سياسة حكم الامام عليّ وآثارها

في شرح ابن أبي الحديد ان الامام عليّا خطب بعد بيعته وقال: ألا لا يقولنّ رجال منكم غدا قد غمرتْهم الدنيا فاتخذوا العَقَار، وفَجّروا الانهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الرّوقة(17)؛ فصار ذلك عليهم عارا وشنارا؛ إذا ما منعتُهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتُهم إلى حقوقهم الّتي يعلمون، فينقِمون ذلك، ويستنكرون ويقولون: حرمنَا ابنُ أبي طالب حقوقنا! ألا وأيّما رجلٍ من المهاجرين والانصار من أصحاب رسول اللّه (ص) يرى أن الفضل له على مَنْ سواه لصحبته، فإنّ الفضل النيِّر غدا عند اللّه، وثوابه وأجره على اللّه، وأيّما رجلٍ استجاب للّه وللرسول، فصدق ملَّتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده؛ فأنتم عباد اللّه، والمال مال اللّه، يقسَّم بينكم بالسويّة، لا فضلَ فيه لاحد على أحدٍ؛ وللمتقين عند اللّه غدا أحسنُ الجزاء، وأفضل الثواب؛ لم يجعل اللّه الدنيا للمتقين أجرا ولا ثوابا، وما عند اللّه خير للابرار. وإذا كان غدا إن شاء اللّه فاغدُوا علينا؛ فإن عندنا مالا نقسِّمه فيكم، ولا يتخلّفنّ أحدٌ منكم؛ عربيّ ولا عجميّ، كان من أهل العطاء أو لم يكن؛ إلاّ حَضَر؛ إذا كان مسلِما حرّا. أقولُ قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم، ثمّ نزل.

ثمّ نقل ابن أبي الحديد عن استاذه أبي جعفر انّه قال: وكان هذا أوّل ما أنكروه من كلامه (ع)، وأورثهم الضِّغن عليه؛ وكرهوا إعطاءه وقَسْمه بالسويّة.

فلمّا كان من الغد، غدا وغَدا الناس لقبض المال؛ فقال لعبيداللّه بن أبي رافع كاتبه: ابدَأْ بالمهاجرين فنادِهم، وأعطِ كلّ رجل ممّن حضر ثلاثة دنانير، ثمّ ثَنِّ بالانصار فافْعل معهم مثل ذلك؛ ومن يحضر من الناس كلّهم؛ الاحمر والاسود فاصنع به مثل ذلك.

فقال سهل بن حَنِيف: يا أمير المؤمنين! هذا غلامي بالامس؛ وقد أعتقتُه اليوم؛ فقال: نعطيه كما نعطيك، فأعطَى كلّ واحد منهما ثلاثة دنانير؛ ولم يفضّل أحدا على أحد؛ وتخلّف عن هذا القَسم يومئذ طلحة، والزُّبير، وعبداللّه بن عمر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم؛ ورجال من قريش وغيرها.

وسمع عبيداللّه بن أبي رافع عبداللّه بن الزُّبير يقول لابيه وطلحة ومروان وسعيد: ما خفي علينا أمس من كلام عليّ ما يريد؛ فقال سعيد بن العاص ـوالتفت إلى زيد بن ثابت ـ: إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة؛ فقال عبيداللّه بن أبي رافع لسعيد وعبداللّه بن الزُّبير: إنّ اللّه يقولُ في كتابه: (وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)(18).

ثمّ إنّ عبيداللّه بن أبي رافع أخبرَ عليّا (ع) بذلك، فقال: واللّه إن بقيت وَسلِمت لهم لاُقيمنّهم على المحجّة البيضاء، والطريق الواضح، قاتل اللّه ابنَ العاص! لقد عرَفَ من كلامي ونظري إليه أمسِ أنِّي أريده وأصحابه ممّن هلك فيمن هَلَك.

قال: فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزُّبير وطلحة، فجلسا ناحية عن علي (ع)، ثمّ طلع مروان وسعيد وعبداللّه بن الزُّبير؛ فجلسوا إليهما، ثمّ جاء قوم من قريش فانضمُّوا إليهم، فتحدّثوا نجيّا ساعة؛ ثمّ قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فجاء إلى علي (ع)؛ فقال: يا أبا الحسن! إنّك قد وَترْتَنا جميعا؛ أمّا أنا فقتلتَ أبي يوم بدر. ونحن نبايعك اليوم على أن تضعَ عَنّا ما أصبناه من المال في أيّام عثمان، وأن تقتل قتلته؛ وإنّا إن خفناك تركناك؛ فالتحقنا بالشام.

فقال: أمّا ما ذكرتم من وِتْرِي إياكم فالحقّ وتركم، وأمّا وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق اللّه عنكم ولا عن غيركم.

وأمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزِمَني قتلُهم اليوم لقتلتُهم أمس؛ ولكنْ لكم عليّ إن خفتموني أن أُؤمِّنَكم وإن خفتُكم أنْ أُسيرِّكم(19). وقال اليعقوبي:

وبايع الناس إلا ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، وكان لسان القوم. فقال: يا هذا إنّك قد وترتنا جميعا. أمّا أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر، وأمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر، وكان أبوه ثور قريش، وأمّا مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمّه إليه، فتبايعنا على أن تضع عنّا ما أصبنا وتعفي لنا عمّا في أيدينا، ونقتل قتلة صاحبنا، فغضب عليّ وقال: أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم، فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حقّ اللّه تعالى؛ وأمّا قتلي قتلة عثمان، فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غدا، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب اللّه وسنّة نبيّه، فمن ضاق عليه الحقّ، فالباطل عليه أضيق، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم. فقال مروان: بل نبايعك، ونقيم معك، فترى ونرى(20).

كان هذا خبر اهل المدينة في شأن بيعة الامام عليّ (ع)، وعندما بلغ الخبر أُمّ المؤمنين عائشة في طريق عودتها إلى المدينة من الحج وهي تمني نفسها بمبايعة الناس ابن عمها طلحة بالخلافة، قالت: واللّه ليت هذه انطبقت على هذه ـأي السماء على الارضـ وصاحت ردُّوني ردوني فانصرفت إلى مكّة وهي تقول: قتل واللّه عثمان مظلوما، لاطلبن بدمه، لليلة من عثمان خير من عليّ الدهر كله(21).

وفي مكّة التحق بها بنو أُميّة وحلفاؤهم وانتشر خبرهم واظهر ذلك في من اظهر في المدينة وروى في شأنهم ابن أبي الحديد وقال:

ظهر ذلك من أمرهم، قال عمار بن ياسر لاصحابه: قوموا بنا إلى هؤلاء النَّفَر من إخوانكم، فإنّه قد بلغنا عنهم ورأينا منهم ما نكره من الخلاف، والطعن على إمامهم؛ وقد دخل أهلُ الجفاء بينهم وبين الزُّبير والاعسر العاقّ ـيعني طلحة ـ.

فقام أبو الهيثم وعمّار وسَهْل بن حنيف وجماعة معهم، فدخلوا على عليّ(ع) فقالوا: يا أمير المؤمنين! انظر في أمرِك، وعاتِبْ قومك، هذا الحيّ من قريش فإنهم قد نَقَضُوا عهدك، وأخلفوا وعْدَك، وقد دعونا في السرّ إلى رفضك، هداك اللّه لرشدك! وذاك لانّهم كَرِهوا الاُسوة، وفقدوا الاثرة، ولما آسيت بينهم وبين الاعاجم أنكروا، واستشاروا عدوك وعظّموه، وأظهروا الطلب بدم عثمان فرقةً للجماعة، وتألّفا لاهل الضلالة. فرأيك!

فخرج عليّ (ع) فدخل المسجد، وصعد المنبر مرتديا بطاقٍ، مؤتزرا ببُردٍ قَطَريّ، متقلّدا سيفا، متوكئا على قوس، فقال:

أمّا بعد، فإنّا نحمد اللّه ربنا وإلهنا وولينا، وولي النعم علينا، الّذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة وباطنة، امتنانا منه بغير حَوْل منا ولا قوة، ليبلُونَا أنشكرُ أم نكفر؛ فمن شكر زاده ومَن كَفَر عذّبه؛ فأفضلُ الناس عند اللّه منزلة، وأقربهم من اللّه وسيلة، أطوعهم لامره، وأعملهم بطاعته؛ وأتبعهم لسنّة رسوله (ص)، وأحياهم لكتابه؛ ليس لاحد عندنا فَضلٌ إلاّ بطاعة اللّه وطاعة الرسول (ص). هذا كتاب اللّه بين أظهرنا، وعهد رسول اللّه (ص) وسيرته فينا، لايجهلُ ذلك إلاّ جاهلٌ عاند عن الحقّ، منكر، قال اللّه تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ)(22).

ثمّ صاح بأعلى صوته أطيعوا اللّه وأطيعوا الرَّسول، فإن تَولَّيتُمْ فإنَّ اللّهَ لايحبُّ الكافرين. ثمّ قال: يا معشر المهاجرين والانصار أتمنون على اللّه ورسوله باسلامكم، بل اللّه يمنّ عليكم أن هداكم للايمان إنْ كنتم صادقين.

ثمّ قال: أنا أبو الحسن ـ وكان يقولها إذا غضب ـ ثمّ قال: ألا إنّ هذه الدنيا الّتي أصبحتم تَمنّونها وترغبون فيها، وأصبحت تغضِبُكم وترضيكم، ليست بداركم ولا منزلكم الّذي خُلقتم له؛ فلا تغرّنّكم فقد حذرتموها، واستتموا نعم اللّه عليكم بالصّبر لانفسكم على طاعة اللّه، والذّلّ لحكمه، جل ثناؤه؛ فأمّا هذا الفيء فليس لاحدٍ على أحد فيه أثَرة؛ وقد فرغ اللّه من قسمته؛ فهو مال اللّه، وأنتم عباد اللّه المسلمون؛ وهذا كتاب اللّه به أقررنا وله أسلمنا، وعهدُ نبينا بين أظهرنا فمن لم يرْض به فليتَولَّ كيف شاء فإن العامل بطاعة اللّه والحاكم بحكم اللّه لا وحْشة عليه.

ثمّ نزل عن المنبر، فصلّى ركعتين، ثمّ بعث بعمار بن ياسر، وعبدالرّحمن بن حسل القرشّي إلى طلحة والزُّبير؛ وهما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما؛ فقاما حتى جلسا إليه (ع) ؛ فقال لهما: نشدتكما اللّه؛ هل جئتماني طائعين للبيعة، ودعوتماني إليها، وأنا كارهٌ لها! قالا: نعم، فقال: غير مجبرين ولا مقسورين، فأسلمتما لي بيعتكما وأعطيتماني عهدكما! قالا: نعم، قال: فما دعاكما بعدُ إلى ما

أرى؟ قالا: أعطيناك بيعتنا على ألاّ تقضي الاُمور ولا تقطعها دوننا؛ وأن تستشيرنا في كلّ أمر ولا تستبدّ بذلك علينا، ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت؛ فأنت تقسم القَسم وتقطع الامر، وتمضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا.

فقال: لقد نقمتما يسيرا؛ وأرجأتما كثيرا؛ فاستغفرا اللّه يغفر لكما. ألا تخبرانني، أدفعتُكما عن حقٍّ وجب لكما فظلمتكما إيّاه؟ قالا:

معاذ اللّه! قال: فهل استأثرتُ من هذا المال لنفسي بشيء؟ قالا: معاذ اللّه! قال: أفوقع حُكم أو حقّ لاحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه؟ قالا: معاذ اللّه! قال: فما الّذي كرهتما من أمري حتى رأيتُما خلافي؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القَسم؛ أنّك جعلتَ حقّنا في القَسم كحقّ غيرنا، وسوّيت بيننا وبين من لا يماثلنا في ما أفاء اللّه تعالى علينا بأسيافنا ورماحنا وأوجَفنا(23) عليه بخيلنا ورجلنا، وظهرت عليه دعوتنا، وأخذناه قسرا قهرا، ممّن لا يرى الاسلام إلاّ كرها.

فقال: فأمّا ما ذكرتماه من الاستشارة بكما فواللّه ما كانت لي في الولاية رغبة؛ ولكنكم دعوتموني إليها، وجعلتموني عليها؛ فخفت أن أردّكم فتختلف الاُمة، فلمّا أفضت إليّ نظرتُ في كتاب اللّه وسنّة رسوله فأمضيت ما دلاّني عليه واتبعته، ولم أحتج إلى آرائكما فيه؛ ولا رأي غيركما، ولو وقع حكمٌ ليس في كتاب اللّه بيانه ولا في السنة برهانه، واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتُكما فيه؛ وأمّا القسم والاُسوة؛ فإن ذلك أمر لم أحكُم فيه بادئ بدء! قد وجدت أنا وأنتما رسول اللّه (ص) يحكم بذلك، وكتاب اللّه ناطق به؛ وهو الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأمّا قولكُما: جعلت فيئنا وما أفاءته سيوفنا ورماحنا؛ سواء بيننا وبين غيرنا، فقديما سبق إلى الاسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم، فلم يفضِّلهم رسول اللّه (ص) في القسم، ولا آثرهم بالسبق، واللّه سبحانه موفٍ السابق والمجاهد يوم القيامة أعمالهم؛ وليس لكما واللّه عندي ولا لغيركما إلاّهذا، أخذ اللّه بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق، وألهمنا وإياكم الصبر. ثمّ قال: رحم اللّه امرأً رأى حقّا فأعان عليه، ورأى جَورا فردّه؛ وكان عونا للحق على من خالفه. قال ابن أبي الحديد:

قال شيخنا أبو جعفر: وقد روي أنّهما قالا له وقت البيعة: نُبايعك على أنّا شركاؤك في هذا الامر؛ فقال لهما: لا، ولكنّكما شريكاي في الفيء؛ لا أستأثر عليكما ولا على عبد حبشي مجدّع بدرهم فما دونه، لا أنا ولا وَلداي هذان؛ فإن أبيتُما إلاّ لفظالشركة، فأنتما عونان لي عند العجز والفاقة، لا عند القوّة والاستقامة.

قال أبو جعفر: فاشترطا ما لايجوز في عقد الامامة وشرط (ع) لهما ما يجب في الدّين والشريعة.

قال ـ رحمه اللّه تعالى ـ: وقد روي أيضا أنّ الزُّبير قال في ملا من الناس: هذا جزاؤنا من عليّ! قمنا له في أمر عثمان حتى قُتل؛ فلمّا بلغ بنا ما أراد جعل فوقنا من كنّا فوقه.

وقال طلحة: ما اللوم إلاّ علينا؛ كنّا معه أهل الشورى ثلاثة؛ فكرهه أحدنا ـيعني سعداـ وبايعناه، فأعطيناه ما في أيدينا، ومنعنا ما في يده؛ فأصبحنا قد أخطأنا اليوم ما رجونا أمس؛ ولا نرجو غدا ما أخطأنا اليوم(24).

وقال الطبري: وسأل طلحة والزُّبير ان يؤمّرهما على الكوفة والبصرة فقال: ((تكونان عندي فاتجمّل بكما فإنّي وحش لفراقكما))(25). وقال اليعقوبي: أنّ طلحة قال: ((ما لنا من هذا الامر إلاّ كلحسة الكلب أنفه))(26).

بقي طلحة والزُّبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان عليّا من قريب، حتّى إذا أيسا منه وبلغهما موقف أُمّ المؤمنين بمكّة، عزما على الخروج من المدينة، فأتيا عليّا، فقالا:

إنّا نريد العمرة، فأذن لنا في الخروج، فقال عليّ لبعض أصحابه: ((واللّه ما أرادا العمرة، ولكنّهما أرادا الغدرة)).

فأذن لهما في الخروج بعد ان جدّدا له البيعة فخرجا من المدينة والتحقا موكب ام المؤمنين عائشة وساروا جميعا مع من تبعهما من

بني أُميّة وأعراب البادية إلى البصرة واقاموا حرب الجمل على الامام عليّ باسم الطلب بدم عثمان وبعدما انتصر فيها الامام علي عليهم في النصف من جمادي الثانية سنة 36هقسم بيت المال في البصرة.

أعطى الناس بالسويّة لم يفضّل أحدا على أحد، وأعطى الموالي كما أعطى الصلبيّة، وقيل له في ذلك، فقال: قرأت ما بين الدفّتين، فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضل هذا، وأخذ عودا من الارض، فوضعه بين إصبعيه(27).

