سبب تجريدهم القرآن عن حديث الرسول (ص) ونهيهم عن كتابة حديثه

مرّ بنا في المجلّد الاوّل(31):

أ ـ أنّ أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدو اللّه مأخذها!

فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيِّدهم.

ب ـ أنّ عبداللّه بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللّه (ص) فنهتني قريش وقالوا: (تكتب كل شيء سمعته من رسول اللّه (ص) ورسول اللّه (ص) بشر يتكلم في الغضب والرضا) فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول اللّه (ص) فأومأ باصبعه إلى فيه وقال: ((اكتب فوالّذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّحق)).

دراسة الخبرين:

كان مرور أبي سفيان على أُولئكم الصحابة في مجيئه للمدينة قبل فتح مكّة لتجديد صلح الحديبية(32) ولم يكن بعد إسلامه فانّه كان قد أصبح بعد إسلامه أخاهم في الاسلام ولم يكونوا يقولون له (عدوّ اللّه).

والخبر الاوّل يفسِّر لنا من الخبر الثاني مقصود قريش وهم المهاجرون في قولهم لعبداللّه (ورسول اللّه بشر يتكلم في الغضب والرضا) أي: إنّ الرسول (ص) كسائر البشر إن كره أحدا ذمّه وإن رضي عنه مدحه، وكان حديث الرسول (ص) في المدح والذمّ

في تعليم الصحابة معاني الايات الّتي فيها مدح وذمّ لاشخاص لم يسمّوا في تلك الايات وبيان شأن نزولها وأحيانا الحوادث الّتي جرت عند تبليغها، وفي ما يأتي نشير بإذنه تعالى إلى بعض ما مرّ بنا في المجلّد الاوّل ونضيف إليها بعض ما نحتاج إليه في التوضيح.

وإنّ أحاديث الرسول (ص) الّتي وصفها المهاجرون من قريش بأنّ الرسول (ص) قالها في حال الرضا والغضب وقالوا تكتب كل شيء، هي:

أوّلا ـ كانت أحاديثه في تفسير الايات الّتي نزلت بمكّة كالاتي بيانها:

أ ـ في مدح الامام علي:

لمّا نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقْرَبينَ) (الشعراء / 214) جمع النبيّ (ص) عشيرته الاقربين وقال لهم: إنِّي قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الامر يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها جميعا فقام علي بن أبي طالب وقال: أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه فأخذ برقبته ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.

ب ـ في ذم الوليد بن المغيرة في خبر وصفه للقرآن الكريم:

(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ *... فَقَالَ إِنْ هذَا إِلا سِحْرٌ يَؤْثرُ * إِنْ هذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ). (المدّثر / 18 ـ27)

ج ـ في ذم الاسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأُميّة بن خلف والعاص بن وائل السهمي عندما قالوا لرسول اللّه (ص):

يا محمّد! هلمّ فلنعبد ما تَعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الامر. فأنزل اللّه في ردّ اقتراحهم:

(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ...).

د ـ في ذم عتبة وشيبة وأبي سفيان وأبي البختري والاسود بن المطلب وزمعة بن الاسود والوليد بن المغيرة وأبي جهل وعبداللّه بن أبي أُميّة وأُميّة بن خلف والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابني الحجاج عندما اجتمعوا عند ظهر الكعبة فبعثوا إلى رسول (ص) فأتاهم فقالوا: يا محمّد! إنّا بعثنا إليك لنعذر فيك... لقد شتمت الاباء وعبت الدين وشتمت الالهة فان كنت تطلب مالا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تطلب الشرف فينا سودناك علينا وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان الّذي يأتيك من الجن بذلنا في طلب الطبّ لك حتى نبرئك.

فقال (ص): ما بي ما تقولون وما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا فبلغتكم رسالة ربّي فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا والاخرة وإن تردّوه عليّ أصبر حتى يحكم اللّه بيني وبينكم.

فقالوا: فإن كنت غير قابل ما عرضنا عليك فسل ربّك فليسيّر عنا هذه الجبال الّتي ضيقت علينا ويبسط بلادنا ويفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وفيهم قصي فنسألهم عمّا تقول فإن صدقوك صدقناك وعرفنا انّه بعثك بالحق رسولا كما تقول.

فأجابهم بالجواب الاوّل.

فقالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربّك يبعث ملكا يصدقك ويجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضّة فإنك تقوم بالاسواق وتلتمس المعاش كما نلتمس.

وقالوا في ما قالوا له: لن نؤمن لك حتى تأتينا باللّه والملائكة قبيلا فقام عنهم فقال له عبداللّه بن أبي أُميّة لا أُؤمن لك حتى ترقى إلى السماء وأنا أنظر وتأتي معك بنسخة منشورة وأربعة من الملائكة يشهدون لك ولو فعلت ذلك لظننت أن لا أُصدقك فأنزل اللّه تعالى فيهم:

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الا ِ نْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا القُرْآنِ... وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنْبُوعا).(الاسراء / 88 ـ 90)

هـ في ذمّ العاص بن وائل وأبي جهل وغيرهما من عتاة قريش لما أتوا بعظم حائل أمام الرسول (ص) فذروه في الريح وقالوا:

(قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) أنزل اللّه فيهم (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ...). (يس / 78)

و ـ في العاص بن وائل عندما شنأ رسول اللّه (ص) بعد وفاة ابنه القاسم وقال له الابتر، فأنزل اللّه تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ).

