أ ـ الحجّاج في عصره:
لمّا استشهد الحسين (ع) ظهر ابن الزُّبير بمكّة ودعا لنفسه، وبعد موت يزيد ابن معاوية سنة 64ه بايعه بالخلافة اهل الحجاز واليمن والعراق ومصر وتوابعها مع بعض بلاد الشام(40).
وفي عام 72 هجرية ولّى الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان الحجّاج لحرب ابن الزُّبير وجهّزه بجيش من الشام، وفي عام 73 حاصر الحجّاج ابن الزُّبير ومن معه بمكّة فالتجأوا بالحرم فنصب الحجّاج المجانيق ـ واحده المنجنيق آلة حرب شبيهة بالمدفع في عصرنا ـ على جبال مكّة، وأخذ يرمي أهل المسجد بالحجارة والنيران، وراجزهم يقول:
خطّارة مثل الفنيق الملبد
نرمي بها عوّاذ أهل المسجد
يعني نرمي بها العائذين بالمسجد.
وجعلت الحجارة تقع في الكعبة، حتّى انصدع الحائط الّذي على بئر زمزم عن آخره، وانقضت الكعبة من جوانبها.
فرعدت السماء، وبرقت وعلا صوت الرعد والبرق على الحجارة، وقتلت الصاعقة اثني عشر رجلاً فانكسر أهل الشام وأمسكوا بايديهم فرفع الحجّاج بركة قبائه، فغرزها في منطقته ورفع حجر المنجنيق، فوضعه فيه ثمّ قال: ارموا ورمى معهم.
وجعل الحجاج يصيح باصحابه: يا اهل الشام: اللّه اللّه في الطاعة، فجعل أهل الشام يرتجزون ويقولون:
مثل الفنيق المزبد نرمي
بها أعواد هذا المسجد
فنزلت صاعقة على المنجنيق فاحرقته فتوقف أهل الشام عن الرمي فخطبهم الحجّاج، فقال: ألم تعلموا انّ النار كانت تنزل على من قبلنا، فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم فلولا ان عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته، ثمّ أمرهم الحجّاج فرموا بكيزان النفط والنار، حتى احترقت الستّارات كلها، فصارت رمادا فجعل الحجاج يرتجز ويقول:
أما تراها ساطعا غبارها
واللّه في ما يزعمون جارها
فقد وهت وصدعت أحجارها
وحان من كعبتها دمارها
ولمّا غلب الحجاج على ابن الزُّبير وقتله، قطع رأسه وصلبه مُنكسا، حتّى تفسخ جسده(41). وبعث برأسه ورؤوس آخرين إلى الشام وأمرهم إذا مرّوا بالمدينة ان ينصبوا الرؤوس بها.
وأراد الحجّاج ان يبرّر قتاله لابن الزُّبير وما صنعت يداه في تلك الحرب القذرة ولم يكن له ان يرمي ابن الزبير بخذلانه للخليفة عثمان كما احتج به لما فعل مع من بقي من صحابة الرسول (ص) في المدينة المنورة لان ابن الزبير كان من رؤساء جيش الجمل الّذي قاتل الامام عليّا باسم الطلب بدم عثمان، فكيف برّر صنيعه؟ انّه صعد المنبر بمكّة وخطب الناس وقال: ان ابن الزُّبير غيّر كتاب اللّه!
فقال ابن عمر: ما سلّطه اللّه على ذلك ولا انت معه، ولو شئت أن اقول: كذبتَ فعلتُ(42).
هكذا جابه الصحابي عبداللّه ابن الخليفة عمر الحاكم الغشوم سفّاك الدماء مهدّم بيت اللّه الحرام الحجّاج على الملا بمكة وقال له: (ما سلّطه اللّه على ذلك ولا أنت معه) أي: لو اجتمع سلطانك وسلطانه على تغيير كتاب اللّه ما استطعتم، لانّ اللّه ما سلّطكم على ذلك وأنّه قد حفظ كتابه العزيز من ذلك، وكان نتيجة تجرّؤ ابن عمر على الحجّاج انّه أمر رجلاً معه حربة مسمومة فلصق بابن عمر عند دفع الناس ـ من منى إلى المشعر ـ فوضع الحربة على ظهر قدمه فمرض منها أيّاما، فأتاه الحجاج يعوده، فقال له من فعل بك؟ قال: وما تصنع؟ قال: قتلني اللّه ان لم أقتله.
قال: ما أراك فاعلا. أنت أمرت الّذي نخسني بالحربة. فقال لا تفعل يا أبا عبدالرّحمن(43).