وضع الحديث والدسّ فيه صونا لمقام الخلافة
روى الخطيب البغدادي وغيره واللفظ للخطيب، قال:
قدم على المهدي بعشرة محدثين فيهم الفرج بن فضالة وغياث بن إبراهيم وكان المهدي يحب الحمام ويشتهيها فأُدخل عليه غياث بن إبراهيم فقيل له حدث أمير المؤمنين فحدثه بحديث أبي هريرة ((لا سبق إلاّ في حافر أو نصل)) وزاد فيه ((أو جناح)) فأمر له المهدي بعشرة آلاف. قال فلمّا قام، قال: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول اللّه (ص) إنّما استجلبت ذاك أنا. فأمر بالحمام فذبحت فما ذكر غياثا بعد ذلك(20).
ومن الروايات ما وضعت تزلفا للحكام وتحقيقا لغاياتهم مثل الرواية الاتية:
روى الاصبهاني بسنده عن الفضل بن إياس الهذليِّ الكوفي أنّ المنصور كان يريد البيعة للمهدي، وكان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك، فأمر بإحضار الناس فحضروا، وقامت الخطباء فتكلَّموا، وقالت الشعراء فأكثروا في وصف المهدي وفضائله، وفيهم مطيع بن إياس، فلمّا فرغ من كلامه في الخطباء وإنشاده في الشعراء قال للمنصور: يا أمير المؤمنين! حدثنا فلانٌ عن فلان أنَّ النبيّ (ص) قال: ((المهديُّ منا محمّد بن عبداللّه وأُمّه من غيرنا، يملاها عدلا كما ملئت جورا)) وهذا العباس بن محمّد أخوك يشهد على ذلك. ثمّ أقبل على العباس، فقال له: أُنشدُك اللّه هل سمعتَ هذا؟ فقال: نعم. مخافةً من المنصور. فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهدي.
قال: ولما انقضى المجلس، وكان العباس بن محمّد لم يأنس به، قال: أرأيتم هذا الزنديق إذ كذب على اللّه عزّ وجلّ ورسوله (ص)
حتى استشهدني على كذبه، فشهدتُ له خوفا، وشهد كلُّ من حضر عليَّ بأنّي كاذب؟! وبلغ الخبر جعفر بن أبي جعفر، وكان مطيع منقطعا إليه يخدمه، فخافه، وطرده عن خدمته... الحديث(21).
* * *
في ختام هذه الدراسة الواسعة ينبغي لنا أن نورد خلاصة أخبار القرآن بعد عصر الرسول (ص) إلى عصر الحجاج فنستعين اللّه ونقول:
خلاصة أخبار القرآن بعد الرسول (ص)
ذكرنا في أخبار عهد الخليفة أبي بكر أنّه أمر بكتابة قرآن مجرد من حديث الرسول (ص) وتمّ العمل على عهد الخليفة عمر، فاودعه عند أُمّ المؤمنين حفصة فاستعار الخليفة عثمان ذلك المصحف منها، ونسخ منها نسخا وزعها في بلاد المسلمين وأمر بجميع مصاحف الصحابة الّتي كانوا قد كتبوا في بعضها بيان الرسول (ص) إلى جنب آيات القرآن الكريم، فأُحرقت(22) وأمر بمن خالف أوامره مثل الصحابي ابن مسعود فَجُلب إلى المدينة وأُهين وأُمر به، فضرب على الارض وحُرم من العطاء ـ راتبه السنوي من بيت المال ـ(23).
وكان الخليفة عثمان في فعله مقتديا بالخليفة أبي بكر في نسخه القرآن مع حذف بيان الرسول (ص) غير أنّ الخليفة أبا بكر ترك مصاحف الصحابة بأيديهم ولم يأخذها ويحرقها كما فعل عثمان.
وكذلك في إحراقه المصاحف اقتدى بسلفه عمر حين جمع ما كتبه الصحابة من حديث الرسول وإحراقها غير انّه لم يكن في ما أحرق الخليفة الثاني القرآن الكريم كما فعله الخليفة الثالث.
وأبى الصحابي المقرئ ابن مسعود أن يدفع إليهم مصحفه ليحرقوه، وفي ما يأتي بعض هذا الخبر: