أبوذرّ في مسجد الرسول (ص) وغيره:
ذكر اليعقوبي تفصيل خبر أبي ذرّ مع السلطة في تاريخه(8) وقال:
(وبلغ عثمان أنّ أبا ذرّ يقعد في مسجد رسول اللّه، ويجتمع إليه النّاس(9)، فيحدّث بما فيه الطعن عليه. وأنّه وقف بباب المسجد، فقال:
أيُّها النّاس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذرّ الغفاري، أنا جندب بن جنادة الرّبذي (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) محمّد الصفوة من نوح، فالال(10) من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمّد إنّه شرف شريفهم، واستحقّوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة وكالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجر الزيتونيّة أضاء زيتها، وبورك زبدها، ومحمّد وارث علم آدم وما فُضّل به النبيّون، وعليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد، ووارث علمه.
أيّتها الاُمّة المتحيرة بعد نبيّها! أما لو قدّمتم من قدّم اللّه، وأخّرتم من أخّر اللّه، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم، ولما عال وليّ اللّه، ولا طاش سهم من فرائض اللّه، ولا اختلف اثنان في حكم اللّه، إلاّ وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللّه وسنّة نبيّه.
فأمّا إذ فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون).
وقال:
((وبلغ عثمان أيضا أنّ أبا ذر يقع فيه، ويذكر ما غيّر وبدّل من سنن رسول اللّه وسنن أبي بكر وعمر، فسيّره إلى الشّام إلى معاوية، وكان يجلس في المسجد، فيقول كما كان يقول، ويجتمع إليه النّاس، حتّى كثر من يجتمع إليه، ويسمع منه...)) الحديث.
وقال بعد ذلك ما موجزه:
(إنّ معاوية كتب إلى عثمان أنّك قد أفسدت الشّام على نفسك بأبي ذرّ.
فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء.
فقدم به المدينة وقد ذهب لحم فخذيه وجرى له مع عثمان ما أدّى بعثمان أنْ ينفيه إلى الرّبذة)(11).
دراسة الخبر:
قال القرشي لابي ذر: أَوَلم تنه عن الفتيا؟!
فكان في جواب أبي ذر له: ((واللّه لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثمّ ظننت أني أُنفذ كلمة سمعتها من النبيّ قبل أن تجيزوا علي لانفذتها)).
اذا فقد كان الافتاء الممنوع عنه هو رواية حديث الرسول (ص) وكان في رواية أبي ذرّ تفسير (إنَّ اللّه اصطفى آدم ونوحا...) بقوله: محمّد الصفوة من نوح والال ابراهيم والسلالة من اسماعيل والعترة الهادية من محمّد.
ومن هنا ندرك أن سبب منعهم من نشر حديث الرسول وبيان تفسير آي الذكر الحكيم بأحاديث الرسول، المنع من نشر أحاديث الرسول الّتي فيها ثناء على من لا ترغب أُسرة الخلافة نشرها وكذلك نشر أحاديث الرسول (ص) الّتي فيها ذمّ لذوي الجاه والسلطة من قريش.
ولذلك قاموا بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص) ونسخوا عليها سبع نسخ وأحرقوا سائر المصاحف كما سيأتي ذكره في آخر الكتاب في بحث خلاصة أخبار القرآن بعد الرسول (ص)، أمّا سياسة الامام علي في ذلك فسندرسها باذنه تعالى في البحث الاتي.