تقسيم الامام علي بالسويّة وغضب الاشراف من ذلك:
روى الثقفي بسنده وقال:
ان امرأتين اتتا عليا (ع) عند القسمة إحداهما من العرب والاُخرى من الموالي، فأعطى كلّ واحدة خمسة وعشرين درهما وكرّا من الطّعام، فقالت العربيّة: يا أمير المؤمنين! إنِّي من العرب وهذه امرأة من العجم؟! فقال عليُّ (ع): إنِّي لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني إسحاق(45).
وقال: كان الامام علي (ع) يخطب فجاء الاشعث، فجعل يتخطى الناس فقال: يا أمير المؤمنين! غلبتنا هذه الحمراء على وجهك، فغضب، فقال ابن صوحان: ليبيّن اليوم من أمر العرب ما كان يخفى، فقال عليُّ (ع):
من يعذرني من هؤلاء الضّياطرة يقبل أحدهم يتقلّب على حشاياه ويهجد قومٌ لذكر اللّه؟! فيأمرني أن أطردهم فأكون من الظالمين؟
والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لقد سمعت رسول اللّه محمّدا (ص) يقول: (ليضربنّكم واللّه على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا).
قال مغيرة: كان عليُّ (ع) أميل إلى الموالي وألطف بهم، وكان عمر أشدّ تباعدا منهم.
عن النعمان بن سعد قال: رأيت عليّا (ع) على المنبر يقول: أين الثّـمودي؟ ـفطلع الاشعث؛ فأخذ كفّا من الحصى وضرب وجهه فأدماه وانجفل، وانجفل الناس معه ويقول: ترحا لهذا الوجه، ترحا لهذا الوجه(46).
وقال: كان أشراف أهل الكوفة غاشّين لعليّ (ع) وكان هواهم مع معاوية، وذلك أنّ عليّا كان لايعطي أحدا من الفيء أكثر من حقّه، وكان معاوية بن أبي سفيان جعل الشّرف في العطاء ألفي درهمٍ(47).
وقال ما موجزه:
خاطب معاوية من عنده من أهل الشام وقال: يا أهل الشّام قد عرفتم حبي لكم، وسيرتي فيكم، وقد بلغكم صنيع علىٍّّ بالعراق، وتسويته بين الشّريف وبين من لايُعرف قدره.
فقال رجلٌ منهم: لا يهدُّ اللّه ركنك، ولا يهيض جناحك، ولا يعدمك ولدك، ولا يرينا فقدك.
فقال: فما تقولون في أبي تراب؟ ـ قال: فقال كلُّ رجلٍ منهم ما أراد، ومعاوية ساكتٌ وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم فتذاكرا عليّا (ع) بغير الحق... الحديث(48).
وقال:
حدّثنا محمّد قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا إبراهيم قال: وحدّثني عبداللّه ابن محمّد بن عثمان الثقفي قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن أبي سيف عن فضيل بن الجعد عن مولى الاشتر قال: شكا عليّ (ع) إلى الاشتر فرار النّاس إلى معاوية، فقال الاشتر: يا أمير المؤمنين! إنّا قاتلنا أهل البصرة بأهل البصرة وأهل الكوفة والرأي واحد وقد اختلفوا بعد، وتعادوا وضعفت النيِّة وقلّ العدد، وأنت تأخذهم بالعدل وتعمل فيهم بالحقّ وتنصف الوضيع من الشّريف، وليس للشّريف عندك فضل منزلةٍ على الوضيع، فضجّت طائفة ممّن معك من الحق إذ عمّوا به، واغتمّوا من العدل إذ صاروا فيه، وصارت صنائع معاوية عند أهل الغنى والشّرف؛ فتاقت أنفس النّاس إلى الدّنيا وقلَّ من النّاس من ليس للدنيا بصاحب، وأكثرهم من يحتوي الحقّ ويستمرئ(49) الباطل ويؤثر الدُّنيا، فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين، تمل إليه أعناق النّاس وتَصْفُ نصيحتهم وتستخلص ودّهم، صنع اللّه لك(50) يا أمير المؤمنين وكَبَتَ(51) عدوّك وفضَّ جمعهم وأوهن كيدهم وشتّت أُمورهم إنّه بما يعملون خبير.
فأجابه عليّ (ع) فحمد اللّه وأثنى عليه وقال: أمّا ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل؛ فإنّ اللّه يقول: (مَنْ عَمِلَ صَالِحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ)(52) وأنا من أن أكون مقصِّرا في ما ذكرت أخوف.
وأمّا ما ذكرت من أنّ الحقّ ثقل عليهم ففارقونا لذلك، فقد علم اللّه أنّهم لم يفارقونا من جور، ولم يدعوا(53) ـ إذ فارقونا ـ إلى عدل، ولم يلتمسوا إلاّ دنيا زائلة عنهم كأن قد فارقوها، وليُسألنّ يوم القيامة. أَللدّنيا أرادوا، أم للّه عملوا؟!.
وأمّا ما ذكرت من بذل الاموال واصطناع الرّجال(54) فإنّا لايسعنا أن نؤتي امرأً من الفيء أكثر من حقّه، وقد قال اللّه وقوله الحقّ: (كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)(55) وبعث اللّه محمّدا (ص) وحده فكثّره بعد القلّة، وأعزّ فئته بعد الذلّة، وإن يرد اللّه أن يولّينا هذا الامر يذلّل لنا صعبه ويسهّل لنا حَزنه، وأنا قابلٌ من رأيك ما كان للّه رضا، وأنت من آمن أصحابي وأوثقهم في نفسي وأنصحهم وأرآهم(56) عندي.
