سياسة معاوية مع عليّ بن أبي طالب (ع)

قال كتب معاوية إلى علي بن أبي طالب:

يا أبا الحسن ان لي فضائل كثيرة. وكان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الاسلام واخا صهر رسول اللّه (ص) وخال المؤمنين وكاتب الوحي، فقال علي:

أبالفضائل يفخر عليَّ ابن آكلة الاكباد ثمّ قال اكتب يا غلام:

محمّد النبي أخي وصهري

وحمزةُ سيد الشهداء عمِّي

وجعفر الّذي يمسي ويضحي

يطير مع الملائكة ابنُ أُمّي

وبنت محمّد سكني وعرسي

منوط لحمُها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها

فأيكم له سهم كسهمي

سبقتكم إلى الاسلام طرا

صغيرا ما بلغت أوان حلمي

فقال معاوية اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبي طالب(5).

حتى إذا استشهد الامام علي وصفا له الجوّ عاش عيشة كسرى وقيصر كما رواه المؤرخون، مثل اليعقوبي الّذي قال:

بترجمة معاوية من تاريخه (2 / 232 ـ 234) ما موجزه:

وكان معاوية أوّل من أقام الحرس والشرط والبوابين في الاسلام وأرخى الستور، واستكتب النصارى، ومُشي بين يديه بالحراب، وأخذ الزكاة من الاعطية، وجلس على السرير والناس تحته، وشيّد البناء، وسخر الناس في بنائه، ولم يسخّر أحد قبله، واستصفى أموال الناس، فأخذها لنفسه، وكان يقول: أنا أوّل الملوك.

وأخرج من كل بلد ما كانت ملوك فارس تستصفيه لانفسها من الضياع العامرة، وجعله صافية لنفسه، فأقطعه جماعة من أهل بيته، وكان صاحب العراق يحمل إليه من مال صوافيه مائة ألف ألف درهم.

وفعل بالشام والجزيرة واليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع وتصييرها لنفسه خالصة، وكان أوّل من كانت له الصوافي في جميع الدنيا، حتى بمكّة والمدينة.

وقال في (ج 2 / 218) ما موجزه:

(وولّى معاوية عبداللّه بن درّاج مولاه خراج العراق فكتب إليه: أنّ الدهاقين اعلموه أنّه كان لكسرى وآل كسرى صوافي يجتبون مالها لانفسهم ولا تجري مجرى الخراج، فكتب إليه: أن أحصِ تلك الصوافي، واستصفها، واضرب عليها المسنّيات.

فأمر فَأُتي بالديوان من حلوان، واستخرج منه كلّ ما كان لكسرى وآل كسرى، وضرب عليه المسنيّات، واستصفاه لمعاوية، فبلغت جبايته خمسين الف الف درهم من ارض الكوفة وسوادها، وكتب إلى واليه بالبصرة بمثل ذلك وأمرهم ان يحملوا إليه هدايا النيروز، والمهرجان، فكان يحمل إليه في النيروز وغيره وفي المهرجان عشرة آلاف ألف).

وإنما استطاع معاوية ان يفعل في سلطانه ما يشاء ونتيجة ابعاده من الشام صحابة الرسول (ص) ولم يكن في جيشه عندما قاتل الامام عليّا في صفين من أنصار الرسول اللّه (ص) غير اثنين، فقد روى اليعقوبي في تاريخه (2 / 188) وقال:

وكان مع علي يوم صفين من أهل بدر سبعون رجلاً، وممّن بايع تحت الشجرة سبعمائة رجل، ومن سائر المهاجرين والانصار أربعمائة رجل، ولم يكن مع معاوية من الانصار إلاّ النعمان بن بشير، وسلمة بن مخلد.

* * *

اتخذ معاوية بديلاً من أصحاب رسول اللّه (ص) بطانة مثل ابن أُثال الطبيب النصراني.

قال اليعقوبي في تاريخه:

واستعمل معاوية ابن أُثال النصراني على خراج حمص، ولم يستعمل النصارى أحد من الخلفاء قبله وقد وصفه ابن عبد البر الطبيب اليهودي.

