ب ـ أمر تدوين القرآن
روى السيوطي في الاتقان(78) وقال:
((مرَّ بي علي وأنا أكتب مصحفا، فقال: أجل قلمك.
فقضمت من قلمي، ثمّ جعلت أكتب، فقال: نعم هكذا نوِّره كما نوَّره اللّه)).
جلاه: كشف صدأه وصقله، وقضمه: كسره باطراف أسنانه.
قال المؤلف: ويظهر من الخبر أن رأس القلم كان قد تشعب وكان يكتب الحروف مشوشة ولما كسر رأسي القلم الّذي كان من القصب كتب جليا، وكنا نكتب قديما بهذا القلم وإذا كتبنا به كثيرا وتشعب رأس القلم قططناه بالسكين فيجلو الخط.
كان هذا إرشاد الامام في تحسين خط القرآن وكتابته واضحة وجلية. وقد أسس نظاما يصان به اللسان عن الخطأ في تلاوة القرآن كالاتي بيانه بحوله تعالى.
أسس الامام نظاما يصان به القرآن عن الخطأ في التلاوة:
مرّ بنا تصوير قلم المصحف في عصر الرسول (ص) وكيف كانت الحروف فيها مجردة عن التنقيط والحركات والسكنات الّتي تميز الحروف عن مثيلاتها وتبين نوع الاعراب في أواخر الكلمات، ولم يكن العربي يومذاك بحاجة إليها فقد تعلم كل ذلك مع تعلمه النطق والتلفظ وهو في حضن أُمّه، وأتقنها كلما تقدمت سنه ومارس التكلم مع أقرانه، حتى اذا انتشر الاسلام، ودخل فيه اقوام من العجم وسكن من الفرس عشرات الالوف في بلد الكوفة المركز الاداري لبلاد فارس واتخذها الامام علي (ع) عاصمة له دعاه ما رآه من حاجة تقويم لسانهم ان يلقي على تلميذه أبي الاسود أُصول علم النحو تعليما للفرس، تعليما لهم ما يقوّم به لسانهم أو حفظا للعربي من انتشار اللحن من لسان هؤلاء إلى لسانهم على مر الزمن، وهذا الخبر مشهور بين العلماء.
قال أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي (ت 379ه)(79):
((سئل أبو الاسود الدؤلي عمن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وارشده اليه فقال: تلقيته من علي بن أبي طالب رحمه اللّه.
وفي حديث آخر قال: القى اليّ علي أُصولا احتذيت عليها)).
وقال النديم (ت: 380ه): ((ان النحو أُخذ عن أبي الاسود الدؤلي وان أبا الاسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، ولما القى اليه شيئا في أُصول النحو، قال أبو الاسود: فاستأذنته أن أصنع نحو ما صنع، فسمي ذلك نحوا))(80).
وقال ابن خلكان (ت 681ه) بترجمة أبي الاسود الدؤلي: (انّ عليّا (رض) وضع له ((الكلام كله ثلاثة أضرب: اسم وفعل وحرف)) ثمّ دفعه اليه، وقال له: تمّم على هذا)(81).
وتواتر نقل هذا الخبر بين العلماء وكل نقل طرف منه مع اختلاف في اللفظ وبعد دراسة رواياتهم دراسة مقارنة وجدت أصدقهم قولا أبا الفرج حين قال في الاغاني أوّل خبر أبي الاسود الدؤلي:
وأملى عليه ـ الامام عليّ (ع) ـ الكلام كلّه لايخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. قال: وهذا المنقول أول كتاب سيبويه. وقال: ثمّ رسم اصول النحو كلها، فنقلها النحويون، وفرعوها، ثمّ قال: هذا حفظته وأنا حديث السن فكتبته من حفظي واللفظ يزيد وينقص وهذا معناه(82).
وفي ترجمة أبي الاسود من تاريخ دمشق لابن عساكر:
قال: كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد اللّه، فلمّا قدم عليه كلمه، فوجده يلحن فرده إلى أبيه، وكتب إليه كتابا يلومه فيه، ويقول:
أمثل عبيد اللّه يضيع؟
فبعث زياد إلى أبي الاسود فقال يا أبا الاسود: ان هذه الحمراء ـ أراد بهم العجم لغلبة الحمرة على ألوانهم ـ قد أفسدت من ألسُن العرب، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم، ويعرب به كتاب اللّه.
فأبى ذلك أبو الاسود فوجَّه زياد رجلا، فقال له: اقعد في طريق أبي الاسود، فاذا مر بك، فاقرأ شيئا من القرآن، وتعمد اللحن فيه، ففعل ذلك، فلمّا مرّ به أبو الاسود رفع صوته يقرأ (ان اللّه بريء من المشركينَ وَرَسُولِه) فاستعظم ذلك أبو الاسود فقال عزّ وجه اللّه أن يتبرأ من رسوله، ثمّ رجع من فوره إلى زياد، فقال: قد جئتك إلى ما سألت ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إلى ثلاثين رجلا.
فاحضرهم زياد فاختار منهم أبو الاسود عشرة، ثمّ لم يزل يختارهم حتّى اختار منهم رجلا من عبدالقيس، فقال خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد، فاذا فتحتُ شفتي، فانقط واحدة فوق الحرف، واذا ضممتها، فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، فاذا كسرتُهما، فاجعل النقطة في اسفل الحرف، فإذا اتبعت شيئا من هذه الحركات عنه فانقط نقطتين.
فابتدأ بالمصحف، حتى أتى على آخره، ثمّ وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك(83).
وقال القفطي (ت 624ه) في كتابه انباه الرواة: