مقتل الخليفة:

روى البلاذري(198) وقال: وكان الزبير وطلحة قد استوليا على الامر ومنع طلحة عثمان أن يدخل عليه الماء العذب فأرسل عليّ إلى طلحة وهو في أرض له على ميل من المدينة أن دع هذا الرجل فليشرب من مائه ومن بئره يعني من رومة ولا تقتلوه من العطش فأبى... الحديث.

وقال الطبري(199): (ولمّا اشتدّ الحصار بعثمان ومنع عنه الماء أرسل عثمان إلى عليّ يستسقيه، فجاء فكلّم طلحة في أن يدخل عليه الروايا وغضب غضبا شديدا حتّى دخلت الروايا على عثمان).

وقال البلاذري(200): (فحاصر الناس عثمان ومنعوه فأشرف على الناس فقال: أفيكم عليّ؟ فقالوا: لا، فقال: أفيكم سعد؟ فقالوا:

لا، فسكت، ثمّ قال: ألا أحد يبلّغ عليّا فيسقينا، فبلغ ذلك عليّا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدّة من موالي بني هاشم وبني أُميّة، حتّى وصلت إليه) ومرّ مجمّع بن جارية الانصاري(201) بطلحة بن عبيداللّه فقال: يا مجمّع ما فعل صاحبك؟

قال: أظنكم واللّه قاتليه!

فقال طلحة: فان قُتِل فلا ملك مقرب ولا نبيّ مرسل(202).

وروى الطبري(203) عن عبداللّه بن عياش بن أبي ربيعة أنّه قال: دخلت على عثمان فتحدثت عنده ساعة. فقال: يا ابن عياش:

تعال. فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على عثمان فسمعنا كلاما؛ منهم من يقول: ما تنظرون به؟ ومنهم من يقول: أنظروا عسى أن يراجع. فبينا أنا وهو واقفان إذ مرّ طلحة بن عبيداللّه فوقف فقال: اين ابن عديس(204).

فقيل: ها هو ذا.

قال: فجاءه ابن عديس فناجاه بشيء، ثمّ رجع ابن عديس فقال لاصحابه: لا تتركوا أحدا يدخل على هذا الرجل ولا يخرج من عنده. فقال عثمان: اللّهمّ اكفني طلحة بن عبيداللّه فإنّه حمل عليَّ هؤلاء وألّبهم. واللّه إني لارجو أن يكون منها صفرا وأن يسفك دمه، إنّه انتهك منّي ما لا يحلّ له... قال ابن عياش: فأردت أن أخرج فمنعوني حتّى مرّ بي محمّد بن أبي بكر، فقال: خلّوا سبيله فخلّوني...

وبلغ عليّا أنّ القوم يريدون قتل عثمان... فقال للحسن والحسين: إذهبا بسيفيكما حتّى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه...

فخضب الحسن بالدماء على بابه وشجّ قنبر مولى عليّ، فلمّا رأى ذلك محمّد ابن أبي بكر خشي أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنة، فأخذ بيد رجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأت الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما تريدون ولكن مروا بنا حتى نتسوّر عليه الدار فنقتله من غير أن يُعلم فتسوّر محمّد وصاحباه من دار رجل من الانصار حتّى دخلوا على عثمان وما يعلم أحد ممّن كان معه لانّهم كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلاّ امرأته، فقال محمّد بن أبي بكر: أنا أبدأكما بالدخول فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجّآه حتى تقتلاه، فدخل محمّد فأخذ بلحيته، فقال عثمان: لو رآك أبوك لساءه مكانك منّي، فتراخت يده ودخل الرجلان فتوجّآه حتى قتلاه(205).

وفي رواية لابن أبي الحديد: أنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعا بثوب استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام.

وروى أيضا: أنّه لما امتنع على الّذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الانصار فأصعدهم إلى سطحها وتسوّروا منها على عثمان داره فقتلوه(206).

وروى الطبري(207): أنّهم دخلوا دار عمرو بن حزم ـ وكانت إلى جنب دار عثمان ـ فناوشوهم شيئا منه مناوشة؛ وقال: فواللّه ما نسينا أن خرج سودان ابن حمران فأسمعه يقول: أين طلحة بن عبيداللّه؟ قد قتلنا ابن عفان.