وقال في ترجمة عبد الرحمن بن خالد من الاستيعاب(6) ما موجزه:

إن معاوية لمّا أراد البيعة ليزيد، ورأى رغبة أهل الشام في عبدالرّحمن بن خالد أمر طبيبا عنده يهوديا، وكان عنده مكينا أن يأتيه، فيسقيه سقية يقتله بها ففعل.

وكان الاخطل الشاعر النصراني شاعر الامويين منذ عهد معاوية، وأمره يزيد أن يهجو الانصار فهجاهم في أبيات قال فيها(7):

ذهبت قريش بالمكارم كلها

واللؤم تحت عمائم الانصار(8)

* * *

كان ما ذكرناه جزءا من خصائص المجتمع على عهد معاوية.

ويتصل ببحث خصائص المجتمع على عهد معاوية سياسة حكمه في رواية حديث الرسول (ص)، ولعلّ ممّا بدأ عهده ما رواه الخطيب البغدادي أن معاوية قال على المنبر بدمشق: أيُّها الناس! إيّاكم واحاديث رسول اللّه (ص) إلاّ حديثا كان يذكر على عهد عمر(9).

ولم يكتف بهذا بل كان من أمر الحديث على عهده ما رواه الطبري(10) وقال: استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين، فلمّا أمّره عليها دعاه، وقال له: قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، ولست تاركا إيصاءك بخصلة، لا تترك شتم عليّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب لاصحاب عليّ، والاقصاء لهم، والاطراء لشيعة عثمان، والادناء لهم. فقال له المغيرة: قد جُرِّبتُ وجرَّبتُ وعملتُ قبلك لغيرك، فلم يذممني، وستبلو فَتَحمدُ أو تَذُمُّ، فقال: بل نَحْمَدُ إن شاء اللّه.

وروى ابن أبي الحديد عن المدائني في كتاب الاحداث، وقال:

كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب، وأهل بيته،.... وكان أشدّ البلاء حينئذ أهل الكوفة(11).

وقال: كتب معاوية(12) إلى عمّاله في جميع الافاق: ألاّ يجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه، وأهل ولايته، والّذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا إليَّ بكل ما يروي كلُّ رجل منهم، واسمه، واسم أبيه، وعشيرته.

ففعلوا ذلك، حتى كثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويُفضيه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه، فلبثوا بذلك حينا، ثمّ كتب إلى عماله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاوّلين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وأتوني بمناقض له في الصحابة فإنَّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ إلى عيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان، وفضله، فَقُرِئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وأُلقي إلى معلمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه، وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وعلّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك إلى ما شاء اللّه...، فظهرت أحاديث كثيرة موضوعة، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة...) الحديث(13).

وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه، وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم، في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال: ((إنَّ أكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة، افتعلت في أيّام بني أُميّة تقرّبا إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم))(14).

وروى ابن أبي الحديد عن أبي جعفر الاسكافي(15) وقال: ((إنّ معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ (ع) تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلا يرغب في مثله)).

وروى في هذا الصدد عن الصحابة عن عمرو بن العاص، الحديثأخرجه البخاري(16) ومسلم في صحيحيهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللّه يقول جهارا غير سرّ(17): ((إنَّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما وليّي اللّه وصالح المؤمنين)).

وفي البخاري بعده بطريق آخر عنه: (ولكن لهم رحما أبلّها ببلالها) ـ يعني أصلها بصلتها ـ انتهى.

كانت تلكم رواية ابن أبي الحديد عن صحيح البخاري، وفي طبعات البخاري في عصرنا بدل لفظ (آل أبي طالب) بـ: (آل أبي فلان).

وروى الطبري انّ المغيرة بن شعبة أقام سبع سنين وأشهرا في الكوفة لا يدع ذمّ عليّ والوقوع فيه، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لاصحابه(18)، غير أنَّ المغيرة كان يداري، فيشتدّ مرّة، ويلين أُخرى.

وروى الطبري: أنَّ المغيرة بن شعبة قال لصعصعة بن صوحان العبدي وكان المغيرة أميرا على الكوفة من قبل معاوية: ((إيّاك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس، وإيّاك أن يبلغني عنك أنّك تظهر شيئا من فضل عليّ علانية، فإنّك لست بذاكر من فضل عليّ شيئا أجهله، بل أنا أعلم بذلك، ولكنّ هذا السلطان قد ظهر، وقد أخذنا باظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيرا ممّا أُمرنا به، ونذكر الشيء الّذي لا نجد منه بدّا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقيّة، فإن كنت ذاكرا فضله، فاذكره بينك وبين أصحابك، وفي منازلكم سرّا، وأمّا علانية في المسجد، فإنَّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا ولا يعذرنا به...))(19) الحديث.

وقال اليعقوبي(20) ما موجزه:

وكان حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من شيعة علي بن ابي طالب، إذا سمعوا المغيرة وغيره من أصحاب معاوية وهم يلعنون عليا على المنبر، يقومون فيردون عليهم، ويتكلمون في ذلك.

فلمّا قدم زياد الكوفة وجّه صاحب الشرطة إليهم، فأخذ جماعة منهم فقتلوا، وهرب عمرو بن الحمق الخزاعيّ إلى الموصل وعدّة معه، وأخذ زياد حجر بن عديّ الكنديّ وثلاثة عشر رجلا من أصحابه، فأشخصهم إلى معاوية، فكتب فيهم أنّهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، وزَرَوْا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة، وأنفذ شهادات قوم، فلمّا صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال، أمر معاوية بإيقافهم هناك، ثمّ وجه إليهم من يضرب أعناقهم، فكلّمه قوم في ستّة منهم، فأخلى سبيلهم، وأمر أن يعرض على الباقي البراءة من علي واللعن له فقالوا: إن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، فابرأوا منه نخلِّ سبيلكم!

قالوا: اللّهمّ لسنا فاعلي ذلك!

فحفروا لهم قبورهم وأُدنيت أكفانهم، فقاموا الليل كلّه يصلون، فلما أصبحوا عرضوا عليهم البراءة من علي، فقالوا: نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه. فأخذ كل رجل منهم رجلا يقتله فقال حجر: دعوني أتوضأ وأُصلي.

فلمّا أتمّ صلاته قتلوه وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة مع حجر. فلما بلغوا عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن العفيف الخثعمي قالا: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مقالته. فبعثوا بهما إلى معاوية فلما دخلا عليه، قال معاوية للخثعمي: ما تقول في علي؟، قال أقول فيه قولك! قال أتبرأ من دين علي؟ فسكت، فقام ابن عم له فاستوهبه من معاوية، فحبسه شهرا ثمّ خلَّى سبيله على أن يذهب إلى الكوفة.

أمّا العنزي فقد قال له: يا أخا ربيعة! ما قولك في علي؟ قال: أشهد أنّه كان من الذاكرين اللّه كثيرا ومن الامرين بالحقّ والقائمين بالقسط والعافين عن الناس.

قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحقّ. قال قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلت، فبعث معاوية إلى زياد وكتب إليه: أمّا بعد، فإن هذا العنزي شرُّ من بعثت، فعاقبه عقوبته الّتي هو أهلها واقتله شرّ قتلة.

فلمّا قدم به على زياد فبعث زياد به إلى قسّ الناطف فدفن به حيّا(21).

ومن قصص زياد بن أبيه في هذه المعركة أيضا ما وقع بينه وبين صيفي بن فسيل، فإنّه أمر فجيء به إليه، فقال له: يا عدوّ اللّه! ما تقول في أبي تراب؟

قال: ما أعرف أبا تراب.

قال: ما أعرفَك به!

قال: ما أعرفه.

قال: أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟!

قال: بلى.

قال: فذاك، ـ وبعد محاورة بينهما ـ قال: عليّ بالعصا، فقال: ما قولك في عليّ؟

قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيد اللّه أقوله في أمير المؤمنين، قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالارض؛ فضرب حتى أُلصق بالارض، ثمّ قال: أقلعوا عنه، فتركوه، فقال له: إيه ما قولك في عليّ؟

قال: واللّه لو شرطتني بالمواسي والمُدى ما قلت إلاّ ما سمعت منّي، قال لتلعننّه أو لاضربنَّ عنقك، قال: إذا واللّه تضربها قبل ذلك، فأُسعد وتشقى، قال: ادفعوا في رقبته، ثمَّ قال: أوقروه حديدا واطرحوه في السجن، ثمَّ قتل مع حجر(22).

وكتب إلى معاوية في رجلين حضرميّين(23) أنّهما على دين عليّ ورأيه، فأجابه: من كان على دين علي ورأيه فاقتله، ومثِّل به.

فصلبهما على باب دارهما بالكوفة(24).

كما أمره بدفن الخثعميّ الّذي مدح عليّا وعاب عثمان حيّا، فدفنه حيّا(25).

وختم حياته بما ذكره المسعودي، وابن عساكر، قال ابن عساكر:

جمع أهل الكوفة، فملا منهم المسجد والرُّحبة والقصر، ليعرضهم على البراءة من عليّ(26).

وقال المسعودي: وكان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرّضهم على لعن عليّ، فمن أبى ذلك عرضه على السيف، ثمّ ذكر أنّه اُصيب بالطاعون في تلك الساعة فأُفرج عنهم.

وكان عمرو بن الحمق الخزاعيّ ممن أصابه التشريد والقتل في هذه المعركة، فإنّه فرَّ إلى البراري، فبحثوا عنه حتى عثروا عليه، فحزّوا رأسه، وحملوه إلى معاوية، فأمر بنصبه في السوق، ثمّ بعث برأسه إلى زوجته في السجن ـ وكان قد سجنها في هذا السبيل ـفالقي في حجرها(27).

عمّت هذه السياسة البلاد الاسلامية، واتّبعها ونفّذها غير من ذكرنا من الاُمراء أيضا، كبسر بن أبي أرطأة في ولايته البصرة، وابن شهاب في الري(28). فقد كانت لهم قصص في ذلك ذكرها المؤرخون، ثمَّ أصبحت هذه سياسة بني أُمية التقليدية، ولُعن علي بن أبي طالب على منابر الشرق والغرب ماعدا سجستان، فإنّه لم يُلعَن على منبرها إلاّ مرة، وامتنعوا على بني أُمية، حتى زادوا في عهدهم أن لا يُلعن على منبرهم أحدٌ في حين كان يلعن على منابر الحرمين مكّة والمدينة(29).

وقد كانوا يلعنون عليّا على المنابر بمحضر من أهل بيته، وقصصهم في ذلك كثيرة نكتفي منها بذكر واحدة أوردها ابن حجر(30) في تطهير اللّسان، وقال:

إنّ عمرا صعد المنبر، فوقع في علىٍّّ، ثمَّ فعل مثله المغيرة بن شعبة، فقيل للحسن: إصعد المنبر لتردّ عليهما، فامتنع إلاّ أن يعطوه

عهدا أن يصدقوه إن قال حقّا، ويكذبوه(31) إن قال باطلا.

فأعطوه ذلك، فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمَّ قال: أُنشدك اللّه يا عمرو! يا مغيرة! أتعلمان أنَّ رسول اللّه (ص) لعن السائق والقائد أحدهما فلان؟ قالا: بلى، ثمَّ قال: يا معاوية! ويا مغيرة! ألم تعلما أنَّ النبي (ص) لعن عمرا بكل قافية قالها لعنة؟ قالا: اللّهمّ بلى... الحديث.

ولما كان الناس لايجلسون لاستماع خطبهم لما فيها من أحاديث لا يرتضونها، خالفوا السنّة، وقدّموا الخطبة على الصلاة.

قال ابن حزم في المحلّى(32):

أحدث بنو أُميّة تقديم الخطبة على الصلاة، واعتلّوا بأنّ الناس كانوا إذا صلّوا تركوهم، ولم يشهدوا الخطبة، وذلك لانّهم كانوا يلعنُون علي بن أبي طالب (ع) فكان المسلمون يفرُّون، وحقَّ لهم ذلك.