وقال: إن طائفة من أصحاب عليّ (ع) مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الاموال وفضّل هؤلاء الاشراف من العرب وقريشٍ على الموالي والعجم ومن تخاف خلافه من النّاس وفراره.
قال: وإنّما قالوا له ذلك، للّذي كان معاوية يصنع بمن أتاه، فقال لهم عليّ (ع): أتأمرونّي أن أطلب النّصر بالجور؟! واللّه لا أفعل ما طلعت شمسٌ وما لاحَ في السّماء نجم، واللّه لو كان مالهم لي لواسيت(57) بينهم، فكيف وإنّما هي أموالهم... الحديث(58).
وقد كان النّاس كرهوا عليّا، ودخلهم الشّك والفتنة، وركنوا إلى الدُّنيا، وقلّ مناصحوه، فكان أهل البصرة على خلافه والبغض له، وجلُّ أهل الكوفة وقراؤهم، وأهل الحجاز واهل الشام وقريشٌ كلّها(59).
وبما ان قريشا هي الّتي بدأت في قتاله، وحرضت الناس عليه وقادتهم في حرب الجمل وصفين، ثمّ بعث معاوية مَن شنّ الغارة على اطراف البلاد الّتي كانت تحكم حكم الامام مثل عبداللّه بن عامر الحضرمي الّذي بعثه إلى البصرة وسفيان بن قيس الغامدي إلى الانبار والنعمان بن بشير إلى الانبار والضحاك ابن قيس الفهري إلى الحيرة وبسر بن ابي ارطأة إلى مكّة والمدينة واليمن(60)
فتزعزع حكم الامام علي وخرجت الخوارج عليه بنهروان، وتجرّأ الناس عليه، فكان الامام يشكو قريشا مثل قوله (ع):
اللّهمّ إنِّي استعديك على قريشٍ ومن أعانهم! فإنَّهم قطعُوا رَحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على مُنازعتي أمرا هو لي(61).
وقال:
اللّهمّ إنِّي استعديك على قريش ومن أعانهم، فانهم قد قطعوا رحمي، وأكفأوا انائي(62).
واستعديك: استعينك، واكفاء الاناء أو قلبه مجاز عن تضييع حقه.
وكتب في جواب أخيه عقيل بن أبي طالب:
فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشِّقاق، وجماحهُم في التِّيه، فإنَّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللّه (ص) قبلي، فجزت قريشا عنِّي الجوازي! فقد قطعوا رحمي، وسلبُوني سُلطان ابن أُمِّي(63).
45 الغارات ص 341، وط. طهران ص 70.
46 شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده 4 / 544 ط. مصر؛ والغارات ط. طهران ص 501. الحمراء: الموالي قال ابن الاثير في النهاية مادّة حمر في حديث علي، غلبتنا عليك هذه الحمراء يعنون العجم والروم، والعرب تسمي الموالي: الحمراء. قال ابن الاثير في النهاية مادّة ضيطر بعد أن ذكر حديث الامام: ((الضياطرة: الضخام الّذين لا غناء عندهم، الواحد ضيطار)) والحشايا: الفراش واحدها حشيّة بالتشديد. والمراد المغيرة الضّبّي. وانجفل الناس: أسرعوا الهرب. والمراد بالترح هنا الهلاك والانقطاع.
47 الغارات ص 29، وط. طهران ص 44 ـ 45.
48 الغارات ص 377 وراجع تمام الخبر في الكتاب.
49 يجتوري: يكره، ويستمرئ: يجد مريئا أي هنيئا سائغا.
50 صنع اللّه للعبد: ما يفعله سبحانه له من الخير.
51 كبت اللّه العدو كبتا: أذله وأهانه، وبابه ضرب.
52 سورة فصلّت / 46.
53 ظ (( ولم يلجأوا)) وفي شرح نهج البلاغة م 1 / 180 ((ولا لجأُوا إذ فارقونا)).
54 الاصطناع ـ هنا ـ: الاستمالة بالمال.
55 سورة البقرة / 249.
56 وأرآهم: أسدهم رأيا.
57 والمواساة بالشيء: الاشتراك فيه، يقال: آساه بماله مواساة أي جعله أُسوته فيه، كما يقال: واساه أيضا.
58 الغارات ص 47 ـ 48، وط. طهران ص 71 ـ 75.
59 الغارات / 48.
60 راجع الغارات للثقفي ص 307 ـ فما بعد.
61 نهج البلاغة، الخطبة 170 و 215، والغارات ص 204 و 392.
62 نهج البلاغة، الخطبة 170 و 215، والغارات ص 204 و 392.
63 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد طبعة دار إحياء الكتب العربية 16 / 148 والطبعة المصرية الاُولى 4 / 55. ونهج البلاغة شرح محمّد عبده 3 / 67 ـ 68. (الكتاب / 36). وتركاضهم: مبالغة في الركض واستعارة لسرعة خواطرهم في الضلال وكذلك التجوال من الجول والجولان، والشقاق الخلاف، وجماحهم: استعفاءهم على سابق الحق، والتيه: الضلال والغواية، والجوازي جمع جازية بمعنى المكافأة دعاء عليهم بالجزاء على أعمالهم.