الحجّاج في المدينة:

سار الحجاج بعد ان جدّد بناء البيت إلى مدينة الرسول (ص) وأقام بها ثلاثة أشهر يتعنت أهلها، واستخفّ ببقايا الصحابة، وختم في أيديهم وأعناقهم يذلهم بذلك كما صنع بالصحابي سهل بن سعد الساعدي عندما أرسل إليه، وقال له: ما منعك ان تنصر أمير المؤمنين عثمان؟ قال: قد فعلت! قال: كذبت! ثمّ أمر به فختم في عنقه برصاص(44).

وفي سنة 75 توفي حاكم العراق، فولاه الخليفة الاموي عبدالملك على العراق، وبقي واليا على العراق عشرون عاما يقتل أبناءهم، ويستحي نساءهم فخرج عليه عبداللّه بن جارود فقاتله، وقتله مع طائفة ممّن كانوا معه وخرج عليه جماعة أُخرى بنواحي البصرة وآخرون بالمدينة، فقاتلهم، وقتلهم وجمّر البعوث لقتال الخوارج عاما بعد عام، وساءت سيرة الحجاج مع الجميع ومن ضمنهم محمّد بن عبدالرّحمن بن الاشعث بن قيس وجيشه الّذين كانوا يغارون في الثغور الشرقية بما وراء سجستان، فقد كان الحجاج يكره محمّد بن الاشعث، فخلعوا الحجاج جميعا، ثمّ اقبلوا إلى الحجاج كالسيل المنحدر، وانضم إلى ابن الاشعث جيش عظيم(45).

والتحق به علماء وفقهاء صالحون خرجوا معه طوعا على الحجاج حتى بلغ عدد جيشه 120 ألف راجل و 33 ألف فارس، فعجز عنهم الحجّاج واستصرخ عبدالملك، فارسل إليه العساكر الشاميّة، فوقعت بين الحجّاج وابن الاشعث أربع وثمانون وقعة في مائة يوم فكانت منها 83 على الحجاج وواحدة له وتغلّب ابن الاشعث على الكوفة وخلعوا عبدالملك، وكان فيهم قرّاء العراق وقتل منهم خلق في القتال وكانت الوقعات بينهما ما بين الكوفة والبصرة فانكشف ابن الاشعث وقتل من أصحابه ناس كثير واسر الحجاج ناسا كثيرا ذبحهم جميعا كما يذبح الغنم، ذبح منهم بمسكن وحده خمسة آلاف أو أربعة آلاف أسير مسلم وفر ابن الاشعث مع خواصه إلى البلاد الايرانية، فظفروا به، وذبحوه، وقطعوا رأسه، وطافوا به في الاقاليم(46).

بقية ترجمة الحجاج:

سنورد من هنا إلى آخر ترجمة الحجاج روايات ابن عساكر وابن كثير في ترجمته بتاريخهما ونصرح باسم من طابقهما في الرواية كالاتي:

قالا مع الذهبي:

كان مالك بن أنس يؤلّب على الحجاج ايام عبد الرحمن بن الاشعث فبيتوه، وأتوا به الحجاج، فوسم في يده عتيق الحجاج(47).

وفي رواية دخل أنس عليه وهو يعرض الناس ليالي ابن الاشعث، فقال له: يا خبيث جوال في الفتن مرّة مع علي، ومرة مع ابن الزُّبير، ومرّة مع ابن الاشعث.

أمّا والّذي نفسي بيده لاستأصلنّك كما تستأصل الصمغة، ولاجردنّك كما يجرد الضب، أي: لاسلخنّك سلخ الضب إذا شوي.

فقال أنس: من يعني الامير؟ قال: إيّاك أعني، أصمّ اللّه سمعك.

فاسترجع أنس وشغل الحجاج، وخرج أنس فتبعوه إلى الرحبة فقال: لولا أني ذكرت ولدي وخشيته عليهم بعدي لكلمته بكلام لا يستحيين بعده أبدا.

وروى ابن كثير وقال:

فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبدالملك كتاب أنس استشاط غضبا، وشفق عجبا، وتعاظم ذلك من الحجاج، وكان كتاب أنس إلى عبدالملك:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، إلى عبدالملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أمّا بعد: فان الحجاج قال لي هُجرا، وأسمعني نكرا، ولم أكن لذلك أهلاً، فخذ لي على يديه، فإني أمتُّ بخدمتي رسول اللّه (ص) وصحبتي إيّاه، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته.

فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد اللّه بن أبي المهاجر(48) ـ وكان مصادقا للحجاج ـ فقال له: دونك كتابي هذين، فخذهما واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول اللّه (ص)، فارفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام، وقل له: يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابا، إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من عبدالملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول اللّه (ص)، أمّا بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك ولا أمرته بالاساءة إليك، فإن عاد لمثلها اكتب إليَّ بذلك أُنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتي، والسلام.

فلمّا قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأُخبر برسالته، قال: جزى اللّه أمير المؤمنين عني خيرا وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة، فهذا كان ظني به والرجاء منه.