وقال البلاذري(208): أنّ عليّا لمّا بلغه الخبر جاء وقال لابنيه: كيف قتل وأنتما على الباب؟! فلطم هذا وضرب صدر ذاك وخرج وهو غضبان يرى أنّ طلحة أعان على ما كان، فلقيه طلحة، فقال: ما لك يا أبا الحسن؟ فقال: عليك لعنة اللّه، أيقتل رجل من أصحاب رسول اللّه... فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل... وخرج علي فأتى منزله... إنتهى.

دفن الخليفة:

اتّفقت الروايات على أنّ عثمان ترك ثلاثا لم يدفن حتّى توسط عليُّ في ذلك. روى الطبري: أنّهم كلّموا عليّا في دفنه وطلبوا إليه أن يأذن لاهله ذلك، ففعل وأذن لهم عليُّ، فلمّا سُمِعَ بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة وخرج به ناس يسيرٌ من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يقال له حَشُّ كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم؛ فلمّا خرج به على الناس رجموا سريره وهمّوا بطرحه؛ فبلغ ذلك عليّا، فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفّن عنه ففعلوا، فانطلق به حتّى دفن في حشّ كوكب؛ فلمّا ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع؛ فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتّى اتّصل ذلك بمقابر المسلمين.

وفي حديث آخر له قال: دفن عثمان (رض) بين المغرب والعتمة ولم يشهد جنازته إلاّ مروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة فناحت ابنته ورفعت صوتها تندبه، وأخذ الناس الحجارة وقالوا: نعثل، وكادت ترجم... الحديث(209).

* * *

أوردنا حوادث عصر الخليفة عثمان بشيء من التفصيل لانّ درك الحوادث التّي جرت بعده يتوقف على استيعاب الحوادث الّتي جرت في عصره باتقان وتدبّر، وكان من خصائص المجتمع في عصره أن القرّاء ورواة حديث الرسول (ص) تلقوا من الذل والهوان والتشريد وكسر الاضلاع والحرمان من عطائهم السنوي ما لم يتلقوه قبل عصره. ونشر في عصره من تفسير القرآن ورواية حديث الرسول (ص) ما كان محظورا نشره قبل عصره، وقد مرّ بنا أن محمّد ابن أبي بكر ومحمّد بن أبي حذيفة أخبرا أهل مصر بأنّ وإليهم عبداللّه بن سعد ابن أبي سرح كان رسول اللّه (ص) أباح دمه ونزل القرآن بكفره حين قال (سأُنزل مثل ما أنزل اللّه) ولابدّ أنّ عبداللّه بن مسعود ـ أيضا ـ في خلافه، قرأ عليهم من مصحفه ان واليهم الوليد نزل في حقّه (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْما بِجَهالَةٍ) وكان ذلك سبب جمعه للمصاحف الّتي كانت عند الصحابة وفيها أمثال هذه الاخبار كما سنبينه في آخر هذا البحث إن شاء اللّه تعالى:


198 أنساب الاشراف 5 / 90.

199 الطبري 5 / 113.

200 أنساب الاشراف 5 / 68 ـ 69.

201 مجمع بن جارية بن عامر الانصاري الاوسي وكان أبوه ممّن اتّخذ مسجد الضرار وكان هو غلاما حدثا قد جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص) إلاّ سورة أو سورتين. ترجمته في أُسد الغابة 5 / 303 ـ 304.

202 أنساب الاشراف 5 / 74.

203 الطبري 5 / 122، وط. أوربا 1 / 3000؛ وابن الاثير 3 / 73.

204 هو عبدالرّحمن بن عديس البلوي. وكان ممّن بايع النبيّ تحت الشجرة وشهد الشجرة وشهد فتح مصر واختط بها. وكان ممّن سار إلى عثمان من مصر. وسجنه معاوية بعد بفلسطين وقتل سنة 36ه بعد أن هرب من السجن. الاصابة، حرف العين، القسم الاوّل 4 / 171.

205 أنساب الاشراف 5 / 69؛ وذكر فعل محمّد بن أبي بكر هذا بألفاظ أُخرى، كلّ من الطبري في 5 / 118، وط. أوربا 1 / 3021؛ وابن الاثير في تاريخ الكامل 3 / 68 ـ 70.

206 ابن أبي الحديد 2 / 404.

207 الطبري 5 / 122.

208 أنساب الاشراف 5 / 69 ـ 70.

209 الطبري 5 / 143 ـ 144، وط. أوربا 1 / 3046؛ وابن الاثير 3 / 76؛ وابن أعثم ص 159؛ وراجع الرياض النضرة 2 / 131 ـ 132.