سار على نهج معاوية من جاء بعده من خلفاء بني أُميّة، فقد روى اليعقوبي في أيّام مروان من تاريخه (2 / 261) ما موجزه:
إنّ عبدالملك منع أهل الشام من الحجّ أيام ابن الزبير بمكة وقال لهم: مسجد بيت المقدس يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة الّتي يروى أن رسول اللّه (ص) وضع قدمه عليها لمّا صعد إلى السماء، تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبّة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيّام بني أُميّة.
وبلغ أمر إبعادهم أهل الشام عن فهم الحقيقة إلى حدّ أنهم لم يرضوا أن تنشر بين أهل الشام سيرة الرسول (ص)، وقد روى في ذلك الزُّبير بن بكار: في الموفقيات (ص 332 ـ 333)، وقال ما موجزه:
(إن سليمان بن عبدالملك مرّ بالمدينة حاجّا في عصر أبيه وأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِير النّبيّ (ص) ومغازيه.
فقال أبان: هي عندي أخذتها مصححة ممّن أثق به.
فأمر عشرة من الكتاب بنسخها، فكتبوها في رِقّ، فلما صارت إليه نظر، فإذا فيها ذكر الانصار في بدر، فقال سليمان: ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل فأما أن يكون أهل بيتي ـ أي الخلفاء الامويين ـ غمصوا عليهم، وأما أن يكونوا ليس هكذا، فقال أبان بن عثمان: أيها الامير! لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم ـ يقصد الخليفة عثمان ـ من خذلانه أن نقول الحق، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا. قال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذلك حتى أذكره لامير المؤمنين ـ يقصد والده عبد الملك ـ لعله يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فحرِّق، ولما رجع أخبر أباه بما كان.
فقال عبدالملك: وما حاجتك أن تقَدم بكتاب ليس لنا فيه فضل تعرِّف أهل الشام أُمورا لانريد أن يعرفوها؟
قال سليمان: فلذلك أمرت بتحريق ما نسخته، حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين، فصوب رأيه).
وانتجت سياسة الخلافة الاموية ما رواه المسعودي في ذكره أيام مروان الحمار بمروج الذهب (3 / 33) وقال:
بعد مقتل مروان آخر الخلفاء الامويين نزل عبداللّه بن علي ـ أوّل الخلفاء العباسيين ـ الشام ووجه إلى أبي العباس السفاح أشياخا من أهل الشام من أرباب النعم والرئاسة من سائر أجناد الشام ـ أي حواضر البلاد الشامية ـ فحلفوا لابي العباس السفاح أنّهم ما علموا لرسول اللّه (ص) قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أُميّة حتى وليتم الخلافة.
روى ابن الاثير في ذكر ترك سبّ أمير المؤمنين علي (ع) عن عمر بن عبدالعزيز أنّه قال:
(كان أبي إذا خطب فنال من علي (رض) تلجلج، فقلت: يا أبت إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا! قال: أَوَفطنت لذلك؟ قلت: نعم، فقال: يا بنيّ! إنّ الّذين حولنا لو يعلمون مِن عليّ ما نعلم تفرقوا عنّا إلى أولاده، فلمّا ولي الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الامر العظيم لاجله فترك ذلك وكتب بتركه وقرأ عوضه (اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْسَانِ وإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) (النَّحل / 90)(39).
وممّا ينبغي ان ندرسه من سياسة الخلافة الاموية بعض أخبار الحجاج أمير القسم الشرقي للبلاد الاسلامية يومذاك.