ثمّ سار إلى الكوفة واتخذها كرسي دولته، وسار منها إلى الشام لاخضاع معاوية الاذي ّظهر العصيان عليه والتقى الجيشان بصفين سنة ست وثلاثين للهجرة، وجرت تسعون واقعة في عشرة أيام ومائة يوم كما أوردنا تفصيلها في كتاب أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة، ونورد في ما يأتي من أخبارها ما يلزمنا دراسته في بحوث القرآن الكريم وروايات المدرستين ونقول بحوله تعالى: وكان على عهد معاوية ما رواه المجلسي عن الواقدي وقال:

إن عمر بن ثابت كان يركب بالشام، ويدور في القرى بالشام، فإذا دخل قرية جمع أهلها ثمّ يقول: أيُّها الناس! ان عليّ بن أبي طالب كان رجلاً منافقا أراد أن ينخس برسول اللّه (ص) ليلة العقبة فالعنوه فلعنه أهل تلك القرى، ثمّ يسير إلى القرية الاُخرى فيأمرهم بمثل ذلك(28).

ومن أخبار صفين روى الطبري بسنده، وتابعه ابن الاثير، واللفظ للاوّل عن ليلة الهرير وقال في ذكره خبر هاشم بن المرقال قال:

ثمّ انّه مضى في عصابة معه من القراء فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه عند المساء حتى رأوا بعض ما يسرون به.

قال فانّهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شاب وهو يقول:

أنا أرباب الملوك غسان

والدائن اليوم بدين عثمان

إنِّي أتاني خبر فأشجان

أن عليّا قتل ابن عفان

ثمّ يشد فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثمّ يشتم ويلعن ويكثر الكلام فقال له هاشم بن عتبة: يا عبداللّه! ان هذا الكلام بعده الخصام، وان هذا القتال بعده الحساب، فاتق اللّه فانك راجع إلى اللّه، فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به.

قال: فإنّي أُقاتلكم لان صاحبكم لايصلّي كما ذكر لي وأنتم لاتصلّون أيضا. وأُقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم اردتموه على قتله.

فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان إنّما قتله أصحاب محمّد وأبناء أصحابه وقراء الناس حين أحدث الاحداث وخالف حكم الكتاب وهم أهل الدين وأولى بالنظر في أُمور الناس منك ومن أصحابك وما أظن أمر هذه الاُمّة وأمر هذا الدين أُهمل طرفة عين.

فقال له: أجل واللّه لا أكذب، فإن الكذب يضر ولا ينفع. قال: فان أهل هذا الامر أعلم به فخله وأهل العلم به.

قال: ما أظنك واللّه إلاّ نصحت لي.

قال: وأمّا قولك إن صاحبنا لايصلّي فهو أوّل من صلى وأفقه خلق اللّه في دين اللّه وأولى بالرسول، وأمّا كل من ترى معي، فكلهم قارئ لكتاب اللّه لا ينام الليل تهجدا فلا يغوينك عن دينك هؤلاء الاشقياء المغرورون.

فقال الفتى: يا عبداللّه! إنِّي أظنك امرأً صالحا فتخبرني هل تجد لي من توبة؟

فقال: نعم، يا عبداللّه تب إلى اللّه يتب عليك، فانّه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويحبّ المتطهرين. قال فجشر واللّه الفتى الناس راجعا.

فقال له رجل من أهل الشام: خدعك العراقي خدعك العراقي قال لا ولكن نصح لي(29).

ولمّا ان عضت الحرب معاوية كرر على علي طلب الشام، فأبى عليه، ثمّ بان الانكسار في جيش معاوية، فأشار عليهم عمرو بن العاص برفع المصاحف على الرماح يطلبون الرجوع إلى كتاب اللّه.

وقد أورد أخبارها الطبري وابن الاثير وابن كثير في تواريخهم، واخترنا لفظ ابن الاثير لايجازه، قال:

فلمّا رأى عمرو ان أمر أهل العراق قد اشتد، وخاف الهلاك قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلاّ اجتماعا، ولا يزيدهم إلاّ فرقة. قال: نعم.

قال: نرفع المصاحف، ثمّ نقول لما فيها هذا حكم بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول ينبغي لنا أن نقبل فتكون فرقة بينهم وان قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل، فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب اللّه عزّ وجلّ بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهله، من لثغور العراق بعد أهله.

وروى نصر بن مزاحم بسنده عن تميم بن حذلم أنّه قال:

لمّا أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا، فإذا أشباه الرايات أمام صفّ أهل الشام وسط الفيلق من حيال موقف معاوية، فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد رُبطتْ على أطراف الرِّماح، وهي عِظامُ مصاحف العسكر، وقد شدُّوا ثَلاثة أرماحٍ جميعا وقد ربطوا عليها مصحفَ المسجد الاعظم يُمْسِكه عشرةُ رهط. وقال أبو جعفر وأبو الطفيل: استقبَلُوا عليّا بمائة مصحفٍ، ووضعوا في كل مجنَّبةٍ مائتي مصحف، وكان جميعها خمسمائة مصحف(30). قال الطبري:

فلمّا رآها الناس، قالوا: نجيب إلى كتاب اللّه، فقال لهم علي:

عباد اللّه امضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوكم فان معاوية وعمرا وابن أبي معيط وحبيبا وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالاً ثمّ رجالاً فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم واللّه مارفعوها إلاّ خديعة ووهنا ومكيدة. فقالوا له لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب اللّه فنأبى أن نقبله.

