المقام الوحيد لحرق المصاحف:

قال ابن أبي داود: أبى ابن مسعود أن يسلم مصحفه، وقال لاهل الكوفة:

يا أهل الكوفة أو يا أهل العراق اكتموا المصاحف الّتي عندكم وغلوها فان اللّه يقول (... وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...) فالقوا اللّه بالمصاحف(24).

في رواية أُخرى:

قال عبداللّه حين صنع بالمصاحف ما صنع: والذي لا إله غيره ما أُنزلت من سورة إلاّ أعلم حيث أُنزلت وما من آية إلاّ أعلم في ما انزلت ولو إنِّي أعلم أحدا أعلم بكتاب اللّه مني تبلغنيه الابل لاتيته(25).

وفي رواية: وقد قرأت من في رسول اللّه (ص) بضعا وسبعين سورة وان زيد ابن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان واللّه ما نزل من القرآن إلاّ وأنا أعلم في أي شيء نزل.

قال الراوي: فلمّا نزل عن المنبر، جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال(26).

وفي رواية بعده قال الراوي: فجلست في حلق من أصحاب محمّد (ص) فما سمعت أحدا منهم يعيب عليه شيئا ممّا قال ولا ردَّه(27).

وفي رواية لمّا أمر بالمصاحف ساء ذلك عبداللّه... الحديث(28). وفي رواية أُخرى قال: اني غالّ مصحفي من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغلل... لقد اخذت من في رسول اللّه (ص) سبعين سورة... أفأنا أدَعُ ما أخذت من في رسول اللّه (ص)(29).

كان هذا شأن ابن مسعود ومصحفه، وكان مصحف الامام علي قد أُخفي بعد أن لم يقبلوه بعيد وفاة الرسول (ص)، ولم يبق بعد إحراق المصاحف مصحف في متناول يد المسلمين كتب فيه بيان الرسول (ص) وتفسير القرآن إلى جنب الايات.

وأنتج كل ما ذكرناه تبدل معنى القراءة في المجتمع الاسلامي من تعلُّم اللفظ والمعنى إلى تعلُّم تلاوة النص القرآني مجردا عن حديث الرسول (ص) ثمّ اجتهد علماء العربية بمدرسة الخلفاء، وبدلوا النصوص القرآنية بلهجات العرب المختلفة وسمي بعد ذلك تلك التحريفات بالقراءات ومختلقوها بالقرّاء الكبار وأصبح القارئ من تعلم تلك التحريفات، والمقرئ من يعلم تلك التحريفات في القرآن عن ظهر قلب بعد ان كان على عهد الرسول (ص) الاقراء بمعنى تعليم النص القرآني ومعناه؛ والاقتراء بمعنى: تعلم النص القرآني ومعناه؛ كما مرّ بنا في خبر نظام تعليم القرآن على عهد الرسول (ص)، واستمرّ المسلمون بعد ذلك يستعملون القراءة والقارئ والاقراء في جزء معنى الكلمة وهو تلاوة النص وحده بعد ان كان يستعمل في تلاوة النص وتعلم المعنى.

وعلى ذلك فان القراءة ومشتقاتها كانت في المصطلح الاسلامي بمعنى تلاوة النص مع تعلم المعنى وتفهمه في مقابل التلاوة الّتي كانت ولا تزال بمعنى تلاوة النص وحده، ثمّ أصبحت القراءة ومشتقاتها في مصطلح المسلمين بعد عهد الخليفة عثمان إلى اليوم بمعنى تلاوة التحريف الّذي جرى على النص القرآني، ونسي المسلمون بعد ذلك معنى المصطلح الاسلامي، ومن ثمّ كلّما وردت القراءة ومشتقاتها في القرآن وحديث الرسول (ص) فسروها بمعناها في مصطلحهم، وكذلك اصبح المصحف عندهم بمعنى الكتاب الّذي دون فيه القرآن وحده بعد أن كان قبل تحريق المصاحف بمعنى الكتاب الّذي دون فيه القرآن مع شيء من تفسيره كما مرّ تفصيله في بحث روايات اختلاف المصاحف.

