الامام يحيي سنّة الرسول (ص) في إقراء القرآن

في شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة بسنده عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (ع) قال: كان علي (ع) إذا صلّى الفجر لم يزل معقّبا إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس فيعلّمهم الفقه والقرآن وكان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك(75).

دراسة الخبر:

مرّ بنا في تاريخ القرآن على عهد الرسول (ص) أنّه كان من سيرته في تعليم القرآن:

أن يعلم أصحابه بمسجده عشر آيات لا يتعدّونها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل.

وعيّن عبادة بن الصامت لاقراء الفقراء من أهل الصفّة وكان يرسل القرّاء إلى المسلمين خارج المدينة لتعليمهم القرآن والفقه.

وبناء على ذلك كانت سنّته في إقرأ القرآن تعليمهم القرآن مع بيان ما فيه من العلم والعمل مع التفقه في الدين وإنما يتحقق ذلك بتعليم ما جاء من حديث الرسول (ص) في بيان القرآن. وعلى عهد الخليفة عمر أمر بتجريد القرآن عن حديث الرسول (ص) وتعليمهم تلاوة لفظ القرآن فقط. وبقي الامر على ذلك زهاء عشرين عاما. وعلى عهد الامام أحيى سنّة الرسول (ص) في إقراء القرآن فقام بنفسه بتعليم القرآن والفقه للفقراء وغيرهم بمسجده، وتعليم الفقه مع القرآن يتحقق بتعليم ما جاء من حديث الرسول (ص) في بيان الايات. وهكذا أحيى الامام سنّة الرسول (ص) في الاقراء.

وأيضا شابه مسجده مسجد الرسول (ص) في سماع ضجّة من يقرأ القرآن فيه، كما جاء في كنز العمال عن كليب قال:

كنت مع علي، فسمع ضجتهم في المسجد يقرأون القرآن فقال: طوبى لهؤلاء كانوا أحبّ الناس إلى رسول اللّه (ص)(76).

إهتمام الامام بأمر القرّاء:

في كنز العمال:

عن علي قال: من وُلدَ في الاسلام فقرأ القرآن فله في بيت المال في كل سنة مائتا دينار، إن أخذها في الدنيا، وإلاّ أخذها في الاخرة.

وعن سالم بن أبي الجعد:

أنّ عليا فرضَ لمن قرأ القرآن ألفين ألفين(77).

دراسة الاخبار:

على عهد الخلفاء الثلاثة قبل الامام أمروا بتجريد القرآن عن حديث الرسول (ص) وبلغهم أن نكّلوا بصبيغ بن عسل لسؤاله عن معنى (الذاريات ذروا) بينما الامام يحرّض المسلمين على تعلّم تفسير القرآن وفي ذلك العصر كان تفسير القرآن في ما روي عن رسول اللّه (ص)، وبناء على ذلك فقد كانت سياسة الحكم على عهد الامام نشر حديث الرسول (ص).

وإنّما سأل ابن الكوّاء عن معنى و(الذاريات ذروا) وقال له الامام: ويلك سل تفقها لانّه ظنّ أن تفسير هذه الاية معضلة كان يسأل عنها صبيغ في أجناد المسلمين ولم يتلق جوابا فأراد ان يحرج الامام بسؤاله عن تفسيرها.

وكان أمثال تفسير قول الامام للاية: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ...) (إبراهيم / 28 ـ 29)، (منافقو قريش) هي السبب في تجريد حكومة الخلافة القرشية القرآن من حديث الرسول (ص).


75 شرح نهج البلاغة، تحقيق محمّد أبوالفضل إبراهيم، ط. الحلبي القاهرة سنة 1379 ه4 / 109.

76 كنز العمال ط. بيروت سنة 1409ه 2 / 288 رقم الحديث 4045، وط. حيدرآباد الدكن الثانية 2 / 185. وكليب بن وائل بن هبّار التيمي اليشكري الكوفي أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي. ترجمته في تهذيب التهذيب 8 / 446 ـ 447؛ وتقريب التهذيب 2 / 136.

77 كنز العمال 2 / 339 الحديث رقم 4185 و4186، وطبعة حيدر آباد الدكن الثانية 2 / 219. وسالم بن أبي الجعد واسم الجعد رافع الاشجعي ـ مولاهم ـ الكوفي، تابعي، روى عن الامام علي وصحابة آخرين، ثقة، كثير الحديث (ت: 99 أو 100 أو 101ه) ترجمته بتهذيب التهذيب 3 / 432.