فقال لهم عليّ: فإنِّي أُقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب فانّهم قد عصوا اللّه في ما أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه، فقال له مسعر بن فدكي التيمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء الّذين صاروا خوارج بعد ذلك:

يا عليّ! أجب إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ إذ دعيت إليه، وإلاّ دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان.

قال: فاحفظوا عني نهيي إيّاكم، واحفظوا مقالتكم لي فان تطيعوني فقاتلوا وان تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم.

قالوا: ابعث إلى الاشتر فليأتيك. فبعث عليّ يزيد بن هانئ إلى الاشتر يستدعيه.

فقال الاشتر: ليست هذه الساعة الساعة الّتي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي إنِّي قد رجوت أن يفتح اللّه لي، فرجع يزيد فأخبره وارتفعت الاصوات وارتفع الرهج من ناحية الاشتر.

فقالوا: واللّه ما نراك إلاّ أمرته أن يقاتل. فقال علي: هل رأيتموني ساررته؟ أليس كلّمته على رؤوسكم وأنتم تسمعون.

قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلاّ واللّه اعتزلناك، فقال له:

ويلك يا يزيد قل له أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت فأبلغه ذلك فقال الاشتر ألرفع المصاحف؟.

قال: نعم، قال: واللّه لقد ظننت إنّها ستوقع اختلافا وفرقة إنّها مشورة ابن العاهر ألا ترى إلى الفتح ألا ترى ما يلقون ألا ترى ما صنع اللّه لنا لن ينبغي أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم.

فقال له يزيد: أتحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلى عدوه أو يقتل.

قال: لا واللّه سبحان اللّه، فاعلمه بقولهم فاقبل إليهم الاشتر.

وقال: يا أهل العراق يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وهم واللّه قد تركوا ما أمر اللّه به فيها وسنّة من أُنزلت عليه، فامهلوني فواقا، فإنِّي قد أحسست بالفتح. قالوا: لا.

قال: امهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر. قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك.

قال: فخبروني عنكم متى كنتم محقين، أحين تقاتلون وخياركم يقتلون؟ فانتم الان إذا أمسكتم عن القتال مبطلون، أم أنتم الان محقون، فقتلاكم الّذين لاتنكرون فضلهم وهم خير منكم في النار!

قالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم للّه وندع قتالهم للّه.

قال: خدعتم وانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود، كنّا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء اللّه فلا أرى مرادكم إلاّالدنيا، ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون، فسبوه وسبهم وضربوا وجه دابته بسياطهم وضرب وجوه دوابهم بسوطه فصاح به وبهم علي فكفوا.

وقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما، فجاء الاشعث ابن قيس إلى علي، فقال أرى الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد، قال ائته فأتاه فقال لمعاوية لاي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر اللّه به في كتابه تبعثون رجلاً ترضون به ونبعث نحن رجلا نرضى به نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب اللّه لايعدوانه ثمّ نتبع ما اتّفقا عليه.

قال له الاشعث: هذا الحق، فعاد إلى علي، فأخبره. فقال الناس: قد رضينا وقبلنا. فقال أهل الشام: قد رضينا عمرا.

وقال الاشعث وأُولئك القوم الّذين صاروا خوارج: إنّا قد رضينا بأبي موسى الاشعري.

فقال علي: قد عصيتموني في أوّل الامر فلا تعصوني الان لا أرى أن أُولي أبا موسى.

فقال الاشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي: لانرضى إلاّ به فانّه قد حذرنا ما وقعنا فيه.

قال علي: فانّه ليس بثقة قد فارقني، وخذل الناس عني ثمّ هرب منِّي حتّى أمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس أُوليه ذلك.

قالوا: واللّه لا نبالي أنت كنت أم ابن عباس لا نريد إلاّ رجلاً هو منك ومن معاوية سواء.

قال: فاني أجعل الاشتر. قالوا: وهل سعر الارض غير الاشتر.

فقال: قد أبيتم إلاّ موسى؟ قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم.

فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو بعرض، فاتأه مولى له.

فقال: انّ الناس قد اصطلحوا فقال الحمد للّه، قال قد جعلوك حكما قال إنّا للّه وإنّا إليه راجعون وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر وجاء الاشتر عليّا.

فقال: ألزنى بعمرو بن العاص، فواللّه لئن ملات عيني منه لاقتلنه. وجاء الاحنف بن قيس.

فقال: يا أمير المؤمنين! انّك قد رميت بحجر الارض وإنِّي قد عجنت أبا موسى وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القمر وانّه لايصلح لهؤلاء القوم إلاّرجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم فان أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فانّه لم يعقد عقدة إلاّ حللتها ولا يحل عقدة أعقدها لك إلاّ عقدت أُخرى أحكم منها فأبى الناس إلاّ أبا موسى والرضا بالكتاب.

فقال الاحنف: ان أبيتم إلاّ موسى فادفئوا ظهره بالرجال وحضر عمرو بن العاص عند علي ليكتب القضية بحضوره فكتبوا:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين. فقال عمرو: هو أميركم وأما أميرنا فلا.

فقال الاحنف: لا تمح اسم أمير المؤمنين فإنِّي أخاف ان محوتها ان لاترجع إليك أبدا لا تمحها وان قتل الناس بعضهم بعضا، فأبى ذلك عليُّ مليا من النهار ثمّ ان الاشعث بن قيس قال: امح هذا الاسم فمحاه.

فقال علي: اللّه أكبر سنة بسنة، واللّه إنِّي لكاتب رسول اللّه (ص) يوم الحديبية فكتب محمّد رسول اللّه (ص) وقالوا لست برسول اللّه ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فأمرني رسول اللّه (ص) بمحوه فقلت لا أستطيع فقال أرنيه فأريته فمحاه بيده وقال انّك ستدعى إلى مثلها فتجيب.

فقال عمرو: سبحان اللّه أنشبه بالكفار ونحن مؤمنون.

فقال علي: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا.

فقال عمرو: واللّه لايجمع بيني وبينك مجلس بعد هذا اليوم أبدا.

فقال علي: إنِّي لارجو ان يطهر اللّه مجلسي منك ومن أشباهك، وكتب الكتاب:

هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم انّنا ننزل عند حكم اللّه وكتابه وان لا يجمع بيننا غيره وان كتاب اللّه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيى ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب اللّه وهما أبو موسى عبداللّه بن قيس وعمرو بن العاص عملا به وما لم يجداه في كتاب اللّه فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والمواثيق انّهما آمنان على أنفسهما وأهليهما والامة لهما أنصار على الّذي يتقاضيان عليه وعلى عبداللّه بن قيس وعمرو بن العاص عهد اللّه وميثاقه ان يحكما بين هذه الاُمّة لايردانها في حرب ولا فرقة حتّى يعصيا وأجل القضاء إلى رمضان وان أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه وان مكان قضيتهما مكان عدل بين اهل الكوفة وأهل الشام.

وشهد الاشعث بن قيس وسعيد بن قيس الهمداني وورقاء بن سمي البجلي وعبداللّه بن محل العجلي وحجر بن عدي الكندي وعبداللّه بن الطفيل العامري وعقبة بن زياد الحضرمي ويزيد بن حجبة التميمي ومالك بن كعب الهمداني ومن أصحاب معاوية أبو الاعور السلمي وحبيب بن مسلمة وزمل بن عمرو العذري وحمرة بن مالك الهمداني وعبدالرّحمن بن خالد المخزومي وسبيع بن يزيد الانصاري وعتبة بن أبي سفيان ويزيد بن الحر العبسي.

وقيل للاشتر ليكتب فيها فقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خط لي في هذه الصحيفة ولست على بينة من ربّي من ضلال عدوي أَوَلستم قد رأيتم الظفر.

فقال له الاشعث: واللّه ما رأيت ظفرا هلم الينا لا رغبة بك عنا، فقال: بلى واللّه الرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الاخرة للاخرة لقد سفك اللّه بسيفي دماء رجال ما أنت خير عندي منهم ولا أحرم دما.

قال: فكأنّما قصع اللّه على أنف الاشعث الحمم.

وخرج الاشعث بالكتاب يقرأه على الناس حتّى مرعلى طائفة من بني تميم فيهم عروة بن ادية أخو أبي بلال فقرأه عليهم فقال عروة: تحكمون في أمر اللّه الرجال لا حكم إلاّ للّه ثمّ شد بسيفه فضرب به عجز دابة الاشعث ضربة خفيفة واندفعت الدابة وصاح به أصحاب الاشعث فرجع وغضب للاشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن فمشى اليه الاحنف بن قيس ومسعر بن فدكي وناس من تميم فاعتذروا فقبل وشكر. وكتب الكتاب يوم الاربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين.

واتفقوا على ان يوافي أمير المؤمنين على موضع الحكمين بدومة الجندل أو باذرح في شهر رمضان وقيل لعلي: انّ الاشتر لايقر بما في الصحيفة ولا يرى إلاّ قتال القوم.

فقال علي: وانا واللّه ما رضيت ولا احببت ان ترضوا فاذا أبيتم إلاّ ان ترضوا فقد رضيت وإذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الاقرار إلاّ ان يعصى اللّه ويتعدى كتابه فقاتلوا من ترك أمر اللّه، وأمّاذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أُولئك فلست اخاف على ذلك يا ليت فيكم مثله اثنين يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوي ما أرى إذا لخفت عليَّ مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم وقد نهيتكم فعصيتموني فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: وهل أنا إلاّ من غزية إن غوت            غويت وإن ترشد غزية أرشد

واللّه لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة واسقطت منة واورثت وهنا وذلة، ولمّا كنتم الاعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنهم ويقطعوا الحرب ويتربصوا بكم المنون خديعة ومكيدة فاعطيتموهم ما سألوا وأبيتم إلا ان تدهنوا وتجيروا وأيم اللّه ما أظنكم بعدها توفقون الرشد ولا تصيبون باب الحزم.

ثمّ رجع الناس عن صفين، فلما رجع علي خالفت الحرورية وخرجت وكان ذلك أول ما ظهرت وأنكرت تحكيم الرجال، ورجعوا على غير الطريقأقبلوا فيه أخذوا على طريق البر وعادوا وهم أعداء متباغضون وقد فشا فيهم التحكيم يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط يقول الخوارج يا أعداء اللّه ادهنتم في أمر اللّه ويقول الاخرون فارقتم امامنا وفرقتم جماعتنا. وقال:

ولمّا رجع علي من صفين فارقه الخوارج، وأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا ونادى مناديهم ان أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عبداللّه بن الكوّاء اليشكري، والامر شورى بعد الفتح والبيعة للّه عزّ وجلّ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر(31).

كان ذلكم لفظ ابن الاثير ونورد باقي الخبر من ترجمة الامام علي بتاريخ ابن عساكر؛ روى بسنده وقال:

أنّ عليّا لما كاتب معاوية وحكّم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس حتى نزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة عتبوا عليه وقالوا: انسلخت من قميص ألبسك اللّه واسم سمّـاك اللّه به، ثمّ انطلقت فحكمت في دين اللّه الرجال، فلا حكم إلاّ للّه.

