بيعة الامام علي:
قتل عثمان ورجع إلى المسلمين أمرهم وانحلّوا من كل بيعة سابقة توثقهم فأتاه أصحاب رسول اللّه (ص)، فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قتل ولا بدّ للناس من إمام ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الامر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول اللّه (ص) فقال: لا تفعلوا فإنِّي أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا، فقالوا: لا، واللّه ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك. قال: ففي المسجد فإنّ بيعتي لا تكون خفيّا ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين...
فأُسقط في يد طلحة والزُّبير وجاءا مع المهاجرين والانصار وسبقهم طلحة في البيعة، وبعدما تمّت البيعة أمر أن يوزّع ما في بيت المال عليهم وأن يعطي كلاّ ً منهم ثلاثة دنانير ولم يفضّل المهاجرين والانصار على الموالي فلم يقبل ذلك جماعة في مقدمتهم طلحة والزُّبير ودخلا المسجد وجلسا ناحية عن الامام علي وانضمّ إليهم بنو أُميّة؛ وبلغ أُمّ المؤمنين عائشة خبر قتل عثمان في طريق عودتها من الحجّ إلى المدينة وكانت واثقة أن يلي الامر ابن عمّها طلحة وحثّت على السير وإذا بها تخبر بأنّ الامام عليّا بويع فنادت ردّوني إنّ عثمان قتل مظلوما، قتله علي.
وفي المدينة طلب طلحة والزُّبير أن يوليهما الامام البصرة والكوفة فأبى أن يفعل فخرجا مع ثّلة من بني أُميّة والتحقوا بعائشة وذهبوا جميعا إلى البصرة يطالبون عليا بدم عثمان، ولما قامت الحرب رمى مروان طلحة بسهم فقتله طلبا بثأر عثمان، ولما انتهت أرجع الامام أُمّ المؤمنين بكل احترام إلى بيتها في المدينة وذهب إلى الكوفة واتخذها كرسي دولته.
وطلب معاوية من الامام أن يوليه الشام كي يأخذ البيعة له فأبى الامام من ذلك فنشر بينهم أنّ الامام قتل عثمان وباسم الطلب بدم الخليفة عثمان أقام حرب صفين، ولما بان النصر لجيش الامام كرّر طلبه بامارة الشام فأبى من ذلك فأمر برفع المصاحف على الرماح يدعو الامام وجيشه بالرجوع إلى حكم القرآن فانخدع بذلك قرّاء أهل الكوفة وأجبروا الامام على قبول ذلك فأخبرهم الامام أنها خدعة من معاوية فأصروا على ذلك وانّهم سيقتلون الامام إن لم يقبل بحكم القرآن فاضطر إلى قبوله، وكتب بين الجانبين بذلك كتاب أن يعين كل فريق حكم يجتمعان ويقرران ما يحكم به القرآن فعين معاوية من جانبه عمرو بن العاص وأراد الامام أن يعين من جانبه ابن عباس فأبى القرّاء وأراد ـ أيضا ـ أن يعين الاشتر فأبوا ورشحوا أبا موسى الاشعري فأخبرهم الامام أنّه لا يثق به فأبوا إلاّ أن يعينه حكما ففعل ولما اجتمع الحكمان خدع عمرو ، أبا موسى واتفقا على أن يخلعا عليّا ومعاوية ويتركا الامر للمسلمين ليعينوا الخليفة بالشورى فقدّم عمرو أبا موسى للكلام فقال خلعت عليا ومعاوية وتركت الامر شورى بين المسلمين، فتقدم عمرو وقال: إن أبا موسى خلع عليا وأنا أخلعه وأُعين معاوية خليفة فأدرك أبو موسى الخدعة وتفرقا يتسابان ولما بان للقرّاء خطأهم قالوا: أخطأنا بتحكيم الرجال وكفرنا ولا حكم إلاّللّه ونتوب إلى اللّه من الكفر ثمّ رموا الجانبين بالكفر وطلبوا من الا مام علي أن يعترف بأنّه كفر ثمّ يتوب إلى اللّه ولما أبى كفّروه وكفّروا عامة المسلمين وخرجوا إلى النهروان ـ بين بغداد وواسط ـ بقصد قتال المسلمين فخرج إليهم الامام وحاججهم فرجع منهم فريق وقاتل من بقي وقتلهم ثمّ رجع
إلى الكوفة.
