ب ـ كيف تنقط المصاحف:
قال أبو حاتم السجستاني: ونقطه بيده هذا كتاب يستدل بـه على علم النقط ومواضعه. إذا كان الحرف مرفوعا غير منون نقطته قدامه واحـدة مثل قولـه (())، وإذا كان منصوبا غيـر منون نقطته واحدة فوقه كقوله (())، وإذا كان مجرورا غير منون نقطته واحدة تحته كقوله (())، وأمّا ما كان منونا فنقطتان مثل قوله في الرفع (()) وفي النصب (( )) وفي الجر (()) وربّما تركوا في النصب، لانّ الالف تدل على النصب، فخففوا على الايجاز ، إلاّ أنهم ينونون عند الحروف الستة، وإنما النقط على الايجاز لانهم لو تتبعوا كما ينبغي أن ينقط عليه فنقطوه لفسد المصحف، لو نقطوا قوله (()) ((فَمَثَلُهُ)) على الفاء والميم والثاء واللام والهاء ونحو ذلك فسد، ولكنهم ينقطون على الميم واحدة فوقها وواحدة من بين يدي اللام، لان اللام حرف الاعراب وقد تنصب اللام وترفع وتجر، وفتحوا الميم لئلا يظن القارئ أنها ((فمثل))، وإذا جاء شيء يستدل بغيره عليه ترك مثل قوله ((قُتِلُوا(68) في سَبِيلِ اللّهِ)) ينقط بين يدي القاف واحدة ولا ينقط على التاء شيئا، لان ضمتها تدل على أنهم فعلوا.
وأمّا قوله ((قُتّلوا(69) تقتيلاً))، فإنّك تنقط تحت التاء واحدة، لان هذه مشددة، فتفرق بين المخفف والمشدد فقس كل شيء بهذا إن شاء اللّه.
وأمّا الهمزة فإذا كانت مفتوحة غير ممدوة نقطتها في قفا الالف، وإذا كانت ممدودة نقطتها بين يدي الالف، فأما غير الممدود فمثل قوله (( بَلْ أَتَيْنَاهُمْ(70)
بِذِكْرِهِمْ)) لانها بمعنى جئناهم، وأما ((وَلَقَدْ آتَيْنَاهُمْ(71) فبين يدي الالف وترفعها قليلا إلى رأس الالف، لان آتيناهم معناه أعطيناهم، وكذلك إن كانت الممدودة والمقصورة في آخر الكلمة، فأما المقصور غير المنون، فمثل قوله ((أَنْ لاَ مَلْجَأ(72) من اللّهِ))، وإن كان منونا فنقطتان مثل قوله ((لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ))، ومثل قوله ((مِنْ سَبَأ بِنَبَأ(73) يَقينٍ)).
وأمّا الممدود الّذي ليس بمنون فمثل قوله ((كُلّمَا أَضَاء(74) لَهُمْ)) و((جَاء)) و((لَوْ شاء رَبُّكَ))، والمنون مثل قوله ((وَالسَّمَـاء بِنَاء))(75) وقوله ((جَزَاء مِنْ رَبِّكَ عَطاء)).
وإذا أشكل عليك الهمزة، فقس الهمزة بالعين، فإن كانت العين تقع قبل الواو أو الالف، جعلتها في قفاها نقطة بعد الواو والالف جعلتها بين يديها نقطة، وإن كانت هي الواو والالف جعلت النقطة في جبهتها، وكان حدها أن تكون في نفس الواو، ولكنها جعلت في الجبهة، لتنحى عن السواد.
فالممدود مثل قوله ((السُّوء))(76) تقديره السوع، فهي بعد الواو، و((السَّماء)) تقديره(77) السماع وهي بعد الالف، وإذا كانت متحركة بالنصب فالنقطة فوق الواو مثل قوله (( ويُؤَخِّرَكُمْ))(78) و((لاَ تُؤَاخِذْنَا))، وأما الهمزة الّتي تقع في قفا الواو إذا كانت قبلها فمثل ((يستهزئون))(79) وكذلك ((لِيُوَاطِئُوا)) لان قياسها يستهزئون فالعين قبل الواو، وكذلك ليواطعوا لان العين قبل الواو، ومثله ((أُوتوا(80) الْعِلْمَ)) لان قياسها عوتوا ولانّه من الواو ووزنها افعلوا.
وأما ((وَأُتُوا(81) بهِ مُتَشَابِها)) فالنقطة قدام الالف، وكذلك ((أُولئك)) الهمزة في الالف، فالواو ليس لها موضع، لان قياسها عُلائك، فالواو كتبت، لان الهمزة مرفوعة، وقال قوم كتبوها ليفصلوا بينها وبين ((إلَيْكَ)) في الخط، وأما ((الاُولى))(82) فإن الهمزة في قفا الواو، لان قياسها العولى فكذلك ((أُوفِ(83) بِعَهْدِكُمْ)).