فلمّا ان بلغ عليا ما عتبوا عليه وفارقوا أمره، أذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلاّ رجل قد قرأ القرآن، فلما امتلات الدار من قراء الناس جاء بالمصحف إماما عظيما، فوضعه علي بين يديه فطفق يحركه بيده ويقول: أيها المصحف حدّث الناس!!! فناداه الناس ما تسأل عنه؟ إنّما هو مدادٌ وورق ونحن نتكلم بما روينا منه فماذا تريد؟ فقال: أصحابكم الّذين خرجوا بيني وبينهم كتاب اللّه، يقول اللّه في كتابه في امرأة ورجل:

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهمَا فَابْعَثُوا حَكَما مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما خَبِيرا).(النِّساء / 35)

فأُمّة محمّد (ص) أعظم حقا وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا(32) على أني كاتبت معاوية وكتبت علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول اللّه (ص) بالحديبية حين صالح قومه قريشا فكتب رسول اللّه (ص): بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قال سهيل: لا أكتب كذا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. فقال: كيف تكتب؟ فقال: بسمك اللّهمّ. فقال رسول اللّه (ص): اكتب محمّد رسول اللّه. فقال: لو نعلم أنّك رسول اللّه ما خالفناك. فكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبداللّه قريشا. يقول اللّه في كتابه:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الاخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيرا) (الاحزاب / 21)(33).

ولمّا كان الّذين أقاموا حرب الجمل وصفين على الامام علي هم رجالات قريش وعادوا الامام بسبب الغائه امتيازاتهم الّتي حصلوا عليها بعد رسول اللّه (ص) وتسويتهم مع غيرهم من المسلمين كما مرّ بنا بعض ذلك واستمر في مدّة حكمه في الكوفة على نفس النهج، وقد ذكروا في سياسته في المال ما رواه الثقفي في كتاب الغارات وقال:

عن عليّ (ع) قال: كان خليلي رسول اللّه (ص) لايحبس شيئا لغدٍ، وكان أبو بكر يفعل ذلك وقد رأى عمر بن الخطاب في ذلك رأيا أنْ دوّن الدّواوين وأخّر المال من سنة إلى سنة وأمّا أنا فأصنع كما صنع خليلي رسول اللّه (ص)(34).

وقال: انّ عليّا (ع) كان ينضح بيت المال ثمّ يتنفل فيه ويقول: إشهد لي يوم القيامة أنِّي لم أحبس فيك المال على المسلمين(35).

وقال: أتى عليّا (ع) مال من اصفهان فقسمه فوجد فيه رغيفا فكسره سبع كُسرٍ ثمّ جعل على كلّ جزء منه كُسرةً ثمّ دعا أُمرأ الاسباع فأقرع بينهم أيّهم يعطيه أوّلا وكانت الكوفة يومئذٍ أسباعا(36).

وروى ان الشّعبي قال: دخلت الرّحبة وأنا غلام في غلمان، فإذا أنا بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) قائما على صبرتين من ذهب وفضة ومعه مخفقة فجعل يطرد النّاس بمخفقته ثمّ يرجع إلى المال فيقسمه بين النّاس حتّى لم يبق منه شيء ورجع ولم يحمل إلى بيته منه شيئا، فرجعت إلى أبي فقلت: لقد رأيت اليوم خير النّاس أو أحمق النّاس، قال: ومن هو يا بنيَّ؟

قلت: رأيت أمير المؤمنين عليّا (ع) فقصصت عليه الّذي رأيته يصنع، فبكى وقال: با بنيّ بل رأيت خير النّاس(37).

وقال: كان عليّ (ع) يقسم فينا الابزار، يصرّه صررا والحرف والكمون وكذا وكذا(38). وفي الغارات للثقفي:

قدم عقيل على عليٍّ (ع) وهو جالسٌ في صحن مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه.

قال: وعليك السلام يا أبا يزيد.

ثمّ التفت إلى الحسن بن عليٍّ فقال: قم وأنزل عمّك. فذهب به فأنزله وعاد إليه، فقال له: اشتر له قميصا جديدا وإزارا جديدا ونعلا جديدة فغدا على عليٍّ (ع) في الثياب، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين.

قال: وعليك السلام يا أبا يزيد.

قال: يا أمير المؤمنين! ما أراك أصبت من الدّنيا شيئا إلاّ هذه الحصباء؟!

قال: يا أبا يزيد يخرج عطائي فأُعطيكه... الحديث(39).

وقال: قال عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب لعليّ (ع): يا أمير المؤمنين! لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فواللّه ما عندي إلاّ أن أبيع بعض علوفتي.

قال له: لا واللّه ما أجد لك شيئا إلاّ أن تأمر عمَّك أن يسرق فيعطيك(40).

كان عليّ (ع) يقول: يا أهل الكوفة! إذا أنا خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن، وكانت نفقته تأتيه من غلّته بالمدينة من ينبع. وكان يطعم الناس الخبز واللحم ويأكل هو الثريد بالزيت ويكللها بالتّـمر من العجوة، وكان ذلك طعامه، وزعموا أنّه كان يقسم ما في بيت المال فلا يأتي الجمعة وفي بيت المال شيء، ويأمر ببيت المال في كلّ عشيّة خميس فينضح المأ ثمّ يصلّي فيه ركعتين(41).

