أثر تربية معاوية لاهل الشام خاصّة:
استطاع معاوية أن يفعل في سلطانه ما يشاء نتيجة ابعاد اهل الشام عن فهم الاسلام، ومن الشواهد على ذلك ما رواه المسعودي في مروج الذهب (3 / 32):
(قد بلغ من طاعتهم له ـ لمعاوية ـ أنّه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة يوم الاربعاء، وأعاروه رؤوسهم عند القتال، وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: إن عليّا هو الّذي قتل عمّار بن ياسر حين أخرجه لنصرتهم، ثمّ ارتقى بهم الامر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنّة ينشأ عليها الصغير، ويهلك عليها الكبير).
وصيّة معاوية لابنه يزيد:
قال ابن عبد ربّه في خبر وفاة معاوية من العقد الفريد:
لما حَضرت معاوية الوفاةُ، ويزيد غائب، دعا الضحاك بن قيس الفهري ومسلم بن عقبة المري، فقال: أبلغا عني يزيد وقولا له: انظر إلى أهل الحجاز فهم أصلك وعترتك، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد عنك فتعاهده، وانظر أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله، فإن عزل عامل واحد أهون من سل مائة ألف سيف، ولا تدري على من تكون الدائرة، ثمّ انظر إلى أهل الشام فاجعلهم الشعار دون الدثار، فإن رابك من عدوك ريب فارمه بهم، ثمّ اردد أهل الشام إلى بلدهم، ولا يقيموا في غيره، فيتأدبوا بغير أدبهم(38).
نتيجة البحث:
يظهر من سيرة معاوية أنّه كان أشد تعلّقا بنشر فضائل أُرومته وعصبته وإلصاق المثالب بخصومه ومن ناوأه ممّن سبقه من أسلافه في الجاهلية. فهو يفاخر ابن عم الرسول بأبيه وتملكه بلاد المسلمين. ويقتدي بكسرى وقيصر في حكمه ويهجو الانصار شاعره النصراني ويأمر ولاته بشتم علي وذمّه ولعنه على منابر المسلمين في خطب صلاة الجمعة، وأن يدعوا الناس إلى رواية الحديث في فضائل عثمان والخلفاء من قبله، وأن يأتوا بمناقض لروايات فضائل عليّ، وأن ينشروا ذلك على العرب والموالي، فانتشر في حكمه روايات كثيرة مفتعلة لا حقيقة لها في فضائل الصحابة وما ينتقص به على الامام.
وكشف عن دخيلته للمغيرة بن شعبة حين قال له المغيرة: انّك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإن ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه، فقال هيهات هيهات! أي كيف ارجو بقاء ذكر الاعمال وقد ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عديّ فاجتهد وشمّر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره؛ إلاّ ان يقول قائل: عمر إلى قوله: وانّ ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرّات (أشهد ان محمّدا رسول اللّه).
فاي عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا ابا لك، ولا واللّه الا دفنا دفنا! من كلّ ذلك نعرف ان خصائص المجتمع على عهد معاوية كانت من جانب الحاكم تملكه باسم الاسلام وتخلّقه باغلظ العصبيّات الجاهليّة ثمّ توظيفه من يضع الاحاديث في فضائل ذوي أُرومته وعصبته وذمّ من يخاصمهم من بني هاشم ولا سيما الامام علي، وبقيت تلكم الاحاديث منتشرة بين المسلمين حتى عصر تدوين الحديث، حيث انتشرت في أنواع كتب الحديث، وسوف ندرس بعضها ممّا رويت في شأن القرآن الكريم في البحوث الاتية إن شاء اللّه تعالى.