وروى المسعودي وقال ما موجزه:

لما حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة، فأجلسه معه على سريره، ووقع في علي وشرع في سبّه، فزحف سعد، ثمَّ قال: أجلستني معك على سريرك، ثمَّ شرعت في سبِّ علي؟!

واللّه لان يكون فيَّ خصلة واحدة من خصال عليّ أحبّ إليَّ، ثمَّ ساق الحديث باختلاف يسير، وذكر في آخره أنّه قال: وأيم اللّه لا دخلت لك دارا ما بقيت، ثمَّ نهض(33).

أمّا ابن عبد ربّه، فقد أورده باختصار في أخبار معاوية من العقد الفريد وقال(34):

((ولمّا مات الحسن بن عليّ حجّ معاوية، فدخل المدينة، وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول اللّه (ص) فقيل له: إنَّ هاهنا سعد بن أبي وقّاص، ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخذ رأيه، فأرسل إليه وذكر له ذلك، فقال: إن فعلت لاخرجنَّ من المسجد ثمَّ لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد.

فلمّا مات لعنه على المنبر، وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا، فكتبت أُمّ سَلمة زوجة النبيّ (ص) إلى معاوية: انّكم تلعنون اللّه ورسوله على منابركم، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب، ومن أحبّه، وأنا أُشهد اللّه أنَّ اللّه أحبّه، ورسوله، فلم يلتفت إلى كلامها)) انتهى(35).

وقال ابن أبي الحديد:

روى أبو عثمان ـ الجاحظ ـ أيضا أنّ قوما من بني أُميّة قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين! إنك قد بلغت ما أملت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل!

فقال: لا واللّه، حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً(36).

روى الزُّبير بن بكار وقال:

قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية ، فكان أبي يأتيه، فيتحدث معه، ثمّ ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتمّا، فانتظرته ساعةً، وظننتُ أنّه لامر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمّا منذ الليلة؟

فقال: يا بنيّ! جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟

قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيرا، فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه.

فقال: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم، فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وشمَّر عشر سنين، فما عدا أن هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر.

وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلَّ يوم خمس مرات (أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه) فأي عمل يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟

لا واللّه إلاّ دفنا دفنا(37).


5 تاريخ دمشق لابن عساكر مخطوطة مصورة المجمع العلمي الاسلامي 12 / 2 / ص 199ب -200أ.

6 الاستيعاب (2 / 396).

7 الاغاني (14 / 118).

8 الاغاني (16 / 8).

9 الخطيب البغدادي في كتابه شرف أصحاب الحديث ص 91.

10 في حوادث سنة إحدى وخمسين من الطبري 6 / 108، وط. أوربا 2 / 112 ـ 113 وابن الاثير 3 / 202.

11 شرح الخطبة (57) من نهج البلاغة لابن أبي الحديد ط. مصر الاُولى، 3 / 15 ـ 16. ومنه ننقل كلّ ما ننقل من شرح ابن أبي الحديد.

12 قد نقل كتاب معاوية هذا أيضا أحمد أمين في فجر الاسلام 275.

13 في شرح (من كلام له، وقد سأله سائل عن أحاديث البدعة) من شرح النهج 3 / 15 ـ 16، ذكر ابن أبي الحديد الروايتين المرويتين عن (المدائني). وهو أبوالحسن علي بن محمّد بن عبداللّه (ت 315ه) ذكر له النديم في الاحداث 25 كتابا (الفهرست ص 115).

14 المصدر السابق؛ وص 213 من فجر الاسلام. ونفطويه هو إبراهيم بن محمّد بن عرفة الازدي قال في ترجمته بتاريخ بغداد: كان صدوقا له مصنّفات كثيرة. وقال المسعودي في ذكر المؤرخين وأصحاب الاخبار في أول كتابه مروج الذهب، 1 / 23: وكذلك تاريخ أبي عبداللّه الملقب بنفطويه فمحشو من ملاحة كتب الخاصّة مملوء من فوائد السادة وكان أحسن أهل عصره تأليفا وأملحهم تصنيفا وذكر أسماء مؤلفاته في هديّة العارفين ص 5 وقال (ت 323ه).