وأنّه كان يضع يده على بطنه ويقول: والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لا تنطوي ثميلتي على قلّةٍ من خيانة، ولاخرجنّ منها خميصا(42).

وروى عن أبي رجاء(43) انّه قال: ان عليّا (ع) أخرج سيفا له إلى السّوق فقال: من يشتري منّي هذا؟ فلو كان معي ثمن إزار ما بعته. قال أبو رجاء فقلت له: يا أمير المؤمنين! أنا أبيعك إزارا وأُنسئك ثمنه إلى عطائك فبعته إزارا إلى عطائه، فلمّا قبض عطاءه أعطاني حقّي(44).


17 الروقة: الحسان.

18 سورة الزخرف / 78.

19 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ط. مصر 7 / 37 ـ 39.

20 تاريخ اليعقوبي 2 / 179.

21 تاريخ فتوح أعثم 2 / 248.

22 سورة الحجرات 13.

23 ما أوجفنا: ما أعملنا.

24 شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 172 ـ 173. وطبعة تحقيق محمّد أبوالفضل إبراهيم. القاهرة / دار إحياء الكتب العربية 7 / 29 ـ 42.

25 الطبري ط. القاهرة دار المعارف 4 / 429، وط. اوربا 1 / 3069؛ وابن كثير 6 / 227 ـ 228.

26 تاريخ اليعقوبي 2 / 180.

27 تاريخ اليعقوبي 2 / 183.

28 عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي من التابعين، تهذيب التهذيب 7 / 430، والغارات للثقفي ص 397، والبحار ط. الكمباني 8 / 735.

29 الطبري ط. اوربا 1 / 3323، تاريخ الكامل لابن الاثير 3 / 124 ـ 125.

30 وقعة صفين لنصر بن مزاحم، ط. مصر سنة 1382ه ص 478. تميم بن حذلم بالحاء المهملة والدال المعجمة وزان جعفر ـ ويقال حذيم ـ الناجي الضبي. الكوفي، أبو سلمة، شهد مع علي وكان من خواصه. قال ابن حجر: ((ثقة، مات سنة مائة)). (تهذيب التهذيب والتقريب). والمجنبة، بكسر النون المشدّدة: ميمنة الجيش وميسرته؛ وبفتحها: مقدمة الجيش.

31 تاريخ الكامل لابن الاثير 3 / 126 ـ 130.

32 ونقموا في ـ النص ـ: نقما والصواب كما أثبتناه من مصورة المجمع العلمي الاسلامي 12/ 2 ورقة 182 / أ.

33 تاريخ ابن عساكر، ترجمة الامام عليّ (ع) 3 / 153 ـ 154، الحديث 1194.

34 الغارات للثقفي ط. بيروت سنة 1407ه ص 32، وط. طهران ص 48.

35 الغارات ص 33، وفي ط. طهران ص 50.

36 الغارات ص 34، وفي ط. طهران ص 50.

37 الغارات ص 36، وط. طهران ص 55؛ وشرح نهج البلاغة 1 / 180.والشعبي هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد أو عامر بن عبداللّه بن شراحيل الشعبي ـمن شعب همدانـ الحميري الكوفي الفقيه المعروف (انظر تهذيب التهذيب 5 / 65 وجامع الرواة 1 / 427).

38 الغارات ص 38، وفي ط. طهران ص 60. والابزار جمع بزر وهو كل حب ينثر للنبات أو المراد به ما يطيب به الغذاء، والحرف ـ بالضم ـ حبّ الرشاد والكمون كتنور: حب معروف.

39 الغارات، باب سيرة علي (ع) في المال، وفي الاصل (فأُعطيكاه) تحريف، ص 41، وط. طهران ص 64.

40 الغارات ص 43، وط. طهران ص 67. (علوفتي) والعلوفة: الناقة أو الشاة تعلفها ولا ترسلها يستوي بهذا الاسم الواحد والجميع. عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب. يكنى أبا جعفر أُمّه أسماء بنت عميس ولدته بالحبشة وهو أوّل مولود في الاسلام بأرض الحبشة، وقدم مع أبيه المدينة وحفظ عن رسول اللّه (ص) وروى عنه وكان كريما جوادا حليما يسمى بحر الجود وقطب السّخاء، واخباره في جوده وحلمه وكرمه كثيرة لاتحصى توفي سنة 80 عام الحجاف (وعام الحجاف سمي بذلك لانّه جاء سيل عظيم ببطن مكّة فحجف الحاج وذهب بالابل عليها أحمالها) ودفن بالبقيع وقيل: توفي سنة أربع أو خمس وثمانين وله تسعون سنة (الاستيعاب 2 / 257، أُسد الغابة 3 / 134، الاصابة، حرف العين ق 1).

41 الغارات ص 45، وط. طهران ص 69. وفي معجم البلدان ((ينبع حصن به نخيل ومأ وزروع وبها وقوف لعلي بن أبي طالب (رض) )). وفي مجمع البحرين: ((قيل لمّا قسم رسول اللّه (ص) الفيء أصاب علي (ع) أرضا فاحتفر عينا فخرج مأ ينبع في المأ كهيئة عنق البعير فسماها ينبع)). العجوة ـ بفتح العين وسكون الجيم ـ ضرب من أجود التمر بالمدينة ونخلتها تسمى لينة بكسر اللاّم.

42 الغارات ص 40، وط. طهران ص 63. والثميلة ـ كسفينة ـ: ما يكون فيه الطعام والشراب من الجوف، والخميص: الجائع يقال: خمص إذا جاع فهو خميص.

43 هو أبو رجاء التيمي من تيم الرباب الضبي.

44 نفس المصدر السابق.