي.

وإذا كان في هذا الجيش وحده ثلاثة آلاف قارئ فكم كان عدد القرّاء الّذين لم يشتركوا مع هذا الجيش ممن كانوا في المدينة ومكة والطائف وسائر المجتمعات الاسلامية يومذاك؟ مثل الامام علي من الرجال والقارئة الشهيدة أُم ورقة من النِّساء في المدينة، وصرّح المؤرخون انّ عدد القتلى من المسلمين كان أربعمائة وخمسين أو خمسمائة وفي الشهداء خمسون أو ثلاثون من حمله القرآن. ذكر خليفة بن خياط في تاريخه أسماءهم وأنسابهم كما ذكروا في سائر كتب السيرة أسماء الشهداء في غزوة بدر وأُحُد وغيرهما من غزوات الرسول (ص).

وبناء على ذلك بقي من القرّأ في ذلك الجيش وحده خمسون وتسعمائة وألفا قارئ على أقل تقدير، وان هذه الاخبار تناقض ما رووا.

* * *

كان ذلكم موجزا عاما لاخبار القرآن في عصر الرسول (ص)، وفي ما يأتي نورد بإذنه تعالى موجز أخبار تدوين القرآن في ذلك العصر.


36 الاتقان للسيوطي 1 / 65.