موجز أخبار المجتمع الاسلامي على عهد الامام عليّ (ع)

قتل الخليفة عثمان دون أن يعين خليفة من بعده فملك جماهير المسلمين أمرهم، وهرعوا إلى عليّ يتقدمهم صحابة رسول اللّه (ص) يطلبون بيعته فأبى عليهم، وألحّت الجماهير عليه، حتى اضطرّ إلى تلبية طلبهم، فسبق الصحابيان طلحة والزُّبير إلى بيعته ليكون لهما الدالّة عليه في حكمه، وبدأ الامام حكمه بتقسيم بيت المال بالسويّة، وأعطى كلاّ ً من المهاجرين والانصار ومواليهم ثلاثة دنانير ولم يفضّل أحدا على احد في العطاء.

فقال الانصاري اليماني: هذا غلامي بالامس وقد اعتقته اليوم، فقال له: نعطيه كما نعطيك.

وعاتبه القرشي المهاجري على مخالفته عمر بن الخطاب في تقسيم الاموال وقال له قائلهم: انّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا، وسوّيت بيننا وبين من لايماثلنا في ما افاء اللّه علينا بأسيافنا.

فقال: ان ذلك أمر لم احكم به بادئ ذي بدء! قد وجدت أنا وأنتما رسول اللّه (ص) يحكم بذلك وكتاب اللّه ناطق به...

وقد ربح الانصاري اليماني في حكم الامام ما خسره في السابق فقد ولّى على المدينة سهل بن حنيف(64)، وعلى البصرة عثمان بن حنيف وعلى مصر قيس بن سعد بن عبادة(65)، وفي مقابل ذلك خسر المهاجري القرشي الّذي كان يعيش على رأس الهرم في النظام الطبقي كلّ امتيازاته فاتفقت سادات قريش بعضها مع بعض واجتمعوا مع الموتورين من بني أُميّة في مسجد الرسول (ص) وأسروا القول في ما بينهم ثمّ اجهروا القول، وطلب بنو أُميّة من الامام أن يضع عنهم ما أصابوا من المال على عهد الخليفة عثمان فقال ليس لي أن أضع حق اللّه عنكم ولا عن غيركم.

فسكتوا على مضض وبقي طلحة والزُّبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان حكم الامام بعد أن لم يحقق رغبتهما في توليتهما البصرة والكوفة.

وبلغ أخبار المدينة أُمّ المؤمنين عائشة وهي في طريق عودتها من الحج إلى المدينة فرجعت إلى مكة وأظهرت الطلب بدم عثمان وانقلبت من مفتية بقتله إلى طالبة بدمه فالتحق بها الساخطون على الامام لتسويته في العطاء من قريش يقدمهم طلحة والزُّبير وبنو أُميّة وذهبوا جميعا إلى البصرة وأقاموا على الامام حرب الجمل باسم الطلب بدم عثمان فسار إليهم الامام من المدينة في جيش جلّه من الانصار، ولمّا انتصر عليهم في القتال وملك البصرة قسّم ما في بيت المال في البصرة عليهم بالسويّة ولم يفضّل أحدا على أحد ثمّ اتجه إلى الكوفة واتخذها عاصمةً لحكمه.

وقادت قريش بزعامة معاوية أهل الشام لحربه في صفين باسم الطلب بدم عثمان ولمّا بان الانكسار عليهم، رفعوا القرآن حيلة يطلبون من الامام تحكيمه في ما بينهم، فانطلت الحيلة على جيش الامام، وأكرهوا الامام على قبول التحكيم، وأن يعيّن من قبله أبا موسى الاشعري، وعين معاوية عمرو بن العاص فخدع عمرو أبا موسى فخلع الامام ومعاوية وتقدّم بعده عمرو فنصب معاوية وخلع الامام فأدرك المتنسكون في جيش الامام خطأهم، وقالوا: كفرنا بقبولنا التحكيم وتبنا، وكفّروا عامّة المسلمين وأحلّوا دماءهم فحاربهم الامام في نهروان وقتل منهم من حضر القتال، وعاد إلى الكوفة.

وألحّ على تهديم النظام الطبقي الّذي شيّده الخلفاء قبله واعتاده المجتمع الاسلامي في ربع قرن وساوى في العطاء ذات مرّة بين امرأة من الموالي وأُخرى عربية فقالت: يا أمير المؤمنين! إنِّي امرأة من العرب وهذه امرأة من العجم! فقال: إنِّي لا أجد لبني إسماعيل ـ أي العرب ـ فضلا على بني إسحاق ـ أي العجم ـ وغضب على الاشعث بن قيس ـ وكان من ملوك كندة في الجاهلية ـ

لمّا تخطّى الموالي مرّة، وتقدّم إلى مجلس أمير المؤمنين، ووبّخه وعنّفه. ولمّا كان معاوية يفضّل في العطاء الرؤساء وأهل الشرف من قبائل العرب على غيرهم مال الرؤساء إليه وهاجروا إليه فمشى إلى الامام أصحابه وقالوا له: يا أمير المؤمنين!

فضّل في العطاء الاشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم!

فقال: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور واللّه لا أفعل.

هكذا استطاع الامام أن يهدّم ذلك النظام الطبقي الّذي شيّده الخلفاء قبله واستمرّ زهاء ربع قرن، وأن يعيد إلى المجتمع العدل الاسلامي الانسانيجاء به الرسول (ص) وكان ذلكم من خصائص المجتمع الاسلامي في ظل حكم الامام.

ولمّا كانت قريش على رأس هرم ذلك النظام الطبقي حيث كانت قد حصلت على امتيازات في المجتمع الاسلامي وترى أنّ لها ميزة على سائر البشر كما يرى بنو إسرائيل أنّ لهم ميزة على سائر البشر وساواهم الامام بغيرهم من المسلمين الموالي وغير الموالي، قادت قريش الناس إلى قتاله في الجمل وصفين وفي الغارات على بلاده.

ومن ثمّ كان الامام يشكو قريشا ويذكرهم بذلك ويقول: اللّهمّ إنِّي أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي وأجمعوا على حربي كاجماعهم على حرب رسول اللّه (ص).


64 تاريخ الاسلام للذهبي، سنة ست وثلاثين 2 / 148.

65 تاريخ اليعقوبي (2 / 178).