* * *
كيفيّة حكم الامام عليّ في الكوفة وشأنه مع القرّاء والقرآن وحديث الرسول (ص) ساوى الامام عليّ في حكمه بين المسلمين ولم يفضّل أحدا على أحد وخالفه معاوية ففضّل أشراف القبائل على من دونهم ووزع فيهم الصِّلات والجوائز؛ فانتشر التذمر من حكمه بين وجهاء القبائل وأشرافها فتفرقوا عنه والتحق بعضهم بمعاوية، وكان يوزّع بيت المال عليهم بالسويّة في كل أُسبوع.
نشر الامام تفسير القرآن:
تكرر خطاب الامام للناس وهو على المنبر بأمثال قوله:
سلوني قبل أن تفقدوني فواللّه ما بين لوحي المصحف آية تخفى عليّ في ما أُنزلت ولا أين نزلت ولا ما عني بها.
وأقاموا على الامام حربي الجمل وصفّين. وأيضا بسبب عدله اجتمع عليه أصحاب الورع والتقى من صحابة الرسول (ص)؛ فقد روى ابن أعثم عن سعيد ابن جبير وغيره أنّه كان مع علي في حرب صفين ثمانمائة رجل من الانصار وتسعمائة ممّن بايع تحت الشجرة فيهم ثمانون بدريا(1) ولم يكن مع معاوية من الانصار غير نعمان بن بشير ومسلمة بن مخلّد(2)، وبعد صفين جاور هؤلاء مع الامام علي في الكوفة وأتاح لهم الامام فرصة نشر حديث الرسول (ص) بعد أن منعوا عن روايتها خمس وعشرون سنة وحرّضهم على ذلك، فسمع حديث الرسول (ص) من أفواه الصحابة آلاف التابعين ومن التابعين أتباع التابعين وهكذا دواليك حتى عصر التأليف بمدرسة الخلفاء حيث دُوِّنت تلك الاحاديث في كتب الحديث وأصبحت الكوفة منذ عصر الامام عاصمة العلم، ولولا حكم الامام وفتحه أبواب الحديث الّتي كانت موصدة خمسا وعشرين سنة لما بلغتنا تلك الاحاديث أبد الدهر، وأصبحت الكوفة بانتشار خطب الامام فيها ونشر أحاديث الصحابة علوية ومنها انتشر التشيع لعلي في امتداد البلاد الاسلامية وخاصّة البلاد الايرانية الّتي كانت الكوفة حاضرتها.
نتيجة البحوث:
كان الاقراء على عصر الرسول (ص) تعليم عشر آيات لا يتعدون العشرة حتى يتعلّموا ما فيها من العلم والعمل أي يتعلموا ما أُوحي إلى الرسول (ص) في بيان الايات وكذلك جاء في وصف من كان يبعثهم الرسول (ص) للاقراء ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين. أي: يعلمهم ما جاء في تفسير الايات عن الرسول (ص) من فقه الدين أي: فهم الدين، وعلى ذلك فإنّ القرّاء الّذين تعلّموا القراءة في عصر الرسول (ص) كانوا فقهاء في الدين، ولمّا جرّدوا القرآن بعد الرسول (ص) عن حديث الرسول (ص) أصبح القرّاء بعد الرسول (ص) يتعلّمون تلاوة لفظ القرآن ويتلونها ولهم دويّ في تلاوة القرآن كدويّ النحل، وفي القرآن آيات متشابهات بحاجة إلى أخذ تفسيرها من حديث الرسول (ص)، ولمّا منعوا عن بيان حديث الرسول (ص) في الاقراء تخرّج جيل من القرّاء لم يتفقّهوا في الدين ورموا عامّة المسلمين بالشرك.
ولمّا جرح الامام في محرابه واستشهد تغلب على الحكم بطن أُميّة من قريش، وأسست في الاسلام ملكا عضوضا كحكم القياصرة والاكاسرة يرثه الخلف عن السلف، كما أوصاهم بذلك شيخهم أبو سفيان عندما دخل على الخليفة عثمان أوّل ما استخلف، وكان ذلك من خصائص حكمهم إلى خصائص أُخرى سندرسها بإذنه ـ تعالى ـ في ما يأتي.
1 فتوح أعثم 2 / 88 في ذكره حرب صفين.
2 تاريخ اليعقوبي 2 / 188.