موجز عام لاخبار القرآن في عهد الرسول (ص)
نورد في ما يأتي موجزا من تاريخ القرآن عن المجلّد الاوّل مع اضافات تقتضيها الدراسة المستوعبة لروايات جمع القرآن ونقول بإذنه تعالى:
قال اللّه سبحانه:
أ ـ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون). (الحجر / 9)
ب ـ (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُءرانَهُ * فإذا قَرَأْنهُ فاتَّبِع قُءرانَهُ * ثُمّ إنَّ عَلَيْنا بَيَانَهُ). (القيامة / 17 ـ 19)
ج ـ (وَأَنْزَلْنَا إليْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إليْهِمْ). (النّحل / 44)
د ـ (سَنُقرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى). (الاعلى / 6)
هـ (وَقُرْآنا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ). (الاسراء / 106)
وصدق اللّه العظيم وصدق رسوله الكريم فقد أنزل القرآن متدرجا ليتيسر للمؤمنين حفظه عن ظهر قلب، وأوحى لفظه ومعناه إلى رسوله (ص)، وأوحى مع كل آية معنى كل آية يحتاج فهم معناها إلى بيان بوحي غير قرآني مثل معنى (آية التيمم وآية أقم الصلاة لدلوك الشمس) أي بيان كيفية التيمم وكيفية الصلوات اليومية الخمس.
إذا فقد كان اللّه جلّ اسمه أوّل مقرئ للقرآن وأوّل جامع له وكان رسوله(ص) أوّل قارئ للقرآن.
والقارئ وجمعه القرّاء من تعلّم تلاوة لفظ القرآن مع تعلّم معناه.
والمقرئ من امتهن تعليم القرآن كذلك كما برهنا على ذلك في بحث المصطلحات القرآنية في الجزء الاوّل من هذا الكتاب والحمد للّه.
والجامع من حفظ جميع القرآن عن ظهر قلب، وقد جمع اللّه القرآن أوّلا في قلب رسوله (ص) وكان الرسول (ص) أوّل جامع للقرآن فقد حفظ القرآن عن ظهر قلب مع كل ما أُوحي إليه في بيان آياته، وكان جبرائيل (ع) يقارئه في كل شهر رمضان كل ما أنزل اللّه من القرآن إلى تاريخه وعارضه القرآن في آخر سنة من حياته مرّتين، وقام الرسول (ص) باقراء القرآن كذلك مصداقا لقوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لاُنْذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ). (الانعام / 19)
ونهض الرسول (ص) بأعباء التبليغ بكل ما استطاع إليه سبيلاً في نوعين من التبليغ:
أ ـ نشر تلاوة القرآن في صلاته (ص) في البيت في مواسم الحج
لمّا كان دأب القبائل العربية الاجتماع في أسواقهم حول مكة: ذي المجاز وعكاظ وعرفات وغيرها في الاشهر الحرم والاستماع إلى قصائد شعرائهم وحفظهم إياها عن ظهر قلب وترديدها على مسامع من لم يحضر الموسم منهم وكانت السور المكية أقصر من تلك القصائد وأعلى بلاغة منها وفيها من المعاني الرفيعة ما لم يسمعوها قبل ذلك لذا كانوا يتهافتون إلى استماع تلاوة الرسول (ص) في صلاته ويحفظونها عن ظهر قلب وينقلونها إلى حيث ما بلغ بهم المسير كما مرّ بنا قول عمرو بن سلمة الجرمي:
كنت أتلقى الركبان فيقرئوني حتّى جمعت قرآنا كثيرا وكان يومذاك صغير السنّ، وإذا كان هذا شأن صغيرهم في شبه الجزيرة العربية فكيف كان حال ذوي السنّ والشأن منهم في هذا الامر.
ب ـ إقراء الرسول (ص) القرآن لمن أسلم بمكّة
كان لاقراء المؤمنين بمكة مرحلتان:
1 ـ مرحلة الاقراء السريّة: في هذه المرحلة كان الرسول (ص) يجتمع بالمؤمنين سرّا في دار الارقم بن أبي الارقم بأصل الصفا لاقرائهم في دور سريّة الدعوة ولم يكن الاجتماع بهم لحياكة مؤامرة ضدّ قريش، ولعلّ في هذا الدور كان ما أخبره الصحابي عمر بن الخطاب وقال:
كان رسول اللّه (ص) يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوّة ـوفي رواية من أهل اليسارـ فيكونان معه ويصيبان من طعامه وقد كان ضمّ إلى زوج أُختي رجلين فدخلت عليهم وكان القوم جلوسا يقرأون القرآن في صحيفة، وفي لفظ آخر بكتاب.
وعن الاقراء في مكّة قال ابن مسعود:
بينا نحن عنده على حرّاء إذ نزلت عليه سورة المرسلات فأخذتها وإن فاه ليرطب بها(33).
2 ـ مرحلة الاقراء العلنية: ونرى انّ في دور التبليغ العلني كان من خبر الضرير ابن أُم مكتوم في ما جاء في روايات تفسير ((عبس وتولى أن جاءه الاعمى)) أن الاقراء كان بعد ذلك علنا، ويظهر من قراءة عبداللّه بن مسعود سورة الرّحمن في الحرم على قريش وقراءة جعفر بن أبي طالب خبر عيسى بن مريم من سورة مريم على النجاشي في الحبشة أنّهم في مكّة كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب.
* * *
كانت تلكم بعض أخبار الاقراء في العصر المكّي، ولمّا أسلم من حجاج أهل المدينة من أسلم أرسل إليهم قبل أن يهاجر إليها مصعب بن عمير وابن أُم مكتوم يقرئان من أسلم منهم القرآن وكان مصعب بن عمير يسمّى في المدينة بالمقرئ.
قال زيد بن ثابت : أتى النبي (ص) المدينة وقد قرأت سبع عشرة سورة فقرأت على رسول اللّه (ص) فأعجبه ذلك(34).
ومن الانظمة الّتي سنّها الرسول (ص) في المدينة لاقراء القرآن وتدوينه: