اخبار الحجّاج بعد موته:
تمهيد:
أ ـ على عهد سليمان بن عبدالملك:
ولي يزيد بن المهلب الازدي خراسان بعد وفاة أبيه (سنة 83ه) فمكث نحوا من ست سنين، ثمّ عزله عبد الملك في سنة تسعين برأي الحجاج، وكان الحجاج يخشى بأسه فسجنه مع اخويه، وجعل الحرس عليهم من اهل الشام وطلب منه ستة آلاف ألف، وأخذ يعذّبهم، فكان يزيد يصبر صبرا حسنا، وكان ذلك يغيظ الحجاج منه، فقيل للحجاج: انّه رمي في ساقه بنشابة، فثبت نصلها فيه، فهو لا يمسها إلا صاح.
فأمر أن يعذب في ساقه، فلما فعلوا به ذلك صاح واخته هند بنت المهلّب عند الحجاج، فلما سمعت صوته، صاحت وناحت، فطلقها الحجاج.
ثمّ هرب يزيد من سجن الحجاج وذهب إلى الشام واستجار بسليمان بن عبد الملك، فاجاره، وكتب الوليد بن عبد الملك الخليفة إلى الحجاج يأمره بالكف عن أهل يزيد بن المهلب، فكف عنهم، وأراد الوليد ان يخلع اخاه سليمان من ولاية العهد، ويبايع لولده عبد العزيز فأبى سليمان، فكتب إلى عماله ودعا الناس إلى ذلك، فلم يجبه إلاّ الحجاج وقتيبة وخواص من الناس، ومات الوليد في سنة (96ه) ولم يتم له خلع سليمان.
وولي بعده سليمان بن عبدالملك وولى يزيد بن المهلب العراق، ثمّ خراسان، وأمره بمعاقبة آل الحجاج بن يوسف ودفع إليه أصحاب الحجاج وأمره ان يعذبهم حتى يستخرج الاموال منهم وتتبع سليمان أصحاب الحجاج يسومهم سوء العذاب، وقام يزيد بن المهلب في العراق يعذب عمال الحجاج وأشخص إلى الخليفة سليمان يزيد بن أبي مسلم وكان الحجاج قد استخلفه من بعده على امرة العراق، ولمّا ادخل يزيد على الخليفة سليمان وكان يزيد قصيرا، خفيف البدن، فلمّا رآه قال له: أنت يزيد؟ قال: نعم.
قال: صاحب الحجاج والافعال الّتي بلغتني مع ما أرى من دمامة خلقتك؟
قال: ذاك واللّه أنّك رأيتني والدنيا عليك مقبلة، وهي عني مدبرة، ولو رأيتها وهي إلي مقبلة، وعنك مدبرة، لاستعظمت ما استصغرت، واستجللت ما استحقرت.
قال: أين ترى الحجاج يهوي في النار؟
قال: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين لرجل يحشر عن يمين أبيك وشمال أخيك، وأنزله حيث شئت تنزلهما معه.
فقال ليزيد بن المهلب: خذه إليك، فعذبه بألوان العذاب، حتى تستخرج منه الاموال(56).
ب ـ على عهد عمر بن عبدالعزيز:
قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الامم فجاءت كل امة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لاخرة لقد وُلِّيَ العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فاخسّ به إلى أن صيّره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدّى إليَّ عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إلى ما أدى إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف.
وقال: أبو بكر بن المقري: حدثنا أبو عروبة حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا أبي: سمعت جدّي قال: كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن أرطاة: بلغني أنك تستن بسنن الحجاج، فلا تستن بسننه، فانّه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن أسد حدثنا ضمرة عن الريان بن مسلم، قال: بعث عمر بن عبدالعزيز بآل بيت أبي عقيل ـ أهل بيت الحجاج ـ إلى صاحب اليمن وكتب إليه: أما بعد فاني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شرّ بيت في العمل، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على اللّه وعلينا، وعليك السلام.
ج ـ أقوال في الحجّاج:
قال ابن عساكر وابن كثير:
إنّ عليّا (ع) كان على المنبر، فقال: إنِّي ائتمنتهم، فخانوني، ونصحتهم فغشوني. اللّهمّ فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية. وفي رواية قال يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين سنة لا يدع للّه معصية إلاّارتكبها(57).
وقالا: وقيل لسعيد بن جبير خرجت على الحجاج.
فقال: واللّه ما خرجت عليه حتّى كفر(58).
وقالا: لمّا بلغ خبر موته إبراهيم النخعي، بكى من الفرح(59).
وقالا: سئل إبراهيم عن الحجاج أو بعض الجبابرة، فقال: أليس اللّه يقول: (ألا لعنة اللّه على الظالمين) وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج(60).
وقالا: أُخبر الحسن البصري بموت الحجاج، فسجد.
وفي رواية قال: اللّهمّ أَمته، فأذهب عنا سنّته(61).
وقالا: قال القاسم بن المخيمرة(62): وكان الحجاج ينقض عرى الاسلام وذكر حكاية.
قال المؤلف: إنّهما سكتا عن ذكر الحكاية.
وقالا: قال عاصم:(63) لم يبق للّه حرمة إلاّ ارتكبها الحجاج.
وقالا: اختلفوا في الحجاج فسألوا مجاهدا(64) فقال تسألون عن الشيخ الكافر.
قال المؤلف: قد نقلا كثيرا من أخبار الامام علي عن الحجاج ولكنّا اقتصرنا بما أوردنا إيجازا في الترجمة.
وفي تاريخ ابن كثير:
عن أبي البختري قال: قالوا لعلي: حدثنا عن أصحاب محمّد (ص).
قال: عن أيهم؟
قالوا: حدثنا عن ابن مسعود. قال: عَلِمَ القرآن والسنّة.
وقال ابن كثير: فهداتنا الصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتباع، وأصدق أقوالا من أصحاب الاهواء الحائدين عن الحق، مثل اقوال الحجاج وغيره من اهل الاهواء: هذيانات وكذب وافتراء، وبعضها كفر وزندقة، فان الحجاج كان عثمانيا امويا، يميل اليهم ميلا عظيما. ويرى ان خلافهم كفر. ويستحل بذلك الدماء. ولا تأخذه في ذلك لومة لائم(65).
وقال ـ أيضا ـ:
قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إيّاهم بغتة، وتهديده ووعيده اياهم، وانهم خافوه مخافة شديدة، وأنّه قتل عمير بن ضابئ وكذلك قتل كميل بن زياد صبرا، ثمّ كان من أمره في قتال ابن الاشعث ما قدمنا، ثمّ تسلط على من كان معه من الرؤساء والاُمراء والعباد والقرّاء، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير(66).
وقد كان ناصبيا يبغض عليّا وشيعته في هوى آل مروان بني أُميّة، وكان جبارا عنيدا مقداما على سفك الدماء بادنى شبهة.
وقد روي عنه الفاظ شنيعة ظاهرها الكفر(67).
* * *