وإذا كانت الهمزة منتصبة نحو ((القرآن)) و((نَبَّأَنَا(84) اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ))، وقوله ((فَرَآهُ حَسَنا))(85)، فانّها تنقط عليها ثنتان: واحدة قبل الالف، والاُخرى بعدها، إلاّأن الّتي بعدها أرفع من الاُولى سنّا، وهي تسمى المقيدة.
وإنّما نقطت بثنتين، لان واحدة للهمزة والاُخرى للنصب وهي الثانية، وإن كانت جزما فلا تنقط إلاّ واحدة مثل قوله ((وَأْتُوا(86) البُيُوتَ)) و((إن امْرؤٌ هَلَكَ)) واحدة قبل الالف.
وأما قولهم ((أَنْذَرْتُهمْ)) ((أنت قلت للناس))، فمن جعلها مدة أنذرتهم، وهي لغة العرب الفصحاء، فانك تنقطها واحدة بين يديها كما تنقط ((آتَيْنَا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ))، ومن همزها همزتين نقطها مقيدة على ما وصفنا في ((نبأنا اللّه)) ونحوها، لانّها لابدّ من تقييدها للهمزتين بغيرها مثل ((نبأنا اللّه)).
وأما ((آمنوا)) و((آدم)) و((آخر)) فواحدة بعد الالف في أعلاها.
وأمّا إذا كانت الهمزتان مختلفتين فان همزتهما نقطت على الالف الاُولى نقطة بين يديها وعلى الاُخرى نقطة فوقها مثل ((السفهاء))(87).
وإن شئت تركت همزة الاُولى، وهو قول أبي عمرو بن العلا، إذا اختلفتا تركت الاخرة ولم تنقط عليها، وإن احببت فانقط عليها بخضرة ليعرف أنها تقرأ على وجهين.
وكلّ ما كان فيه وجهان، فانقط بالخضرة والحمرة، فإذا كانت الهمزتان متفقتين وهما في كلمتين مثل ((جاء أمرنا))
و((شَاء أَنشرَهُ))، فان أبا عمرو يدع الهمزة الاُولى، ولا يشبه هذا عنده إذا اختلفتا بزعم أنهما إذا اتّفقتا خلفت احداهما الاُخرى، وإذا اختلفتا لم تخلف احداهما الاُخرى، فمن ثمّ همز أبو عمرو الاخرة في اختلافهما.
وإذا جاءتا متفقتين على ما ذكرت، فمن همز همزتين نقطها جميعا على ألف ((جاء)) من بعدها في أعلاها لانها ممدودة، وعلى ألف ((أَمرنا)) في قفاها لانها مقصورة.
ومن قال بقول أبي عمرو لم ينقط على ألف ((جاء)) شيئا إلاّ بالخضرة.
وقد جاءت في القرآن حروف كتبت على غير الهجاء:
فمثل ((اَلْعُلَمؤُا ومثل ((بُءراؤُا))، فاذا نقطت ((مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمؤُا))(88) جعلتها في جبهة الواو، لان الواو مكان الالف الّتي ينبغي لها أن تكتب، وإنما صيرتها في جبهتها، لان الهمزة في الواو ونظيرتها العلماء، وكذلك برواع إلاّ أنك تنقط بين الراء والواو واحدة ((بءروا))(89) وترفعها شيئا للنصبة لانها هي الهمزة وهي منتصبة، فمن ثمّ دفعتها بينهما وتنقط أُخرى في جبهة الواو لان قياسها برعاع، فتجمعها الهمزة بين الراء والالف الّتي كان ينبغي لها أن تكتب والواو بمنزلة الالف. وكان بشار الناقط ينقط((بروا)) بواحدة قبل الالف والاُخرى قبل الالف مرفوعة من قدامها وهو خطأ.
وممّا يكتب في المصحف على غير القياس في الهجاء ((نَشَؤُا)) كتبوا بعضها بالالف وبعضها بالواو، وهي في هود ((أوْ أنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا))، فالنقطة تقع في جبهة الواو لان الواو بدل الالف.
