ج ـ الزنادقة وعملهم التخريبي في الاسلام:

درسنا شيئا من عمل الزنادقة التخريبي في كتب مدرسة الخلفاء في البحث التمهيدي الثاني من الجزء الاوّل من (خمسون ومائة صحابي مختلق) وكان منهم:

أ ـ عبدالكريم بن أبي العوجاء:

كان من تلامذة حسن البصري (ت: 101ه)، ثمّ انحرف عن الاسلام. وكان يذهب إلى مكّة للاجتماع بالحجاج وإضلالهم وكيف كان الامام جعفر الصادق (ع) يناظره ويكشف أباطيله، وأنّه كان في البصرة يفسد الاحداث، فهدده عمرو بن عبيد، فلحق بالكوفة. ودلّ عليه محمّد بن سليمان والي الكوفة فقتله سنة 55(16).

ولمعرفة منزلة حماد في الحفّاظ راجع ترجمته بتذكرة الحفاظ للذهبي(17).

ب ـ سيف بن عمر:

قد تتبعت تخريب زنديق واحد من الزنادقة في كتب مدرسة الخلفاء، هو سيف بن عمر في مجلدات عبداللّه بن سبأ وخمسون ومائة صحابي مختلق وأشرت إليه في بحث الوصي والوصيّة من كتاب معالم المدرستين بما فيه عبرة للمعتبر.

ونذكر في ما يأتي مثالا واحدا من تخريب الزنادقة في أمر الوحي والقرآن ممّا انتشر في كتب التفسير والسيرة بمدرسة الخلفاء ورووا في ذلك عدّة روايات ملخصها كالاتي:

إنّ الرسول (ص) تمنّى ذات يوم في قلبه أن لو نزل الوحي عليه في القرآن بما يقرِّبه إلى قومه، ويكون سببا لهدايتهم، فأنزل اللّه تعالى عليه سورة النجم وهو في بيت اللّه الحرام فأخذ يتلوها بمسمع من المسلمين والمشركين إلى أن انتهى إلى قوله تعالى:

(أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالعُزَّى) * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الاُخرَى) وهاهنا تدخَّل الشيطان في قراءته وألقى على لسانه [تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى] فقرأها النبيّ (ص) كذلك ثمّ تلا بقية السورة. وبعد الانتهاء من قراءة السورة سجد النبيّ (ص) والمسلمون لذكر اللّه، وسجد المشركون لما سمعوا من الثناء على أصنامهم (اللاّت والعزّى ومناة الثالثة الاُخرى)، ولمّا أمسى الرسول (ص) أتاه جبرائيل وأنبأه بأن جملتي [تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى] الّتي قرأهما الرسول (ص) ضمن السورة، لم يتلوهما جبرائيل عليه وإنّما ذلكم الشيطان الّذي ألقاهما على لسانه. فحزن النبيّ (ص) لذلك فأنزل اللّه عليه قوله تعالى:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ...) (الحجّ / 52). ثمّ انتشر هذا الخبر حتّى بلغ المسلمين المهاجرين إلى الحبشة بأن المشركين أسلموا وسجدوا مع المسلمين فرجع بعضهم إلى مكّة المكرّمة وشاهدوا خلاف ما بلغهم، فبقي البعض منهم ورجع الاخرون إلى مهجرهم. ونسجل هاهنا صورة رواية واحد منها في تفسير الطبري(18) بسنده:

* * *

لقد بيّنا زيف هذه الاُسطورة السخيفة بتفصيل وافٍ في الجزء الثاني من أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة بما بهرج الباطل وأزاحه، وأظهر الحق وأجلاه. فقد برهنا ـ مثلا ـ ان أسناد الاُسطورة تنتهي إلى كلٍّ من:

أ ـ عبداللّه بن عباس، ولد في السنة الثالثة قبل هجرة الرسول (ص) إلى المدينة.

ب ـ أبي العالية رفيع بن مهران؛ أسلم بعد وفاة رسول اللّه (ص) بسنتين ويعد من الطبقة الثانية من التابعين (ت: 90 أو 93 أو 110 أو 126ه).

ج ـ عبدالرّحمن بن الحارث؛ ولد في عصر عمر (ت: 94ه).

د ـ أبي الحجاج، مجاهد بن جبر المكي، ولد سنة 21ه (ت: 103 أو 104 أو 105ه).

هـ محمّد بن سعد من سلالة يهود بني قريظة. ولد سنة 40 هجرية.

و ـ سعيد بن جبير، قتله الحجّاج سنة 90 أو 94 أو 95. وعمره تسع وأربعون سنة.

ز ـ ضحّاك بن مزاحم (ت: 105 أو 106ه). ويعدّ من الطبقة الخامسة من الرواة.

ح ـ محمّد بن قيس (ت: 126ه).

ط ـ أبي محمّد إسماعيل بن عبدالرّحمن السدّي (ت: 127ه). ويعدّ من الطبقة الرابعة من الرواة(19).

وهؤلاء ليس فيهم من شهد الواقعة المفتراة ليخبرنا عنها. وأقدمهم ولادة ابن عباس الّذي ولد لثلاث سنين قبل هجرة رسول اللّه (ص)، فأنّى له أن يشهد الواقعة ليخبرنا عنها.

نقول هذا ونحن نعلم أنّ القصة مفتراة من أساسها. وافتري على الصحابة روايتها وقد اختلقت في عصر نشاط الزنادقة في أواخر القرن الاوّل وأوائل القرن الثاني الهجري، كما بيّنا ذلك في بحث ما افتري روايتها على أُمّ المؤمنين عائشة وعلى غيرها من الصحابة من المجلّد الثاني من كتاب أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة.

ونظير هذه الاُسطورة المفتراة على رسول اللّه (ص) وعلى الوحي والقرآن، الخبر المفترى على رسول اللّه (ص) في كيفيّة تلقّيه أوّل وحي نزل عليه بغار حراء. وقد كشفنا عن زيف الخبرين في الجزء الثاني من أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة. وإنّ الخبر الاوّل اقتصر نقله على مصادر دراسات مدرسة الخلفاء، والخبر الثاني انتشر منها إلى بعض كتب أتباع مدرسة أهل البيت (ع).

واستفاد خصوم الاسلام من روايات الزيادة والنقيصة وأخبار اختلاف المصاحف لاغراضهم في نفي ثبوت النص القرآني كما سنشير إليه في بحث المستشرقون والقرآن الكريم في آخر الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

* * *

وذكر ابن الجوزي وغيره قسما آخر من المحدِّثين ممّن افترى على رسول اللّه (ص) احتسابا للخير ودفاعا عن الخلفاء مثل ما جاء في الخبر الاتي:


16 الطبري ط. اوربا 3 / 376؛ وابن الاثير 6 / 3؛ وابن كثير 10 / 113؛ وذكرها الذهبي في ميزان الاعتدال ط. دار إحياء الكتب العربية، تحقيق علي محمّد البجاوي 2 / 644؛ وابن الجوزي في كتاب الموضوعات 1 / 37. وترجمته بلسان الميزان أوفى.

17 تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 202.

18 تفسير الطبري، تفسير سورة النجم 17 / 13.

19 ذكرنا مصادر التحقيق لاسناد هؤلاء الرواة في الجزء الرابع من قيام الائمة بإحياء السنّة ص 409 ـ 416.