ز ـ في الاسود بن المطلب والاسود بن عبد يغوث والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والحرث بن الطلاطلة الّذين كانوا يستهزئون برسول اللّه وأهلك كل واحد منهم بما أهلكهم (... إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ...). (الحجر 94 ـ 96)

كانت أحاديثه الّتي نزلت بالمدينة كما يأتي بيانها:

أ ـ في ذم عبداللّه بن سعد بن أبي سرح:

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ). (الانعام / 93)

فانّه كان يكتب لرسول اللّه (ص) في المدينة فارتدّ ورجع إلى مكّة وقال للمشركين إنِّي آتي بمثل ما يأتي به محمّد...

ب ـ في مدح الرسول (ص) وابن عمهّ عليّ وابنته فاطمة وولديهما الحسن والحسين.

(إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).

(الاحزاب / 33)

ج ـ في شأن الرسول وأهل بيته:

(... فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).(آل عمران / 61)

في قصّة المباهلة مع نصارى نجران.

د ـ في شأن الامام علي:

1 ـ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولَ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). (المائدة / 67)

في الجحفة في مرجع الرسول (ص) من حجة الوداع فجمع الحجيج في غدير خم وخطب وقال في خطبته: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: بلى، يا رسول اللّه.

ثمّ أخذ بيد علي فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض أبطيهما ثمّ قال:

أيُّها الناس! اللّه مولاي وأنا مولاكم فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله..

ثمّ لم يتفرق حتى نزلت هذه الاية:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الا ِ سْلاَ مَ دِينا). (المائدة / 3)

2 ـ (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ). (المائدة / 55)

بعد أن دخل فقير مسجد الرسول (ص) وسأل وكان علي راكعا في صلاة غير فريضة فأومأ علي إليه باصبعه وفيها خاتم عقيق يماني أحمر فنزعه ودعا له فنزلت فيه الاية.

3 ـ (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ... الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ...). (براءة / 19 ، 20)

في العباس عمّ النبيّ عندما افتخر على عليّ بن أبي طالب بأنّه كان ساقي الحجيج وطلحة بن شيبة انّه صاحب البيت معه مفتاحه فقال علي: ما أدري ما تقولون لقد صليت إلى القبلة قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل اللّه تعالى فيهم الايات.

4 ـ حول تبليغ الايات (1 ـ 5) من سورة براءة إلى الكفار في الحج.

عندما نزلت الايات (1 ـ 5) من سورة براءة دعا النبيّ (ص) أبا بكر فبعثه ببراءة لاهل مكّة لا يحجّ بعد العام مشرك... واللّه بريء من المشركين ورسوله فسار بها ثلاثا ثمّ قال لعلي: الحقه فردّ عليَّ أبا بكر وبلّغها أنت ففعل فلمّا قدم على النبيّ أبو بكر بكى وقال: يا رسول اللّه حدث فيّ شيء؟

قال: ما حدث فيك إلاّ خير ولكنّي أُمرت أن لايبلّغه إلاّ أنا أو رجل مني.

وأيضا ما نزلت في حق:

أ ـ الصحابي الوليد بن عقبة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْما بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمَينَ) (الحجرات / 6)، عندما بعثه إلى بني المصطلق يصدق أموالهم فسمع القوم فتلقوه يعظّمون أمر رسول اللّه (ص) فحدثه الشيطان أنّهم يريدون قتله فرجع إلى رسول اللّه (ص) فقال: إنّ القوم منعوا صدقاتهم... الحديث.

ب ـ الصحابيين أبي بكر وعمر:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) (الحجرات/ 2)، وذلك عندما قدم ركب من بني تميم على النبيّ (ص) فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمّر الاقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما... الحديث.

ج ـ الصحابة عثمان بن عفان القرشي الاموي وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان الانصاريّين ثمّ الزرقيّين:

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران / 155)، عندما انهزموا عن رسول اللّه (ص) يوم أُحد حتّى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة فأقاموا بها ثلاثا ثمّ رجعوا إلى رسول اللّه (ص) فقال لهم: (لقد ذهبتم فيها عريضة).

د ـ أُمّي المؤمنين حفصة وعائشة:

(إِن تَتُوبَا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهَ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجا خَيْرا مِنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ عَابِدَاتٍ...) إلى تمام سورة التحريم.

هـ بني أُميّة:

(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانا كَبِيرا).(الاسراء / 60)

عندما رأى رسول اللّه (ص) بني أُميّة ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فأوحى اللّه إليه الاية وإنّه إنّما هي دنيا أُعطوها.

* * *

بسبب بيان رسول اللّه (ص) في تفسير هذه الايات ما فيه مدح لبعض وذم لبعض آخر وعقاب لاخرين قال القرشيون المهاجرون لعبداللّه بن عمرو بن العاص إنّ رسول اللّه (ص) بشر يتكلم في الرضا والغضب وكان دافعهم في ذلك التعصب القبلي لذوي أُرومتهم قريش ولبعض من يتصل بهم بسبب أو نسب وكان الدافع الاهم سياسيا كي لايصل إلى الحكم بعده الامام علي وأولاده.

وبعد تقديم هذه البحوث يلزمنا إيراد موجز عام لاخبار القرآن منذ عصر الرسول حتّى عصر الخليفة عمر كي نستطيع بعدها دراسة أخبار جمع القرآن.


31 كل ما نذكره في هذا الموجز مرت مصادره في ما مضى من بحوث المجلّد الاوّل.

32 راجع هامش صحيح مسلم تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، باب فضائل سلمان.