فقال إسماعيل بن عبيداللّه لانس: يا أبا حمزة! إنّ الحجّاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنى، ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثمّ دفع إليك فقاربه وداره تعش معه بخير وسلام.

فقال أنس: أفعل إن شاء اللّه.

ثمّ خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فقال الحجاج: مرحبا برجل أُحبه وكنت أُحب لقاه، فقال إسماعيل: أنا واللّه كنت أُحب لقاءك في غير ما أتيتك به، فتغير لون الحجاج وخاف وقال: ما أتيتني به؟ قال: فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضبا عليك، ومنك بعدا، قال: فاستوى الحجاج جالسا مرعوبا، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرّة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أُخرى، فلمّا فضّه قال: قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه، فقال له إسماعيل: لا تعجل! فقال: كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة؟ وكان في الطومار:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان إلى الحجاج ابن يوسف، أمّا بعد، فانّك عبد طمت بك الاُمور، فسموت فيها، وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت داهية إدّا، وأردت أن تبدو لي، فان سوغتكها مضيت قدما، وإن لم أُسوغها رجعت القهقرى، فلعنك اللّه من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين.

أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الابار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا ابن المستفرية بعجم الزبيب، واللّه لاغمرنك غمر الليث الثعلب، والصقر الارنب.

وثبت على رجل من أصحاب رسول اللّه (ص) بين أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب ـ عزّ وجلّ ـ واستخفافا منك بالعهد(49).

وقالا: وأخبر عن تأخيره الصلاة عن وقتها ومعارضته ابن عمر وغيره أعرضنا عن ذكرها روما للايجاز في ترجمته.

وقالا:

ذكروا الحسين (رض) عند الحجاج فقال: لم يكن من ذريّة النبيّ (ص) فقال يحيى بن يعمر: كذبت أيُّها الامير!

فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب اللّه او لاقتلنّك.

فقال: قوله تعالى: (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ) ـ إلى قوله ـ (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى) فاخبر اللّه ان عيسى من ذريّة آدم بامّه.

قال: صدقت فما حملك على تكذيبي في مجلسي.

قال: ما اخذ اللّه على الانبياء لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

قال: فنفاه إلى خراسان(50).

وقالا:

ان الحجّاج قرأ (فَاتَّقُوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) فقال: هذه ـ أي اسمعوا وأطيعوا ـ لعبداللّه لامين اللّه وخليفته ليس فيها مثنوية ـ أي لا ثاني له أو لا استثناء له ـ واللّه لو أمرت رجلاً يخرج من باب هذا المسجد، فاخذ من غيره لحلّ لي دمه، واللّه لو أخذت ربيعة بدم مضر لكان لي حلالاً.

وقال في شأن الصحابي عبداللّه بن مسعود:

كان ابن مسعود رأس المنافقين لو ادركته لاسقيت الارض من دمه.

وفي رواية قال فيه: يا عجبا من عبد هذيل لو ادركته لضربت عنقه.

وقال عن مصحفه لاحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير.

قال الاعمش: لمّا سمعت ذلك منه قلت في نفسي: واللّه لاقرأنها على رغم أنفك.

وقالا: ختم الحجاج في عنق انس بن مالك أراد أن يذله وانّه فعل ذلك بغير واحد من الصحابة يريد ان يذلهم بذلك(51).


44 تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 116 في ذكره حوادث سنة (74ه).

45 تاريخ الاسلام للذهبي ذكر حوادث سنة 75ه (3 / 117) وسنة 80ه (3 / 127ـ129) وسنة 81ه (3 / 226).

46 تاريخ الاسلام 3 / 226 ـ 234 ذكر حوادث سنوات 81 ـ 84ه.

ومَسْكِن: موضع على نهر دجيل، والدجيل بلد قريب من بغداد. معجم البلدان.

47 تهذيب تاريخ ابن عساكر 3 / 151؛ والبداية والنهاية لابن كثير 9 / 133 واللفظ للذهبي، تاريخ الذهبي 3 / 342.

وروى الذهبي وابن عساكر وقالا: كان أنس بن مالك أبرص وبه وضح شديد وتوفي سنة 90 أو 91 واختلفوا في عمره يوم توفي.

48 اسماعيل بن عبيداللّه بن المهاجر الدمشقي المخزومي ولاء (ت: 131ه) تقريب التهذيب 1/ 72.

49 ابن كثير البداية والنهاية 9 / 133 ـ 134، تهذيب ابن عساكر (4 / 76 ـ 78).

وإدّا: أمر داهية منكر، والخفش: ضعف في الابصار يظهر في النور الشديد. والجاعرة: حرف الورك المشرف على الفخذ وهما جاعرتان.

50 ابن عساكر تاريخه مصورة المجمع 4 / 1 / 116ب وتهذيب ابن عساكر 4 / 68 وابن كثير 9 / 126 ووفيات الاعيان 5 / 222.

يحيى بن يعمر البصري مات قبل المائة أو بعدها، أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح. تقريب التهذيب (2 / 361).

51 ابن عساكر مصورة المجمع 4 / 1 / 122ب، تهذيب تاريخ ابن عساكر (4 / 72) ابن كثير (9 / 128 ـ 130).