15 شرح النهج ط. مصر الاُولى، 1 / 358. والاسكافي نسبة إلى الاسكاف من نواحي النهروان بين بغداد وواسط. وأبو جعفر الاسكافي في مادّة الاسكاف من معجم البلدان عداده في أهل بغداد أحد المتكلمين من المعتزلة (ت 204ه) وقال ابن حجر في ترجمته:محمّد بن عبداللّه الاسكافي، من متكلمي المعتزلة وأحد أئمتهم، وإليه تنسب الطائفة الاسكافية منهم، وهو بغدادي أصله من سمرقند، قال ابن النديم: كان عجيب الشأن في العلم والذكاء والصيانة ونيل الهمة والنزاهة، بلغ في مقدار عمره ما لم يبلغه أحد، وكان المعتصم يعظمه. وله مناظرات مع الكرابيسي وغيره. توفي سنة 240، لسان الميزان، 5 / 221.

16 قد ذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه 4 / 34 كتاب الادب، باب يبل الرحم ببلالها بطريقين عن ابن العاص. وفي ط البخاري كنّى عن آل أبي طالب قال آل أبي فلان.

17 هذه الزيادة في رواية البخاري الثانية عن ابن العاص وكنى ـ أيضا ـ وقال آل أبي فلان. ومسلم 1 / 136 كتاب الايمان موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم.

18 الطبري ط. أروبا 2 / 112.

19 الطبري ط. أروبا 2 / 38؛ وابن الاثير 3 / 171 ط. مصر.

20 اليعقوبي 2 / 230.

21 أوردناها موجزة من عبداللّه بن سبأ 2 / 284 ـ 303، وفي ترجمة حجر من تاريخ دمشق لابن عساكر وتهذيبه تفصيل الخبر.

22 الطبري، 6 / 108 و149، وابن الاثير 3 / 208، والاغاني 16 / 7، وابن عساكر 6 / 459.

23 نسبة إلى حضرموت من بلاد اليمن.

24 المحبر، ص 479.

25 راجع قصّة حجر بن عدي في عبداللّه بن سبأ.

26 المسعودي في أيام معاوية 3 / 30، وابن عساكر 5 / 421.

27 المعارف لابن قتيبة 7 / 12، والاستيعاب 2 / 517، والاصابة 2 / 526، وتاريخ ابن كثير 8 / 48، والمحبر، ص 490.

28 في حوادث سنة 41ه من الطبري 6 / 96، وابن الاثير 3 / 165، وابن شهاب في ابن الاثير 3 / 179 في ذكر استعمال المغيرة على الكوفة من (حوادث سنة إحدى وأربعين).

29 أوردتها ملخصة من معجم البلدان 5 / 38 ط. المصرية الاُولى في لغة سجستان، وهي من بلاد إيران.

30 تطهير اللسان ص 55، قال: وجاء بسند رجاله رجال الصحيح إلاّ واحدا فمختلف فيه لكن قواه الذهبي بقوله: إنّه أحد الاثبات، وما فيه جرح أصلا، ثمّ ذكر الحديث.

31 وفي الاصل تصحيف في اللفظ.

32 المحلى لابن حزم تحقيق أحمد محمّد شاكر 5 / 86، وراجع كتاب الاُمّ للشافعي 1 / 208.

33 مروج الذهب للمسعودي 3 / 24 في ذكر أيّام معاوية.

34 العقد 3 / 127.

35 نقلته باختصار من كتاب (أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة)، بحث دواعي وضع الحديث من فصل (مع معاوية).

36 شرح الخطبة (57) من شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد.

37 الموفقيات ص 576 ـ 577 ومروج الذهب 2 / 454 وابن أبي الحديد 1 / 462 وط. مصر تحقيق محمّد أبو الفضل ابراهيم 5 / 120. وكانت قريش تكني رسول اللّه (ص) أبا كبشة استهزاء به.