خاتمة بحوث تاريخ القرآن على عهد الخلفاء الثلاثة:

أنزل اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ تفصيل شرائع الاسلام في الكتابين التوراة والانجيل، فكتم المسيطرون عليهما من اليهود والنصارى بعضا ممّا كان يخالف اهواءهم في الكتابين وحرّفوا بعضا آخر منهما فأخبر اللّه ـسبحانه وتعالىـ عن ذلك وقال:

أ ـ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بِعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ). (البقرة / 159)

ب ـ (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ لَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ). (آل عمران / 187)

ج ـ (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُون الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ...). (النِّساء / 46)

د ـ (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). (البقرة / 75)

واقتضت حكمة اللّه ـ جلّ اسمه ـ أن تبقى الشريعة الخاتمة أبد الدهر، فأنزل القرآن العظيم هدى للناس وقال تبارك وتعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) (الحجر / 9)، ومن أجل حفظ القرآن من التحريف والكتمان أنزل فيه أُصول الاسلام وأوصى إلى

رسوله (ص) بيانه الّذي كان فيه ما يخالف أهداف المسيطرين وقال جل ذكره: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النَّحل / 44)، وأخبر سبحانه وتعالى عنه وقال: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النَّجم / 3 ، 4)، وقال جلّ ذكره:

(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلِ * لاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة / 44 ـ47)، فيبين رسول اللّه (ص) ما احتاج من الذكر الحكيم إلى بيان في حديثه الّذي هو بعض من سنّته الّتي يبلغها الناس كما أُوحيت إليه وفي هذا الصدد روى حسان بن ثابت(30) كما في مقدمة الدارمي وقال:

(كان جبريل ينزل على رسول اللّه (ص) بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن).

ومن البديهي في أمر الشريعة الاسلامية أنّ اللّه سبحانه وتعالى بلغها في القرآن الكريم وسنّة رسوله (ص) والجزء الاكبر من سنّة الرسول (ص) بلّغها الرسول (ص) في حديثه، غير أنّ سياسة الخلفاء الثلاثة اقتضت كتمان نشر حديث الرسول (ص) وتجريد القرآن من حديثه (ص)، وفي ما يأتي نذكر بإذنه تعالى سبب تجريدهم القرآن عن حديث الرسول (ص) مفصلا:


24 مصاحف ابن أبي داود 1 / 17، باب كراهية (عبداللّه بن مسعود ذلك). (آل عمران / 161).

25 نفس المصدر ص 16.

26 نفس المصدر ص 16.

27 نفس المصدر ص 16.

28 نفس المصدر ص 15.

29 نفس المصدر ص 15.

30 سنن الدارمي 1 / 145 (باب السنّة قاضية على كتاب اللّه). وأبو عبدالرّحمن أو أبو الوليد، حسان بن ثابت بن المنذر الانصاري الخزرجي شاعر النبيّ (ص) وكان يفاخر عنه في مسجده وقال فيه النبيّ (ص): ((إنّ اللّه يؤيد حسّانا بروح القدس ما نافح عن رسول اللّه)) وكان من أجبن الناس ولم يشهد مع النبيّ (ص) شيئا من مشاهده لجبنه ووهب له النبيّ (ص) سيرين أُخت مارية فولدت له عبدالرّحمن. روى عن رسول اللّه (ص) حديثا واحدا أخرجه أصحاب الصحاح ما عدا الترمذي ومات قبل الاربعين أو سنة خمسين أو أربع وخمسين من الهجرة وهو ابن مائة وعشرين سنة. أُسد الغابة 2 / 5 ـ 7؛ وجوامع السيرة ص 308؛ وتقريب التهذيب 1 / 161.