ومن ذلك ((الضُّعَفَؤُا)) في بعض القرآن، و((الْملَؤُا(90) من قَوْمِهِ)) في مواضع تنقطها في الجبهة، و((الْمَوْءدَةُ سُئِلَتْ)) بواو واحدة وكان ينبغي لهم أن يكتبوها بواوين لان قياسها الموعودة، فلو كتبوها بواوين نقطت الهمزة في قفا الواو الثانية، فلمّا تركت نقطت بين الواو والدال، لان موضعها بينهما، ولو نقطت في قفا الواو لاختلطت وظن المنقوط له أنها المودة على قياس المعودة. ومما يكتب أيضا في المصحف ((لِيَسُؤُا وُجُوهَكُمْ))، من قرأها على الجماع(91) كتب بواو واحدة فاذا نقطها نقطها في قفا الواو لان قياسها ليسوعوا، فقد ذهبت عين الفعل والواو الساقطة من المودة الّتي بعد الواو الّتي فيها، والواو واو الجمع، ولابدّ من إثباتها فهذا فرق ما بينهما. ومن قرأ ((ليسؤا)) ويرفعها شيئا للنصبة لان قياسها ليسوع، فالهمزة بعد الواو، فليس على الالف منها شيء، لان الالف ليست من الحرف، وكذلك (( إنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوأَ بإثْمِي))، وكذلك ((شيئا)). وأمّا أبو محمّد فقال في هذه النقطة ((تَبُوأَ بِإثْمِي)) و((لِيُسُؤُا وُجُوهَكُمْ)) تقع على الالف واحدة ويحتج في ذلك بقوله لو قلت أمرتهما أن تبوا الايتين لم يكن بد من تقييدها وإن كانت النقطة تقع على الالف مقيدة، فالالف أولى بها في غير التقييد، وإنما نقطت ((وَجِيء))(92) فتحتها بعد الياء ورفعتها، لانها غير مكتوبة بالالف، فالهمزة مكان الالف، وكذلك ((سيء بِهِمْ)).
فأمّا إذا كانت الهمزة مجزومة وما قبلها مكسور مثل ((يَئِسَ)) نقطت الهمزة من أسفل لا تجعلها قبل الياء لان قياسها يعس والهمزة هي الياء. وأما ((باءو بِغَضَبٍ)) و((جَاءو)) فكتبت في المصحف بغير ألف وقياسها جاعوا وباعوا، فإذا نقطتها في قفا الواو كان ينبغي أن يكتب الالف بعد الواو ودخول الالف وخروجها في النقط من هذا سواء، لان الهمزة قبل الواو.
وقوله ((وَرَأَوْ))(93) كتبت أيضا بغير ألف ونقطتها تقع قبل الالف، لانها مثل ((اتو)) مقصورة، وإذا جاءت الهمزة في مثل ((ائْتُوني بِهِ)) و((أئْذَنْ لي))، فان الهمزة في الياء وينظر إلى ما قبلها، فان كان مرفوعا نقَطت الهمزة مرفوعة، وإن كان منصوبا نقطت الهمزة فوقها، وإن كانت مجرورة نقطتها من تحتها مثل ((وقال الملك أئْتُونِي بِهِ)) قدام الياء، والنصب ((قَالَ أئْتُونِي بأخٍ لَكُمْ)) النصب في اللام، قال والخفض في قوله ((في السَّموات أئْتُوني)) وليس على الالف الّتي في ((ائتوني)) شيء من ذاك، إنَّ هذه الالف الّتي قبلها تسقط في الوسط وهي مختلفة كتبت للابتداء. فاذا كانت في معنى جيئوني، كتبوا بالواو وإذا كانت في معنى أعطوني كتبوا بغير ياء، وقرأ الاعمش ((أتُوني(94) أُفْرِغْ)) على معنى جيئوني.
68 قتلوا: يعني في الخط الكوفي (()).
69 قتلوا: هي في الخط الكوفي
70 أتيناهم: وهي في الخط الكوفي:
71 آتيناهم: في الخط الكوفي
72 ملجأ: في الخط الكوفي ، وفي (س 9 آ57)
73 سبأ بنبأ: وهي في الخط الكوفي
74 أضاء: في الخط الكوفيوو
75 والسّمأ بنأ: في الخط الكوفيوكذلك
76 ((السوء)): فشكلها في الخط الكوفي وكذلك في السماء
77 تقديره: في الاصل تقدير.
78 ويؤخركم: هي في الخط الكوفي وكذلك
79 يستهزئون: هي في الخط الكوفي وكذلك
80 أُوتوا: وهي في الخط الكوفي
81 وأوتوا: هي في الخط الكوفي وكذا اولئك
82 الاُولى : هي في الخط الكوفي
83 (2 آ 40): في الخط الكوفي
84 نبأنا: وشكلها في الخط الكوفي وكذا القرآن
85 (س 35 آ8): هي في الخط الكوفي ؟
86 وأتوا: فشكلها في الخط الكوفي وكذلك امرؤ.
87 السفهاء: وشكلها في الخط الكوفي
88 العلمؤا: فهي في الخط الكوفي
89 بروا: وشكلها في الخط الكوفي
90 الملؤا: في مصحفنا ((الملؤا الّذين كفروا من قومه)). انظر أيضا (س 27 آ29 ر32 ر38).
91 الجماع: كذا هي في الاصل والمراد الجمع.
92 وجيء: وهي في المصاحف الحديثة ((وجاىء)).
93 ورأوا: وهي في مصحفنا بالالف.
94 آتوني : وهي في القرأة المشهورة ((اتوني)) .